سوليوود «خاص»
ليست كل علاقة تنتهي بالفشل علاقة سامة، وليست كل مشاجرة دليلًا على إساءة أو تلاعب، لكن السينما عادت مرارًا إلى علاقات مختلفة، يصبح فيها القرب نفسه مصدرًا للخوف أو الإهانة أو السيطرة، ويبدأ أحد الطرفين، أو كلاهما، في فقدان شيء من نفسه كلما استمرت العلاقة.
ولهذا لا تشكل أفلام العلاقات السامة نوعًا سينمائيًا مستقلًا مثل الرعب أو الجريمة، بل تظهر داخل أنواع شديدة الاختلاف. قد نجدها في دراما زوجية واقعية، أو فيلم إثارة، أو كوميديا سوداء، أو حتى فيلم رعب، لأن المشكلة ليست في شكل الحكاية وإنما في طبيعة العلاقة التي تقع في قلبها، التلاعب، والسيطرة، والغيرة المفرطة، والخوف، والإذلال، والاعتماد المتبادل، أو العجز عن الانفصال رغم أن الاستمرار أصبح مؤذيًا.
وتغيرت نظرة السينما إلى هذه العلاقات مع الزمن أيضًا. بعض السلوكيات التي كانت الأفلام القديمة تمر عليها باعتبارها غيرة أو حبًا شديدًا أصبحت الأعمال الحديثة أكثر استعدادًا للنظر إليها بوصفها اختلالًا في ميزان القوة، وفي المقابل أصبحت السينما الأكثر نضجًا أكثر حذرًا من وصف كل زواج فاشل أو علاقة معقدة بأنها «سامة».
وهذا هو المسار الأكثر إثارة في تاريخ أفلام العلاقات السامة، فالسؤال لم يعد فقط لماذا يبقى شخصان معًا رغم أنهما غير سعيدين، بل متى يتحول الحب نفسه إلى وسيلة للسيطرة أو الإيذاء أو فقدان الذات؟
«Gaslight».. الفيلم الذي منح التلاعب النفسي اسمًا
يصعب البدء من مكان آخر غير «Gaslight» عام 1944 للمخرج الأميركي «جورج كيوكور»، بطولة السويدية «إنغريد برغمان» والفرنسي «شارل بواييه».
تعيش «باولا» مع زوج يبدأ تدريجيًا في جعلها تشك في ذاكرتها وإدراكها لما يحدث حولها، يخفي الأشياء ثم ينكر وجودها، ويعامل ملاحظاتها كأنها دليل على اضطرابها، حتى تبدأ هي نفسها في فقدان الثقة بما تعرفه وما تراه.
قوة الفيلم أنه فهم مبكرًا أن السيطرة لا تحتاج دائمًا إلى مواجهة ظاهرة، فقد تكون أكثر فاعلية عندما ينجح شخص في جعل الآخر غير واثق من نفسه أصلًا.
وأصبح عنوان الفيلم لاحقًا أصل المصطلح الإنجليزي «Gaslighting»، المستخدم لوصف شكل من التلاعب النفسي يقوم على دفع شخص إلى التشكيك في إدراكه وذاكرته للواقع، وهي حالة نادرة يصبح فيها اسم فيلم جزءًا من اللغة المستخدمة خارج السينما نفسها.
وفازت «إنغريد برغمان» بجائزة «الأوسكار» لأفضل ممثلة عن الدور في دورة عام 1945.
«A Streetcar Named Desire».. عندما تُقدَّم الهيمنة بوصفها قوة
في عام 1951 قدم الأميركي «إيليا كازان» «A Streetcar Named Desire»، بطولة الأميركي «مارلون براندو» والبريطانية «فيفيان لي» والأميركية «كيم هنتر».
