Clint Worthington
لم يكن من المفترض أن يكون تقديم فيلم جيد ومتماسك عن «ستريت فايتر» بهذه الصعوبة، أليس كذلك؟ فاللعبة القتالية الشهيرة من «كابكوم» تضم واحدة من أكثر مجموعات الشخصيات إثارة وحيوية في تاريخ ألعاب الفيديو، بمقاتليها المبالغ في قدراتهم وهيئاتهم، من الأسلحة التي تشبه المخالب المعدنية، إلى القوى الكهربائية، وصولًا إلى قصات الشعر ذات القمم المسطحة التي تبدو، بصراحة، وكأنها تتحدى قوانين الجاذبية، ومع ذلك، حصلنا حتى الآن على فيلمين كارثيين، أولهما فيلم «ستيفن إي دي سوزا» الذي جمع بين المبالغة الكوميدية والحبكة المعقدة، ولم يكن في جوهره سوى إعادة توظيف لسيناريو من عالم «جي آي جو» مع استبدال شخصياته بمقاتلي اللعبة، وثانيهما فيلم «أسطورة تشون لي» للمخرج «أندريه بارتكوياك»، الذي استلهم «بداية باتمان» وخرج بعمل بالغ الملل، انطلق من افتراض لا يُغتفر، مفاده أن الجمهور يريد رؤية هذه الشخصيات وقد جرى تخفيف غرابتها والمبالغة التي تميزها.
نظريًا، وعلى الأقل وفق ما أوحت به المواد الترويجية، بدا أن نسخة عام 2026 التي أخرجها «كيتاو ساكوراي» ستنجح في كسر هذه اللعنة، فقد أظهرت وفاءً يكاد يصل إلى المبالغة للعبة الأصلية، وانغمست في أجواء الحنين إلى تسعينيات القرن الماضي بألوان النيون الصاخبة، والأهم أنها اختارت عالمًا كرتونيًا يمكن أن توجد فيه ضربات «هادوكن» وهجمات «سايكو كراشر»، وأن تستخدم فيه الشخصيات هذه القدرات بحماسة ودون تحفظ، وهكذا، من حيث المبدأ، يفترض أن يُصنع فيلم «ستريت فايتر»، فلماذا لم تكن النتيجة جيدة؟
ربما تكمن الإجابة في التوقعات المرتفعة التي صنعها الفيلم بنفسه، إذ يبدأ بمقدمة تعود بنا إلى عام 1987، مرسومة بأسلوب الأنيمي الياباني الذي يذكّر بأعمال «ستريت فايتر» المخصصة للإصدار المباشر على الفيديو (OVA) في التسعينيات، والتي حظيت باستقبال جيد، وفيها نشاهد أول بطولة للمحاربين العالميين، حيث يحقق خبير الفنون القتالية «ريو» («أندرو كوجي») الفوز على «ساغات»، بينما يتابع المواجهة معلمه «غوكن» («دون لي») وصديقه المقرب «كين ماسترز» («نوح سنتينيو»)، الذي تجمعه به أخوّة لا تقل قوة عن عضلاتهما المفتولة، لكن نشوة الانتصار لا تدوم طويلًا، فالموت الغامض الذي يطال «غوكن» بعد ذلك بوقت قصير، إلى جانب الشرخ الذي أحدثه فوز «ريو» في علاقته مع «كين»، يدفع الاثنين إلى السير في طريقين منفصلين، يختفي «ريو» ليعيش حياة زاهدة أقرب إلى حياة الرهبان، منشغلًا بإعداد الرامن، بينما يسعى «كين» إلى تحقيق شهرة جماهيرية بوصفه مقاتلًا في الفنون القتالية عرفه الجمهور من خلال «MTV»، قبل أن يبدأ نجمه في الأفول تدريجيًا.
لكن طريقَي الصديقين يتقاطعان مجددًا عندما تجمع «تشون لي» («كالينا ليانغ») مجموعة من المقاتلين للمشاركة في النسخة الثانية من بطولة المحاربين العالميين، التي ينظمها الديكتاتور الغامض «إم بايسون» («ديفيد داستمالشيان»)، وتوجه الدعوة إلى كل من «كين» و«ريو»، فيرحب «كين» بالفرصة لاستعادة مجده، بينما لا يعود «ريو» إلى الحلبة إلا لإنقاذ صديقه من مصير مروع تتنبأ به نبوءة تخص الفائز بالبطولة، وترتبط بنصف إله شرير يدعى «أكوما» («رومان رينز»)، وفي الوقت نفسه، تخوض «تشون لي» سرًا مهمة خاصة متخفية ضد «بايسون»، وقد تحتاج إلى مساعدة الشابين لإنجازها.
