سوليوود «خاص»
لا تُصنع أفلام الأكشن من المطاردات والانفجارات وحدها، فالمشهد الكبير قد يثير الانتباه لدقائق، لكنه لا يحمل فيلمًا كاملًا إذا لم يكن هناك سبب يجعلنا نهتم بمن يركض، ومن يطارده، وما الذي سيخسره إذا توقف. خلف أشهر أفلام الحركة توجد عادة فكرة درامية بسيطة جدًا، شخص يريد الانتقام، بطل محاصر في مكان لا يستطيع مغادرته، فريق أمام مهمة تبدو مستحيلة، رجل يهرب من مطارديه، أو شخص يجد نفسه وحده أمام قوة أكبر منه.
لهذا يمكن أن تفصل عشرات السنوات بين فيلمين، وأن تختلف لغتهما وميزانيتهما وبلد إنتاجهما، ثم نكتشف أن المحرك الداخلي واحد. «Die Hard» و«The Raid» يضعان أبطالهما داخل مبنى يتحول إلى فخ، و«Duel» و«Mad Max: Fury Road» يقومان على المطاردة رغم أن أكثر من أربعة عقود تفصل بينهما، بينما يمتد أثر «Seven Samurai» إلى أفلام حديثة لا تدور في اليابان ولا يظهر فيها ساموراي واحد.
والأكشن نفسه أقدم من الصورة التي رسختها هوليوود في الثمانينيات. يشير «معهد الفيلم البريطاني» إلى أن الحركة كانت جزءًا من لغة السينما منذ بداياتها، من المطاردات والمخاطر والحركات الجسدية لدى نجوم السينما الصامتة مثل «دوغلاس فيربانكس» و«باستر كيتون»، قبل أن تضيف أفلام الغرب والساموراي والفنون القتالية والتجسس وسينما هونغ كونغ طبقات جديدة إلى هذا الإرث.
ولا تمثل المعالجات العشر التالية تصنيفًا أكاديميًا مغلقًا لأفلام الأكشن، فكثير من الأفلام يجمع أكثر من واحدة في الوقت نفسه، لكنها تقدم خريطة واضحة للأفكار الدرامية التي عادت إليها سينما الحركة مرارًا، وفي كل مرة وجدت طريقة جديدة لجعلها تعمل.
- الانتقام.. عندما تبدأ الحركة من خسارة
الانتقام من أقدم دوافع الحكاية الإنسانية، ولذلك كان دخوله إلى أفلام الأكشن طبيعيًا. تقع الخسارة أولًا، ثم يصبح لدى الشخصية هدف مفهوم لا يحتاج إلى تفسير طويل، العثور على المسؤول والرد عليه.
لكن الفارق بين فيلم انتقام عادي وآخر يبقى في الذاكرة هو ما يحدث للشخصية أثناء الطريق. بعض الأفلام تجعل القصاص نهاية منتظرة، وبعضها يحول الانتقام نفسه إلى سؤال عن الثمن الذي يدفعه صاحبه.
ظهر هذا النموذج بأشكال متعددة في أفلام مثل «Death Wish» عام 1974 و«Mad Max» عام 1979، قبل أن يحوله «كوينتن تارانتينو» إلى بناء كامل في «Kill Bill» بجزأيه عامي 2003 و2004، حيث تنتقل البطلة من اسم إلى آخر في قائمة محددة لمن تسببوا في تدمير حياتها.
ثم جاء «John Wick» عام 2014 ليعيد الفكرة داخل عالم أكثر اتساعًا، فالحادثة الشخصية التي تعيد البطل إلى ماضيه تفتح أمام المشاهد شبكة كاملة من القتلة المحترفين والقوانين والعملات والأماكن المحايدة. لم يعد الانتقام هو العالم كله، بل الباب الذي ندخل منه إليه.
وتكمن قوة هذه المعالجة في وضوحها، لكن أفضل أفلامها لا تكتفي بالسؤال عما إذا كان البطل سيصل إلى خصمه، بل تسأل أيضًا ماذا سيبقى منه عندما يصل.
- البطل المحاصر.. عندما يتحول المكان إلى جزء من المعركة
أحيانًا لا يحتاج فيلم الأكشن إلى توسيع العالم، بل إلى تقليصه.