داخل المنزل الصغير الذي تدور فيه مساحة كبيرة من الأحداث، تكشف علاقة «ستانلي» و«ستيلا» اختلالًا واضحًا في القوة، فهو سريع الغضب ومعتاد على فرض حضوره، بينما تجد هي نفسها مرارًا في موقع من يتكيف مع انفعالاته ويجد لها التبريرات.
لم يكن الفيلم درسًا مباشرًا عن العلاقات المؤذية، لكنه أصبح مع مرور السنوات مثالًا مهمًا على الطريقة التي كانت بها السينما تعرض الهيمنة والقوة الذكورية داخل العلاقة، أحيانًا مع قدر من الجاذبية الدرامية التي تجعل الحدود بين القوة والتسلط أقل وضوحًا مما تبدو عليه اليوم.
وهذه واحدة من القضايا التي تغيرت فيها قراءة الجمهور بمرور الزمن، فالسلوك الذي قد يقدم في عصر بوصفه دليلًا على شخصية قوية يمكن أن يبدو في عصر آخر علامة واضحة على علاقة غير متوازنة.
«Days of Wine and Roses».. عندما يسحب كل طرف الآخر إلى الأسفل
في عام 1962 قدم الأميركي «بليك إدواردز» «Days of Wine and Roses»، بطولة الأميركي «جاك ليمون» والأميركية «لي ريميك».
تبدأ الحكاية بعلاقة زوجية عادية ظاهريًا، لكن اعتماد الزوج المتزايد على الكحول ينتقل إلى زوجته أيضًا، ويتحول ما كان نشاطًا اجتماعيًا في البداية إلى نمط يهدد عملهما واستقرارهما والأسرة كلها.
يصف «معهد الفيلم البريطاني» الفيلم بأنه تصوير قاسٍ لزوجين ينزلقان معًا في دوامة الإدمان واليأس.
وجود الفيلم مهم هنا لأنه يكشف شكلًا مختلفًا من العلاقات المدمرة، لا يقوم على شخص شرير يسيطر عمدًا على آخر، وإنما على طرفين يغذي كل منهما سلوكًا يضر الاثنين.
ولهذا لا ينبغي استخدام كلمة «سامة» معه بمعناها الشعبي المبسط، فالمشكلة أكثر تعقيدًا من علاقة بين مؤذٍ وضحية، لكنها تظل مثالًا كلاسيكيًا قويًا على علاقة يصبح الاستمرار بالطريقة نفسها جزءًا من المشكلة.
«Who’s Afraid of Virginia Woolf?».. عندما تصبح الكلمات أسلحة
في عام 1966 قدم الأميركي «مايك نيكولز» «Who’s Afraid of Virginia Woolf?» عن مسرحية الأميركي «إدوارد ألبي»، بطولة الأميركية البريطانية «إليزابيث تايلور» والبريطاني «ريتشارد برتون».
يعيش «جورج» و«مارثا» زواجًا تراكمت داخله سنوات من الخيبة والغضب، وأصبح كل منهما يعرف نقاط ضعف الآخر بدرجة تسمح له باستخدامها عند كل مواجهة.
ليست لدينا هنا علاقة يسهل تقسيمها إلى معتدٍ وضحية، بل شخصان بنيا مع الوقت لغة مشتركة من الاستفزاز والإهانة والمنافسة، حتى أصبح الصراع نفسه جزءًا من الطريقة التي يتواصلان بها.
وحصلت «إليزابيث تايلور» على «الأوسكار» لأفضل ممثلة، كما فازت «ساندي دينيس» بأفضل ممثلة مساعدة، إضافة إلى ثلاث جوائز أخرى للفيلم.
قد يكون هذا أحد أكثر النماذج السينمائية اكتمالًا للعلاقة التي يتحول فيها القرب الشديد إلى معرفة دقيقة بكيفية إيذاء الشخص الآخر.
«Scenes from a Marriage».. كيف تنهار علاقة كانت حقيقية؟
في عام 1973 قدم السويدي «إنغمار برغمان» «Scenes from a Marriage»، الذي عُرض أولًا في ست حلقات تلفزيونية قبل أن تصدر منه نسخة سينمائية.