وكما هو حال الصديقين المتنازعين في قلب الحكاية، يبدو فيلم «ستريت فايتر» عالقًا في معركة فوضوية مع هويته الخاصة، ولنبدأ بما نجح فيه، ففي أفضل لحظاته، يظهر «ساكوراي» فهمًا لطبيعة النبرة الصاخبة التي يحتاجها عمل من هذا النوع، عبر شخصيات مبالغ في مظهرها وتصرفاتها، يؤديها ممثلون ينغمسون بحماسة كاملة في أزيائهم الزاهية المطابقة لتصميمات اللعبة، بل وحتى في قصات شعرهم، كما هي الحال مع «كودي رودز»، الذي تبدو تسريحة شعر شخصيته «غايل»، بلونها الأشقر الفاتح وقمتها المسطحة، مبالغًا فيها بقدر شخصيته نفسها، ويشكل ظهوره إحدى اللحظات الممتعة في الفيلم.
ويبدو أن عددًا كبيرًا من الممثلين قد استوعبوا بالفطرة إيقاع الشخصيات التي يؤدونها، وفي مقدمتهم «نوح سنتينيو» بدور «كين»، الذي يستحضر أداء «كيرت راسل» في فيلم «مشكلة كبيرة في الصين الصغيرة»، من خلال شخصية مفتولة العضلات، حسنة المظهر، لكنها ساذجة وعاجزة عن التصرف بحكمة، وكذلك «كالينا ليانغ» التي تمنح «تشون لي» طاقة حادة وشخصية متمردة لا تخلو من الشراسة، أما «ديفيد داستمالشيان» فيقدم شخصية زاحفة المكر، أشبه بالأفاعي في خبثها، وينجح في إضفاء المصداقية على حوارات تتضمن عبارات يصعب التعامل معها بجدية، مثل «القوة النفسية»، وحتى الظهور الخاطف لـ«جيسون موموا» في شخصية «بلانكا» الوحشية، الذي قد يفوت المشاهد إذا لم ينتبه، يحمل أبعادًا مفاجئة تتجاوز مجرد الهيئة الخضراء المعتادة للشخصية.
وعلى المستوى البصري، يبدو الفيلم أفضل بكثير مما كان متوقعًا، فقد أغرق مدير التصوير «كين سينغ» مشاهده بتأثيرات كثيفة تحاكي التحبب الطبيعي لخامة الفيلم السينمائي، وبإضاءة نيون مستوحاة من الثمانينيات، تبرز تفاصيل التصميمات المبالغ فيها للشخصيات، كما لو أنها خرجت مباشرة من عالم الأنيمي، أما تصميم حركات القتال فليس سيئًا أيضًا، إذ يستثمر الضربات الخاصة المعروفة في اللعبة بقدر محسوب، بما في ذلك الصيحات التي ترافق تنفيذها، ويمنح حركة الكاميرا أحيانًا دورًا في إبراز هذه المواجهات.
لكن باستعارة عبارة من سلسلة ألعاب منافسة، فإن هذه العناصر لا تكفي لتحقيق «انتصار كامل»، فقد بذل «ساكوراي» وشريكه في كتابة السيناريو «تي جي فيكسمان» جهدًا واضحًا للتعامل مع هذا العدد الكبير من الشخصيات الشهيرة في اللعبة، إلا أن «ستريت فايتر» مكتظ إلى درجة لا تترك مساحة حقيقية لأي شخصية خارج «كين» و«ريو»، وبقدر أقل «تشون لي»، فإلى جانب «غايل» و«بلانكا»، نحصل على ظهور محدود لشخصيات «دالسيم» («فيديوت جاموال»)، و«كامي» («ميل جارنسون»)، و«بالروغ» («كورتيس 50 سنت جاكسون»)، و«زانغيف» («أوليفييه ريخترز»)، و«فيغا» («أورفيل بيك»)، الذي يبدو أن اختياره للدور لم يكن لسبب يتجاوز اعتياده ارتداء الأقنعة في إطلالاته الغنائية، إلى جانب شخصيات أخرى لا تحصل في معظمها على أكثر من لحظة أو لحظتين دون أن يُتاح لها فعل شيء يُذكر.
