إيمان الخطاف
هناك أفلام لا تقبل الحياد، إما أن تحبها أو أن تكرهها، وهذا الحاصل مع فيلم «ناقة»، فهو لم يمر بهدوء كعادة الكثير من الأفلام السعودية، بل أحدث ضجيجًا وجدلًا لا ينتهي، منذ صدوره على منصة «نتفليكس» وحتى اليوم؛ مما يجعل سؤال «شفت فيلم ناقه؟» قد يكون الأكثر تداولًا بين أوساط الشباب والفتيات بعد سؤال «كيف حالك؟».
في «ناقة»، شاهدنا الكل يدلو بدلوه، المعلق الرياضي والكاتب السياسي والأستاذ الجامعي وسائق الأجرة.. فجأة أصبح الجميع مهتمًا بالسينما السعودية وضليعًا بتقييم الأفلام، حيث تداخلت أصوات التصفيق مع صرخات الاستهجان في حالة قلما تتكرر محليًا، وتحذر صُناع الأفلام من أن الجمهور السعودي ليس سهل الإرضاء، بل هو شرس تجاه ما لا يعجبه، متشبع سينمائيًا، ومتطلّب فنيًا، ولديه فضول يدفعه لمشاهدة الأفلام الجديدة والمثيرة للجدل.
ولأن النجاح الجماهيري لأي فيلم يُقاس من تصدر شباك التذاكر، فيمكن اعتبار تصدّر «ناقة» لقائمة أكثر الأفلام مشاهدة على نتفليكس في السعودية ودول أخرى، بعد يوم واحد من نزوله؛ أنه مؤشر على نجاح الفيلم من حيث قوة الانتشار، إلا أن الجمهور استقبله بالكثير من الانتقاد، ومع ذلك شاهدوه وتحدثوا عنه، وأشبعوه تحليلًا، بداية بالمخرج وحتى أصغر كومبارس.
وهنا يأتي السؤال: هل كان الجمهور قاسيًا تجاه «ناقة»؟ وهو سؤال طرحته على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، والصادم أن نحو 60% من الإجابات كانت «نعم»، مقابل 9% فقط ممن قالوا «لا». أما النسبة المتبقية، فهي لمن لم يشاهدوا الفيلم حتى الآن، وهذا يعني أن كثيرين يرون أن هناك مبالغة في تفاعل الجمهور مع الفيلم الذي استفزهم بشكل مقصود أو غير مقصود.
ينسجم «ناقة» مع أفكار المخرج مشعل الجاسر الخارجة عن المألوف، وهو أيضًا من كتب القصة التي ضعفت حبكتها أكثر من مرة، إلا أن تقنياته الإخراجية صنعت المتعة في مشاهدة العمل الذي يمزج ما بين الرعب والكوميديا والإثارة، ويبدأ بتحذير المشاهدين الذين لديهم حساسية من الضوء بسبب السرعة القصوى للكاميرا في بعض المشاهد.
ويحمل الفيلم اكتشافًا للجاسر في تقديمه لنجمة سعودية جديدة، وهي أضواء بدر التي لعبت دور «سارة» الشخصية الرئيسية في العمل، بعفوية وإقناع عاليين، وبوجه طبيعي بعيد عن حقن الفيلر والبوتكس وأطنان المكياج. كانت سارة تشبه في مظهرها أي بنت عادية في المجتمع، إلا أنها كانت متمردة، تدخن سرًا، وتخلع الحجاب بعيدًا عن أهلها، وتقابل حبيبها خلسة. ورغم أن هناك مئات من أمثال سارة على كوكب الأرض، فإنها شخصية استفزت الجمهور إلى حد كبير، ممن اعتبروها جريئة وخارجة على الأعراف الاجتماعية.
أما الممثل الشاب يزيد المجيول «سعد»، فكان حضوره طاغيًا في النصف الأول من الفيلم، بأداء هادئ، بعيد عن الافتعال والصراخ ونوبات الهلع التي يبالغ بها عدد كبير من الممثلين تجاه الأحداث المرعبة. إذ يأتي «ناقة» ليقدم لنا نجمًا جديدًا للسينما السعودية، يجمع ما بين الكوميديا والتراجيديا، ويحتاج فقط إلى بعض الوقت لتنضج تجربته وتتطور أدواته.
ومهما اختلفت الآراء تجاه فيلم «ناقة»، فإنه استطاع تحريك المياه الراكدة، ودخول منطقة جديدة أثارت حماسة وفضول الجمهور، بما يطمئننا إلى أن الأفلام المحلية قادرة على شد انتباه المشاهد السعودي، والالتفاف حولها للتفكير والتحليل، وهذا يتطلب فقط أن يكون الفيلم مختلفًا وغير تقليدي.