يتابع العمل «ماريان» و«يوهان» عبر سنوات من الزواج والخيانة والانفصال والعلاقات اللاحقة، ولا يبدأ من افتراض أن ما بينهما كان زائفًا منذ البداية، بل يفعل شيئًا أكثر إزعاجًا، يوضح كيف يمكن لعلاقة حقيقية أن تتغير مع الوقت إلى شيء لا يعرف الطرفان كيف يعيشان داخله أو يتركانه.
وتصف «كريتيريون» العمل بأنه يتتبع سنوات الحب والاضطراب التي تربط الشخصيتين عبر الزواج والخيانة والطلاق وما بعده.
وهذه نقطة مهمة في فهم العلاقات السامة على الشاشة، فبعضها لا يبدأ كذلك، بل يصل إلى هذه الحالة بعد سنوات من الصمت والتنازلات والمرارة المتراكمة.
«Possession».. عندما يصبح انهيار الزواج فيلم رعب
في عام 1981 قدم البولندي «أندجي زولاوسكي» «Possession»، بطولة الفرنسية «إيزابيل أدجاني» والنيوزيلندي «سام نيل».
يبدأ الفيلم بعلاقة زوجية تنهار في برلين المقسمة، لكن ما يبدو في البداية أزمة بين زوجين يتحول تدريجيًا إلى عالم من الرعب والفوضى، حتى تصبح المدينة والأجساد والصور الغريبة امتدادًا لما يجري داخل العلاقة نفسها.
«Possession» ليس فيلمًا واقعيًا عن العلاقات، ولا ينبغي التعامل معه بهذه الطريقة، لكنه يستخدم الرعب ليجسد شعورًا يمكن فهمه بسهولة، اللحظة التي يصبح فيها الشخص الذي يفترض أن يكون الأقرب إليك غريبًا تمامًا.
وهذه قدرة فريدة للسينما، أن تأخذ الانهيار العاطفي وتحوله إلى شيء يمكن رؤيته على الشاشة.
«Fatal Attraction».. عندما يرفض أحد الطرفين انتهاء العلاقة
في عام 1987 قدم البريطاني «أدريان لاين» «Fatal Attraction»، بطولة الأميركي «مايكل دوغلاس» والأميركية «غلين كلوز».
تبدأ الحكاية بعلاقة خارج الزواج يفترض أحد طرفيها أنها ستنتهي سريعًا، لكن الطرف الآخر يرفض قبول النهاية، وتتحول العلاقة القصيرة إلى تعلق وملاحقة وتهديد للحياة التي يحاول الرجل العودة إليها.
أصبح الفيلم واحدًا من أشهر أفلام الثمانينيات عن الهوس داخل العلاقات، لكنه تعرض أيضًا لقراءات نقدية لاحقة أكثر تعقيدًا لشخصية «أليكس»، بعد أن اختزلتها الثقافة الشعبية طويلًا في صورة المرأة المهووسة الخطرة.
وأهمية «Fatal Attraction» هنا أن طول العلاقة لا يحدد طبيعتها، فقد تتشكل علاقة شديدة الضرر في وقت قصير إذا أصبحت الحدود وحق الآخر في الانسحاب منها غير معترف بهما.
«The War of the Roses».. عندما تصبح الكراهية رابطة جديدة
في عام 1989 قدم الأميركي «داني ديفيتو» «The War of the Roses»، بطولة الأميركي «مايكل دوغلاس» والأميركية «كاثلين تيرنر».
يبدأ «أوليفر» و«باربرا» من زواج وحياة مشتركة ناجحة ظاهريًا، لكن عندما تقرر العلاقة أن تنتهي، يتحول الصراع على المنزل والممتلكات والانفصال إلى حرب متصاعدة يحاول فيها كل طرف إيذاء الآخر.