في «Die Hard» عام 1988 للمخرج «جون مكتيرنان»، يدخل الشرطي «جون ماكلين» مبنى «ناكاتومي بلازا» ثم يجد نفسه في داخله بعد سيطرة مجموعة مسلحة عليه. يصبح المبنى نفسه خريطة للحركة، الطوابق والمصاعد والسلالم والممرات وفتحات التهوية كلها تدخل في طريقة رواية الفيلم.
نجاح «Die Hard» جعل بنيته واحدة من أكثر الصيغ تقليدًا لاحقًا، حتى أصبح وصف فيلم جديد بأنه «Die Hard في طائرة» أو «في سفينة» أو «في مكان كذا» اختصارًا مفهومًا داخل صناعة السينما. ويعده «معهد الفيلم البريطاني» أحد كلاسيكيات الأكشن التي أثرت في بناء أفلام الحركة اللاحقة، بينما تكشف الدراسات الحديثة للفيلم عن أثره في تنظيم مشاهد الحركة حول إيقاع مدروس داخل السيناريو.
بعد أكثر من عقدين، جعل «The Raid» عام 2011 للمخرج الويلزي «غاريث إيفانز» مبنى سكنيًا في إندونيسيا فخًا لفريق من الشرطة، ومع إغلاق المخارج يصبح التقدم عبر الطوابق هو الطريق الوحيد تقريبًا للنجاة. ويصف «معهد الفيلم البريطاني» الفيلم بأنه من أكثر أفلام الحركة إحكامًا، مستفيدًا من وحدة المكان والزمن ومن فن «بنشاك سيلات» القتالي.
وفي «Dredd» عام 2012 ظهرت بنية قريبة، إذ يجد الشرطيان نفسيهما داخل مجمع سكني ضخم تسيطر عليه عصابة وتغلقه عليهما.
في هذه المعالجة لا يكون المكان مجرد خلفية، فمعرفة أين يقف البطل وأين يوجد خصمه وأي طريق ما زال مفتوحًا تصبح جزءًا من متعة الفيلم.
- المهمة المستحيلة.. فريق وهدف وطريق لا يسير كما خُطط له
هناك أفلام تبدأ بهدف يعرفه المشاهد منذ البداية، إنقاذ قرية، اقتحام موقع، تدمير منشأة، استعادة شيء أو الوصول إلى شخص، ثم تقوم المتعة على سؤال واحد، كيف يمكن تنفيذ المهمة؟
من أهم الأصول السينمائية لهذه المعالجة «Seven Samurai» عام 1954 للمخرج الياباني «أكيرا كوروساوا». يستعين فلاحون بمجموعة من الساموراي لحماية قريتهم من قطاع الطرق، ويقضي الفيلم وقتًا في جمع الفريق ومعرفة قدرات أفراده والاستعداد للمعركة ودراسة المكان قبل المواجهة.
ويشير «معهد الفيلم البريطاني» إلى الأثر الهائل للفيلم في سينما الحركة اللاحقة، خصوصًا نموذج جمع مجموعة مختلفة المهارات لتنفيذ مهمة واحدة، إضافة إلى وضوح جغرافيا المعارك وتوزيع الشخصيات داخلها.
انتقلت الفكرة إلى أفلام الحرب مثل «The Dirty Dozen» عام 1967 و«Where Eagles Dare» عام 1968، ثم وجدت في سلسلة «Mission: Impossible»، التي بدأت سينمائيًا عام 1996، شكلًا حديثًا يكاد يجعل استحالة المهمة نفسها شرطًا لوجود الفيلم.
والقاعدة هنا بسيطة، الخطة ضرورية حتى يستمتع المشاهد بمشاهدتها وهي تنهار.
- المطاردة.. عندما لا تتوقف القصة عن الحركة
المطاردة من أقدم عناصر الأكشن وأكثرها نقاء، فهناك من يريد الابتعاد وهناك من يريد الوصول إليه، وكل شيء آخر يمكن أن يبنى فوق هذه العلاقة.
في «Bullitt» عام 1968 أصبحت مطاردة السيارات في شوارع سان فرانسيسكو واحدة من أشهر محطات تطور هذا النوع من المشاهد، ثم جاء «The French Connection» عام 1971 ليقدم مطاردة مختلفة، يلاحق فيها الشرطي قطارًا مرتفعًا بسيارة عبر شوارع نيويورك، في مشهد أصبح مرجعًا في تاريخ الحركة.