أما البطولة نفسها، فتبدو وكأنها فكرة ثانوية أُضيفت إلى الفيلم دون اهتمام حقيقي، إذ تجري مواجهات قتالية وحالات انسحاب كثيرة بعيدًا عن أعين المشاهدين، إلى درجة تدفعك إلى التساؤل عما إذا كانت هناك نسخة أسطورية مدتها 3 ساعات، يمكن أن تمنح الأحداث قدرًا أكبر من الانسيابية، وأكثر الشخصيات تضررًا من هذا السيناريو المضطرب هي «ريو»، الذي يقضي جزءًا كبيرًا من الفيلم مهمشًا داخل السجن، ويجد الأداء الجاد والمخلص الذي يقدمه «أندرو كوجي» نفسه عاجزًا عن مجاراة الشخصيات الأكثر صخبًا وغرابة المحيطة به، حتى يبدو وكأنه يطفئ حيوية المشاهد بدلًا من أن يضيف إليها.
والنتيجة أن «ستريت فايتر» يبدو كما لو أن المونتاج المفرط قد كاد ينتزع منه الحياة، إذ ينتقل بسرعة محمومة بين تطورات الحبكة ومسارات الشخصيات، بسرعة تضاهي ضربة «صفعة المئة يد» الشهيرة التي ينفذها «إي هوندا» («هيرووكي غوتو»)، ففي لحظة نجد أنفسنا أمام تأملات في علاقة الأخوّة المتصدعة بين «كين» و«ريو»، وفي اللحظة التالية تنتقل الأحداث إلى «تشون لي» وهي تتحدث مع زميلها في «الإنتربول» («كايل موني»)، المتيم بها، عن خطتها للانتقام من «بايسون»، وبين الحين والآخر، تندلع مشاجرة داخل حانة، أو نشاهد جلسة مصارحة جديدة تفرغ فيها الشخصيات أعباءها النفسية بالكلام المباشر والمكرر إلى حد الإنهاك، وإذا كنت من محبي «أندرو شولتز»، فاستعد لرؤيته كثيرًا، إذ يبدو أن شخصيته «دان هيبيكي»، الصديق المقرب لـ«كين»، تستحوذ على نصيب الأسد من وقت الشاشة، دون أن تضيف معظم مشاهدها شيئًا يتجاوز منح «كين» شخصًا يتحدث إليه عن مخاوفه وشعوره بعدم الثقة بنفسه.
ولو أردت التساهل مع الفيلم، لأمكنني تفسير كل هذه الفوضى باعتبارها محاولة من «ساكوراي» لمحاكاة الإيقاع العبثي المرح لرسوم الأطفال المتحركة التي كانت تُعرض صباح السبت، لكن الانتقالات الخاطفة بين الأحداث والنبرات المختلفة، بسرعة تذكّر بمقاطع «تيك توك»، تجعل الفيلم أقرب إلى عمل آخر عن الفنون القتالية صدر في وقت سابق من هذا العام ولم يكن متماسكًا هو الآخر، وهو «فتى الكاراتيه: الأساطير»، والأسوأ أن مدة الفيلم المرهقة، البالغة ساعتين، تنتهي بتمهيد فج وصريح لجزء ثانٍ، ما يجعل التجربة برمتها تبدو أقل اكتمالًا مما كانت عليه بالفعل.
ورغم محاولات «ساكوراي» استحضار حنين أبناء الدفعات الأولى من جيل الألفية إلى الماضي، من خلال وضع أحداث «ستريت فايتر» في عام 1993، حين كانت السلسلة في ذروة شعبيتها، مع تضمين ظهور ترويجي لمنتجات مثل مشروب «جولت كولا» ومقرمشات «بيوغلز»، واستخدام أغانٍ شهيرة لا يتناسب بعضها إطلاقًا مع الحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث، فكيف تُغنّى «What’s Up» في الثمانينيات؟ ألم تصدر «Who Let the Dogs Out» عام 2000؟ فإن النتيجة تبدو أقرب إلى محاولة لاستدراج الجمهور بالحنين إلى جماليات الثمانينيات البصرية، المستوحاة من أسلوب «الفايبورويف» (Vaporwave)، على نحو يذكّر بفيلم «كونغ فيوري» الصادر عام 2015، وربما إذا حقق الفيلم نجاحًا تجاريًا كافيًا، يستطيع الجزء الثاني معالجة عيوبه وتقديم بطولة أكثر تماسكًا وانسيابية في المرة المقبلة، لكننا تمنينا الأمر نفسه لفيلم «مورتال كومبات 2»، وانظروا كيف انتهت الأمور.