ووصف أرشيف «سايت آند ساوند» الفيلم بأنه من أكثر الصور قتامة للزواج، وهو بالضبط ما يمنحه مكانته في هذه القائمة، فالعلاقة انتهت عاطفيًا لكن الطرفين لم يعودا قادرين على ترك بعضهما.
كأن الكراهية نفسها أصبحت رابطة جديدة، وكلما حاول أحدهما الانتصار على الآخر ازداد ارتباطهما بالصراع.
«Sleeping with the Enemy».. عندما تكون النجاة في المغادرة
في عام 1991 قدم الأميركي «جوزيف روبن» «Sleeping with the Enemy»، بطولة الأميركية «جوليا روبرتس».
تعيش البطلة مع زوج شديد السيطرة، وتدرك أن تحسين العلاقة ليس هو الحل، ولذلك تصبح الحكاية عن محاولة الخروج منها وبناء حياة جديدة بعيدًا عنه.
كان هذا التحول مهمًا في السينما الجماهيرية، لأن الفيلم لا يجعل هدف الشخصية إعادة العلاقة إلى ما كانت عليه، وإنما يمنح مغادرتها شرعية كاملة داخل الحكاية.
ومن هنا ظهر بقوة سؤال ستعود إليه أفلام لاحقة، لماذا يكون الرحيل من علاقة مؤذية أصعب كثيرًا مما يبدو للشخص الذي ينظر إليها من الخارج؟
«Bitter Moon».. عندما يتحول الانجذاب إلى إذلال متبادل
في عام 1992 قدم البولندي الفرنسي «رومان بولانسكي» «Bitter Moon»، بطولة البريطانية «كريستين سكوت توماس» والبريطاني «هيو غرانت» والفرنسية «إيمانويل سينييه» والأميركي «بيتر كويوت».
يبني الفيلم جزءًا كبيرًا من حكايته على زوجين يستعيدان تاريخ علاقتهما أمام زوجين آخرين خلال رحلة بحرية، فنكتشف تدريجيًا كيف انتقلت العلاقة من الانجذاب إلى التلاعب ثم إلى محاولة كل طرف إذلال الآخر.
ويصف «معهد الفيلم البريطاني» العمل بأنه حكاية ساخرة قاتمة عن الهوس والتلاعب داخل العلاقة.
والمهم هنا أن المشكلة لا تعود إلى رغبة أحد الطرفين في المغادرة، بل إلى أن الشخصين بقيا معًا بعدما تحولت العلاقة نفسها إلى ساحة لمعاقبة كل منهما الآخر.
«Closer».. عندما تصبح الحقيقة وسيلة أخرى للإيذاء
في عام 2004 عاد «مايك نيكولز» إلى العلاقات المدمرة مع «Closer»، المقتبس من مسرحية البريطاني «باتريك ماربر»، وبطولة الأميركية «جوليا روبرتس» والبريطانيين «جود لو» و«كلايف أوين» والأميركية الإسرائيلية «ناتالي بورتمان».
يتابع الفيلم أربع شخصيات تدخل وتخرج من علاقات متشابكة، وتكذب وتخون ثم تستخدم الاعتراف بالحقيقة نفسها أحيانًا لإيلام الآخرين.
وهنا تكمن خصوصيته، فالحقيقة التي يفترض أنها أساس الثقة لا تظهر دائمًا بوصفها شيئًا نبيلًا، فقد تتحول إلى سلاح عندما لا يكون الهدف من قولها إصلاح العلاقة وإنما جرح الطرف الآخر.
ووصف الناقد «روجر إيبرت» الشخصيات بأنها شديدة المهارة في الظهور بمظهر الصراحة حتى وهي تمارس الخداع، بينما وصفت تغطية بريطانية الفيلم بأنه سلسلة من علاقات الحب المدمرة والخيانة والانكسار.