وفي العام نفسه قدم «ستيفن سبيلبرغ» «Duel»، وهو من أعماله الطويلة المبكرة، عن سائق عادي يجد شاحنة ضخمة تطارده عبر الطرق من دون أن يعرف تقريبًا من يقودها أو لماذا. الفيلم يقلل المعلومات إلى الحد الأدنى، ولذلك تصبح المطاردة نفسها الحكاية.
ثم جاء «The Fugitive» عام 1993 ليضيف شيئًا مهمًا، فالهارب «ريتشارد كيمبل» يحاول إثبات براءته بينما يطارده المارشال «سام جيرارد»، ويستطيع الفيلم جعلنا نهتم بالرجلين بدل تقسيمهما ببساطة إلى بطل وخصم.
وفي «Mad Max: Fury Road» عام 2015 اختصر «جورج ميلر» جزءًا كبيرًا من الفيلم في مطاردة ممتدة عبر الصحراء. ويصف «معهد الفيلم البريطاني» بنيته بأنها في جوهرها مطاردة تقارب الساعتين، لكن وضوح التكوين البصري يجعل الحركة قابلة للمتابعة رغم كثافة المونتاج.
هذه المعالجة لا تحتاج إلى تعقيد كبير، لكنها تحتاج إلى شيء أصعب، أن يشعر المشاهد بأن التوقف أخطر من الاستمرار.
- إنقاذ الرهينة.. عندما يصبح الوقت جزءًا من الأكشن
إذا كان الانتقام يتحرك بسبب شيء حدث بالفعل، فإن الإنقاذ يتحرك لمنع شيء لم يحدث بعد.
وهذا الفرق يمنح هذه المعالجة توترها الخاص، لأن البطل لا يملك وقتًا مفتوحًا. هناك شخص يجب العثور عليه قبل أن يفوت الأوان.
يقدم «Commando» عام 1985 نموذجًا مباشرًا لهذه الصيغة، حيث تتحول عملية اختطاف ابنة البطل إلى سباق لاستعادتها، ثم جاءت أفلام مثل «Air Force One» عام 1997 لتجمع الرهائن بالمكان المحاصر، بينما جعل «Taken» عام 2008 بحث الأب عن ابنته المختطفة المحرك الكامل للفيلم.
وتتقاطع المعالجة أحيانًا مع أفلام أخرى، فـ«Man on Fire» عام 2004 يبدأ من علاقة حماية ثم يتحول بعد ذلك إلى مسار أشد شخصية، لكن وظيفة الإنقاذ تبقى مختلفة عن الانتقام، فالأولوية الأولى هنا ليست معاقبة الخصم بل الوصول إلى الشخص المفقود.
ولهذا تعمل هذه الأفلام جيدًا عندما تظل العلاقة الإنسانية واضحة، لأن الجمهور يعرف منذ البداية لماذا لا يستطيع البطل أن يعود إلى المنزل ويترك المهمة لغيره.
- رجل واحد ضد منظومة.. عندما لا يكفي إسقاط الخصم
ليس كل شرير شخصًا واحدًا.
أحيانًا يكتشف بطل الأكشن أن خصمه الحقيقي مؤسسة أو جهاز أو شبكة كاملة تستطيع الاستمرار حتى إذا أزاح فردًا منها، وهنا يتغير ميزان القوة منذ البداية.
في «First Blood» عام 1982 يصل «جون رامبو» إلى بلدة صغيرة من دون أن يبحث عن مواجهة، لكن تعامله مع الشرطة المحلية يدفع الأحداث تدريجيًا إلى صراع بين رجل واحد وسلطة كاملة تملك العدد والمعدات والقانون. ويشير «معهد الفيلم البريطاني» إلى أن الجزء الأول يقدم شخصية أكثر جرحًا وتعقيدًا بكثير من صورة «رامبو» التي صنعتها الأجزاء اللاحقة.
وفي «The Bourne Identity» عام 2002 تصبح الفكرة أكثر تعقيدًا، فـ«جيسون بورن» لا يعرف من يكون، بينما تعرفه المؤسسة التي تطارده أكثر مما يعرف نفسه، فيصبح البحث عن الهوية جزءًا من الهرب منها.
