محمد القاسمي
تتميز السينما الأوروبية عن هوليوود في الكثير من الأمور، ولعلّ أبرزها هو التركيز على عمق النصوص السينمائية والحبكات القصصية، أكثر من البهرجة الهوليوودية التي تقدّم إبهارًا بصريًا دون مضمون، مثلما نرى أفلام الكوميكس وأفلام الأكشن التجارية التي اعتمدت على تكرار نفس القصص واستخدام المؤثرات الخاصة وعوامل الترفيه لجذب الجمهور، ونجاح تلك الأفلام لحظيّ فقط، وسرعان ما تفقد بريقها لأنها تفتقر إلى ركائز الفيلم السينمائي الناجح؛ إذ لا يوجد نص قوي أو قيمة فنية أو أداء تمثيلي راسخ في الذاكرة.
من مشاهداتي في عام 2023 لمجموعة من الأفلام الأوروبية، وجدت فيلمين رائعَيْن ومتميزَيْن، أحدهما فرنسي والآخر ألماني، وكلاهما تميّز بعمق النص السينمائي وقوة أداء الممثلة الرئيسية.
الفيلم الفرنسي «Anatomy of A Fall» أو «تشريح سقطة»، للكاتبة والمخرجة «جوستين تريت»، فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي، في دورته الأخيرة بشهر مايو.
إنه فيلم دراما وجريمة مليء بالإثارة والغموض، وتبدأ أحداثه مع رجل يُدعى «سامويل»، الذي يتم العثور عليه ميتًا في الثلج خارج المنزل الذي يقطن فيه مع زوجته الكاتبة الألمانية «ساندرا»، وابنهما الصغير والضرير «دانييل».
يتم التحقيق في ملابسات وفاته فيما إذا كان قد انتحر أم قُتِل، ويُوَجَّه الاتهام إلى زوجته «ساندرا» بأنها قتلته، ويعرض الفيلم جلسات محاكمتها، ونعرف بالتدريج كيف كانت حياتها مع زوجها.؛ «دانييل» يجد نفسه وسط دوّامة من الشكوك لكونه الشاهد الوحيد، فماذا سيحدث؟
النص السينمائي كان قويًّا، وأسلوب السرد وبناء الشخصيات يجعل المُشاهِد يعيش القصة، والحوارات كانت بليغة. الفنانة الألمانية «ساندرا هولر» أذهلتني بتقمّصها الرهيب لشخصية «ساندرا»، ومن المتوقع ترشيحها لجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة، وتستحق الفوز بجدارة، وحتى النجم الواعد «ميلو ماشادو غرانر» بشخصية «دانييل» خطف الأضواء بقوة أدائه.
لم تكن هناك بهرجة إنتاجية، فالفيلم اعتمد على نصّه السينمائي القوي وأداء الممثلين، وأتوقع للفيلم نصيبًا من ترشيحات جوائز الأوسكار القادمة.
الفيلم الألماني الرائع «The Teachers’ Lounge» أو «ردهة المدرّسين» هو تفسير واقعي لعبارة «أحيانًا فعل الشيء الصائب ليس الخيار الصائب»، وهو للكاتب والمخرج «إلكير تشاتاك»، وتدور الأحداث في مدرسة في ألمانيا، مع معلّمة الرياضيات الآنسة «كارلا نوفاك»، ويتم الاشتباه في أحد طلابها في الفصل بالسرقة، فتقرر المعلّمة التقصّي والوصول إلى لُبّ الموضوع.
تقوم المعلّمة باستخدام كاميرا حاسوبها المحمول في ردهة المدرّسين، ومن هنا تتفاقم الأمور، ويحدث ما لم يكن في الحسبان من عواقب ما فعلته حتى تصبح على حافة الانهيار.
الفنانة «ليوني بينيش» هي سر قوة الفيلم بأدائها الرائع لشخصية المعلّمة «كارلا نوفاك»، وبقية الممثلين قدّموا أداءً جميلاً. الجو العام للفيلم متوتر ومثير للأعصاب بشكل يفوق الحد، والموسيقى التصويرية تعزّز هذا الجو، وكأننا أمام قاتلة تخشى أن تُكتشَف جريمتها. البطلة في حالة من الخوف والهلع والعزلة والكبْت.
الفيلم عميق بنصّه المُحكم، حول آثار حدث صغير على منظومة تعليمية بأكملها، من إدارة المدرسة وموظّفين ومعلّمين وطلّاب صغار وأولياء أمور.
تم اختيار الفيلم لتمثيل ألمانيا في جوائز الأوسكار القادمة عن فئة أفضل فيلم عالمي، وهو يستحق الترشيح والفوز بكل تأكيد.