«Closer» مهم لأنه يضع اللغة نفسها في قلب العلاقة السامة، فليس كل أذى يحتاج إلى سيطرة جسدية أو تهديد، وأحيانًا يعرف الشخص الذي أحبك بالضبط أي الكلمات ستصيب المكان الأكثر حساسية.
«Revolutionary Road».. البيت المثالي من الخارج
في عام 2008 قدم البريطاني «سام مينديز» «Revolutionary Road»، بطولة الأميركي «ليوناردو دي كابريو» والبريطانية «كيت وينسلت».
يعيش «فرانك» و«أبريل» في ضاحية أميركية تبدو حياتهما فيها مستقرة، لكن وراء الصورة المنظمة توجد أحلام مؤجلة وشعور متزايد بأن الحياة أصبحت أصغر مما كان الطرفان يتخيلان.
لا يقدم الفيلم شريرًا واضحًا، بل يراقب كيف يمكن للإحباط أن يتحول تدريجيًا إلى لوم، وكيف يستخدم كل شخص خيباته ضد الآخر عندما يشعر بأنه عالق في حياة لا يريدها.
وهذا شكل مختلف تمامًا عن «Gaslight»، فلا توجد خطة واعية لتدمير الطرف الآخر، لكن النتيجة مع الوقت قد تكون علاقة يستنزف فيها كل شخص ما تبقى لدى الآخر من أمل.
«Blue Valentine».. ليست كل علاقة مؤلمة علاقة سامة
في عام 2010 قدم الأميركي «ديريك سيانفرانس» «Blue Valentine»، بطولة الأميركية «ميشيل ويليامز» والكندي «رايان غوسلينغ».
يتحرك الفيلم بين بدايات العلاقة ونهايتها، فنشاهد الشخصين عندما كان الاقتراب منهما سهلًا، ثم عندما أصبحت محاولة استعادة ما جمعهما أصعب من قدرتهما عليه.
وجود الفيلم في هذه المادة مهم لسبب معاكس تقريبًا، فهو يضع حدودًا للمصطلح.
ليس كل حب ينتهي بفشل قائمًا على التلاعب أو السيطرة، وليس وجود الغضب أو الألم دليلًا كافيًا على أن أحد الطرفين مؤذٍ بطبيعته. أحيانًا يكون ما نشاهده شخصين لم يعودا قادرين على منح بعضهما ما يحتاجانه.
وهذه الدقة ضرورية، لأن تحويل كل علاقة غير سعيدة إلى «علاقة سامة» يجعل المصطلح يفقد معناه.
«Gone Girl».. الزواج يصبح حربًا على الرواية
في عام 2014 قدم الأميركي «ديفيد فينشر» «Gone Girl»، بطولة البريطانية «روزاموند بايك» والأميركي «بن أفليك»، عن رواية الأميركية «غيليان فلين» التي كتبت السيناريو أيضًا.
يبدأ الفيلم باختفاء الزوجة «إيمي»، ثم يتحول الزوج «نيك» إلى مركز تحقيق إعلامي وشرطي، قبل أن تكشف الحكاية شيئًا أكثر غرابة من لغز الاختفاء، زواجًا كان كل طرف فيه يؤدي نسخة من نفسه كي تناسب الصورة التي يريدها الآخر.
ومع انهيار هذه الصورة تتحول العلاقة إلى صراع على من يملك القصة التي سيصدقها الآخرون.
هنا لا يعود الزواج شأناً خاصًا بين شخصين، بل أداء أمام الإعلام والأسرة والمجتمع، ويصبح الفوز بالرواية العامة جزءًا من الحرب بينهما.
«Phantom Thread».. الحب بوصفه تفاوضًا على القوة
في عام 2017 قدم الأميركي «بول توماس أندرسون» «Phantom Thread»، بطولة البريطاني الأيرلندي «دانيال داي لويس» واللوكسمبورغية الألمانية «فيكي كريبس».