كما قدمت سينما هونغ كونغ نسخها الخاصة من الفرد الذي يصطدم بالفساد، وكان «Police Story» عام 1985 محطة أساسية في مسيرة «جاكي شان»، ليس فقط بسبب الحركات الخطرة التي نفذها، بل لأنه رسخ صورته بوصفه رجلًا عاديًا نسبيًا يواجه شبكة من الجريمة والفساد بقوة الجسد والارتجال.
في هذه المعالجة، عدم التكافؤ هو أصل التوتر، فالبطل يستطيع هزيمة رجل، لكنه لا يستطيع إسقاط منظومة بالطريقة نفسها.
- الهروب.. عندما تصبح الحرية هي المهمة
في أفلام المهمة يتحرك البطل نحو هدف، أما في أفلام الهروب فالهدف هو الخروج نفسه.
يأتي «The Great Escape» عام 1963 من أشهر النماذج الكلاسيكية، حيث يتحول الفرار من معسكر أسرى حرب إلى مشروع كامل، حفر أنفاق، تزوير أوراق، صناعة ملابس، مراقبة الحراس وتنظيم خروج عشرات الأشخاص.
ثم جاءت أفلام مثل «Escape from New York» عام 1981 لتعيد بناء الفكرة داخل الخيال العلمي، حيث تحولت مانهاتن إلى سجن ضخم ويُجبر «سنيك بليسكن» على دخولها ثم الخروج منها خلال مدة محددة.
وفي «Apocalypto» عام 2006 تتحول أجزاء كبيرة من الحكاية إلى هروب جسدي طويل، حيث تصبح المسافة بين البطل وأسرته هي المسافة بين الأسر والنجاة.
والفارق الأساسي بين الهروب والبقاء أن الهروب يملك غالبًا حدًا واضحًا، جدارًا أو مدينة أو سجنًا أو منطقة يجب تجاوزها، وحين يصل الشخص إلى الجانب الآخر تتغير اللعبة.
- البقاء.. عندما لا يحتاج الأكشن إلى شرير تقليدي
في بعض أفلام الحركة لا تكون هناك مؤامرة تحتاج إلى كشفها ولا رهينة تنتظر الإنقاذ، فالهدف أبسط من ذلك بكثير، البقاء حيًا.
في «Aliens» عام 1986 للمخرج «جيمس كاميرون»، تصل مجموعة من الجنود إلى مستعمرة فضائية في مهمة تبدو في البداية قابلة للإدارة، ثم تتحول سريعًا إلى محاولة للخروج من المكان بأقل عدد ممكن من الخسائر.
وبعده بعام جاء «Predator» عام 1987، حيث تبدأ الحكاية كمهمة عسكرية قبل أن يكتشف أفراد الفريق أنهم أصبحوا هم أنفسهم فرائس لكائن يصطادهم واحدًا تلو الآخر.
أما «The Revenant» عام 2015 فيقلص دور الخصم التقليدي ويمنح البيئة والجسد المصاب والبرد والجوع جزءًا كبيرًا من الصراع.
ما يميز أفلام البقاء أنها تستطيع التخلص من كثير من التعقيد، فالنجاح لا يحتاج إلى جائزة أو اعتراف أو انتصار سياسي، يكفي أن تصل الشخصية إلى اليوم التالي.
- السرقة.. عندما يصبح التخطيط نصف المتعة
أفلام السرقة تقف في منطقة مشتركة بين الجريمة والتشويق والأكشن، لكنها قدمت للحركة واحدة من أكثر البنى قدرة على إنتاج التوتر، التخطيط، التنفيذ، ثم الشيء الذي يخرج عن الخطة.
يشير «معهد الفيلم البريطاني» إلى أن شكل فيلم السرقة الحديث بدأ يتبلور بوضوح مع «The Asphalt Jungle» عام 1950، ثم جاء «Rififi» عام 1955 ليقدم واحدة من أشهر عمليات السرقة في تاريخ السينما، في مقطع طويل يكاد يخلو من الحوار والموسيقى.
وفي «The Italian Job» عام 1969 ارتبطت السرقة بواحدة من أشهر مطاردات السيارات البريطانية، عبر سيارات «ميني» تتحرك في تورينو، وهو الفيلم الذي لا يزال معروفًا بعمله الاستعراضي الدقيق بالمركبات.
ثم جاء «Heat» عام 1995 للمخرج «مايكل مان» ليجمع فيلم السرقة وفيلم المطاردة والمواجهة الشخصية بين مجرم محترف وشرطي محترف، ويجعل التخطيط للعملية وطريقة تنفيذها بمستوى أهمية المواجهة التي تأتي بعدها.