«رينولدز وودكوك» رجل اعتاد أن يحدد قواعد حياته ويجعل الآخرين يتكيفون معها، ولذلك تبدو «ألما» في البداية مجرد شخص جديد سيدخل هذا النظام، لكنها ترفض تدريجيًا أن تبقى الطرف الأضعف.
الفيلم أكثر تعقيدًا من وصف العلاقة بأنها سامة ثم التوقف عند ذلك، فالشخصيتان تعيدان تشكيل ميزان القوة بينهما وتصلان إلى صيغة شديدة الخصوصية لفهم كل منهما الآخر.
وهنا يطرح العمل سؤالًا غير مريح، ماذا لو كان الطرفان يعرفان غرابة العلاقة التي بنياها ويختاران الاستمرار فيها؟
وهذا لا يجعلها نموذجًا لعلاقة صحية، لكنه يمنعنا أيضًا من اختزال فيلم شديد التعقيد في ملصق واحد.
«Marriage Story».. لماذا لا يعني الطلاق أن الزواج كان سامًا؟
في عام 2019 قدم الأميركي «نواه باومباخ» «Marriage Story»، بطولة الأميركية «سكارليت جوهانسون» والأميركي «آدم درايفر».
قد يبدو الفيلم مناسبًا مباشرة لقائمة عن العلاقات السامة بسبب الخلافات القاسية والانفصال، لكنه في الحقيقة مثال مهم على سبب ضرورة استخدام المصطلح بحذر.
نحن أمام زوجين كان بينهما حب وحياة وطفل، ثم وصلا إلى نقطة لم تعد فيها الحياة المشتركة تعمل، ومع دخول المحامين والمسافة والخلافات يبدأ أسوأ ما فيهما في الظهور.
لكن الفيلم يظل قادرًا على الاحتفاظ بالتعاطف مع الاثنين، ولا يحاول أن يجعل أحدهما وحشًا والآخر ضحية.
ولهذا يفيد وجوده هنا بوصفه خطًا فاصلًا، الطلاق المؤلم ليس دليلًا تلقائيًا على علاقة سامة.
«The Invisible Man».. السيطرة التي لا تنتهي بالمغادرة
في عام 2020 أعاد الأسترالي «لي وانيل» قصة «The Invisible Man» في صورة مختلفة تمامًا، بطولة الأميركية «إليزابيث موس».
تغادر «سيسيليا» رجلًا كان يسيطر على حياتها، لكنها تكتشف أن خروجها من العلاقة لا يعني بالضرورة خروج العلاقة من حياتها، وعندما تبدأ في الشعور بأنه ما زال يراقبها يصبح عليها أولًا أن تقنع الآخرين بأن ما تعيشه حقيقي.
وتصف «سايت آند ساوند» الشخصية بأنها مطاردة من شريك سابق متملك ومسيطر، وهو ما يجعل الفيلم قريبًا بصورة لافتة من الفكرة التي قدمها «Gaslight» قبل أكثر من سبعة عقود، التشكيك في رواية الشخص الذي يقول إنه يتعرض للأذى.
لكن الفرق أن سينما 2020 تضع تجربة المرأة نفسها في مركز الحكاية منذ البداية، ولا تجعل السؤال هل ينبغي أن نصدقها، بل كيف تستطيع مواجهة شيء يعرف الجميع من حولها أنه غير ممكن.
ما الذي يجعل العلاقة سامة فعلًا على الشاشة؟
المصطلح واسع، واستخدامه بلا تمييز يجعل المادة كلها أقل دقة.
الخلاف ليس سمية، والاختلاف في الشخصية ليس سمية، والانفصال أو حتى الفشل في الزواج لا يكفيان وحدهما لوصف العلاقة بهذه الطريقة.
ما يتكرر في الأمثلة الأوضح هو نمط مستمر، السيطرة على الطرف الآخر، التشكيك في إدراكه، إذلاله، استخدام الخوف للحفاظ على العلاقة، تجاهل حدوده، أو تحويل المعرفة الحميمة به إلى وسيلة للإيذاء. وفي حالات أخرى تكون العلاقة قائمة على دائرة من الإهانة المتبادلة لا يستطيع الطرفان الخروج منها.
ولهذا تختلف «Gaslight» عن «Blue Valentine»، ويختلف الاثنان عن «Who’s Afraid of Virginia Woolf?» و«Gone Girl». الأول يقوم على تلاعب مقصود، والثاني على علاقة تنهار، والثالث على إيذاء متبادل أصبح لغة للزواج، والرابع يحول الزواج إلى مواجهة متعمدة على السيطرة والصورة.
والفروق بين هذه الأفلام أهم من جمعها تحت عنوان واحد.
ما أشهر أفلام العلاقات السامة في تاريخ السينما؟
لا توجد قائمة رسمية لأفضل أفلام العلاقات السامة، لأن المصطلح اجتماعي ونقدي أكثر منه نوعًا سينمائيًا، لكن هناك أعمالًا يصعب تجاهلها عند دراسة الطريقة التي صورت بها السينما العلاقات المؤذية والمختلة.
في مقدمتها «Gaslight» عام 1944، الذي أصبح اسمه نفسه مصطلحًا للتلاعب النفسي، ثم «A Streetcar Named Desire» عام 1951، و«Days of Wine and Roses» عام 1962، و«Who’s Afraid of Virginia Woolf?» عام 1966، و«Scenes from a Marriage» عام 1973.
ومن الثمانينيات والتسعينيات تبرز «Possession» عام 1981، و«Fatal Attraction» عام 1987، و«The War of the Roses» عام 1989، و«Sleeping with the Enemy» عام 1991، و«Bitter Moon» عام 1992، وهي أعمال انتقلت بين الرعب والإثارة والكوميديا السوداء والدراما لكنها جعلت العلاقة المدمرة في قلب الصراع.
وفي القرن الحادي والعشرين يبرز «Closer» عام 2004، و«Revolutionary Road» عام 2008، و«Blue Valentine» عام 2010، و«Gone Girl» عام 2014، و«Phantom Thread» عام 2017، و«Marriage Story» عام 2019، و«The Invisible Man» عام 2020.
ولا تعني هذه القائمة أن كل هذه الأفلام تقدم «علاقة سامة» بالمعنى نفسه، بل إن قيمتها في الاختلاف تحديدًا، فهي ترسم الحدود بين السيطرة المقصودة، والاعتماد المدمر، والإيذاء المتبادل، والزواج الذي انهار من دون أن يكون أحد الطرفين شريرًا.
كيف تغيرت العلاقات السامة في السينما؟
إذا وضعنا «Gaslight» إلى جانب «Who’s Afraid of Virginia Woolf?» و«Closer» و«Gone Girl» و«The Invisible Man»، نرى أن السينما لم تغير شكل هذه العلاقات فقط، بل غيرت السؤال الذي تطرحه عنها.
انتقلنا من علاقة يحاول فيها شخص السيطرة على إدراك الآخر، إلى زوجين يعرفان كيف يؤذي كل منهما الآخر، ثم إلى شخصيات تستخدم الصراحة والكذب بالطريقة نفسها، وصولًا إلى أفلام تمنح الشخص الذي يحاول النجاة من السيطرة حق رواية القصة بنفسه.
وفي الوقت نفسه أصبحت بعض الأفلام أكثر ذكاءً في التمييز بين العلاقة المؤذية والعلاقة التي انتهت ببساطة، وهي نقطة لا تقل أهمية عن كشف الإساءة نفسها.
فأفضل أفلام العلاقات السامة لا تقول إن الحب فشل لأن الشخصين اختلفا، بل تكشف اللحظة التي يتوقف فيها الاختلاف عن أن يكون جزءًا طبيعيًا من العلاقة، ويصبح أحد الطرفين أو كلاهما مضطرًا إلى خسارة نفسه حتى تستمر.