في هذه الأفلام لا يكون السؤال فقط هل سينجحون في أخذ المال، بل أي جزء صغير من الخطة سيفتح الباب لانهيار كل شيء.
- الحرب الشخصية.. عندما يصبح الصراع أكبر من المهمة
تقترب هذه المعالجة من الانتقام أحيانًا، لكنها ليست الشيء نفسه. في الانتقام يبدأ الطريق عادة بخسارة محددة، أما الحرب الشخصية فتبدأ عندما تتجاوز المواجهة حدود الوظيفة أو المهمة، ويصبح استمرارها مرتبطًا بهوية الشخصية وولائها وما تعتبره خطًا لا يمكن التراجع عنه.
كانت سينما هونغ كونغ من أكثر المدارس التي طورت هذا النوع من الأكشن. في «A Better Tomorrow» عام 1986 للمخرج «جون وو» تتداخل الجريمة بالأخوة والولاء والشرف والخيانة، ثم أخذ «The Killer» عام 1989 هذه العناصر إلى صورة أكثر أسلوبية، قبل أن يصل «وو» في «Hard Boiled» عام 1992 إلى ذروة الحركة القائمة على السلاح والرفقة والتضحية.
ويربط «معهد الفيلم البريطاني» انطلاق تيار «Heroic Bloodshed» بـ«A Better Tomorrow»، مشيرًا إلى أن «جون وو» جمع فيه الحركة بالميلودراما وقواعد الشرف والولاء، ثم ترك تأثيرًا واضحًا في سينما الأكشن العالمية وهوليوود.
وفي هوليوود ظهرت أشكال مختلفة للحرب الشخصية، من «Lethal Weapon» عام 1987 إلى «Face/Off» عام 1997، حيث لم تعد المواجهة مجرد ملف يمكن تسليمه إلى موظف آخر، بل علاقة بين خصمين أصبح وجود كل منهما جزءًا من حياة الآخر.
هذه المعالجة هي التي تجعل المواجهة تستمر بعد انتهاء السبب الرسمي لها، لأن الشخصية لم تعد تقاتل من أجل المهمة فقط.
لماذا تعود أفلام الأكشن إلى الأفكار نفسها؟
لأن الحركة وحدها لا تحمل المعنى.
يمكن لفيلم اليوم أن يصنع انفجارًا أكبر مما استطاع فيلم قبل أربعين عامًا، وأن يستخدم مؤثرات لم تكن ممكنة سابقًا، لكن ذلك لا يعني أن المشهد سيكون أكثر إثارة. المشاهد يحتاج أولًا إلى معرفة أين يقف الأشخاص، وما الذي يريدونه، ولماذا لا يستطيعون الانسحاب.
لهذا بقي «Seven Samurai» مؤثرًا رغم مرور أكثر من سبعين عامًا على إنتاجه، ويصفه مخرجون معاصرون بأنه وضع أساسًا لوضوح الشخصيات والتكتيكات والجغرافيا داخل فيلم الحركة.
والسبب نفسه يجعل مشاهد المطاردة في «Bullitt» و«The French Connection» قابلة للمشاهدة بعد عقود، ويجعل «Die Hard» مرجعًا لفيلم الحصار، و«The Raid» قادرًا على إعادة المعالجة نفسها لجمهور جديد، و«Mad Max: Fury Road» يثبت أن فيلمًا يكاد يقوم على مطاردة واحدة يمكن أن يظل واضحًا ومتماسكًا.
كيف غيّرت الفنون القتالية أفلام الأكشن؟
لا تكتمل قصة الأكشن إذا رُويت من هوليوود وحدها.
أسهمت السينما اليابانية في بناء وضوح المعركة الجماعية مع «أكيرا كوروساوا»، ثم أصبحت هونغ كونغ واحدة من أهم المختبرات التي تطورت فيها الحركة الجسدية أمام الكاميرا. وجاء «Enter the Dragon» عام 1973 ليجعل «بروس لي» أحد أبرز الوجوه العالمية للفنون القتالية، وفتح أمام جمهور دولي واسع بابًا إلى تقاليد سينمائية كانت أكثر رسوخًا في آسيا.
ثم طور «جاكي شان» نموذجًا مختلفًا يمزج القتال بالحركات الخطرة والكوميديا واستخدام المكان، وخصوصًا في أعمال مثل «Project A» عام 1983 و«Police Story» عام 1985، بينما أعاد «جون وو» في الثمانينيات والتسعينيات تعريف الأكشن المسلح من خلال الحركة المصممة والإيقاع والولاء بين الشخصيات. ويؤكد «معهد الفيلم البريطاني» أن أعمال «وو» رفعت سقف سينما الحركة في هونغ كونغ وأثرت لاحقًا في هوليوود.
وفي نهاية التسعينيات جاء «The Matrix» عام 1999 ليجمع التكنولوجيا الهوليوودية بتأثير واضح من سينما هونغ كونغ، واستعان مصمموه بالمخرج ومصمم المعارك «يوين وو بينغ»، قبل أن تمتد طريقته في العمل إلى «Crouching Tiger, Hidden Dragon» عام 2000 و«Kill Bill». ويصف «معهد الفيلم البريطاني» «The Matrix» بأنه عمل رفع سقف ما كان متوقعًا بصريًا من أفلام الحركة، خصوصًا مع تقنيات «Bullet Time» ودمج المؤثرات بالقتال المصمم.
ولهذا فإن الشكل الحديث لأفلام الأكشن هو في الحقيقة نتيجة حوار طويل بين مدارس سينمائية متعددة، لا اختراع صناعة واحدة.
ما أشهر أفلام الأكشن في تاريخ السينما؟
لا توجد قائمة واحدة يمكنها حسم أفضل أفلام الأكشن، لأن النوع نفسه يتداخل مع الحرب والغرب والجريمة والفنون القتالية والخيال العلمي والتجسس والمغامرة، لكن هناك محطات لا يصح أن تغيب عن أي سرد جاد لتاريخه.
في السينما الصامتة يبرز «The General» عام 1926 لـ«باستر كيتون»، الذي جمع الحركة الجسدية والقطارات والمطاردة في زمن كان تنفيذ كل شيء تقريبًا أمام الكاميرا حقيقة لا محاكاة رقمية. وتؤكد قراءة «معهد الفيلم البريطاني» لتاريخ الأكشن أن نجوم السينما الصامتة والحركات الخطرة المبكرة كانوا من الأسس التي بُني عليها النوع لاحقًا.
ثم يأتي «Seven Samurai» عام 1954 بوصفه واحدًا من أهم أصول بناء الفريق والمعركة في السينما الحديثة، وبعده «North by Northwest» عام 1959 في المزج بين المطاردة والتجسس والمغامرة، و«The Great Escape» عام 1963 في سينما المهمة والهروب، ثم «Bullitt» عام 1968 و«The Wild Bunch» عام 1969 و«The French Connection» عام 1971، وهي أفلام ساهمت في تغيير طريقة تصوير الحركة والمطاردات والعنف على الشاشة.
ولا يمكن تجاهل «Enter the Dragon» عام 1973 عند الحديث عن الانتشار العالمي لسينما الفنون القتالية، ولا «Raiders of the Lost Ark» عام 1981 الذي أعاد روح المغامرات المتسلسلة القديمة إلى الفيلم الجماهيري الحديث. ويضع «معهد الفيلم البريطاني» «Raiders» بين الأعمال الكبرى في تاريخ الأكشن، مشيرًا إلى أن بنيته تعمل تقريبًا كسلسلة متصلة من المطاردات والمواقف الحركية.
وشهدت الثمانينيات واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا في تشكيل الصورة الحديثة للنوع، مع «Mad Max 2» عام 1981، و«First Blood» عام 1982، و«Police Story» عام 1985، و«Aliens» عام 1986، و«A Better Tomorrow» في العام نفسه، و«Lethal Weapon» و«Predator» عام 1987، ثم «Die Hard» عام 1988 و«The Killer» عام 1989. وفي هذه الفترة أيضًا ترسخت صورة نجم الأكشن الهوليوودي ذي القوة الجسدية الكبيرة مع أسماء مثل «أرنولد شوارزنيغر» و«سيلفستر ستالون»، وهي ظاهرة يربطها مؤرخو النوع بملامح الثقافة الأميركية في ذلك العقد.
وفي التسعينيات انتقلت أفلام الأكشن إلى مرحلة أخرى مع «Terminator 2: Judgment Day» عام 1991، و«Hard Boiled» عام 1992، و«The Fugitive» عام 1993، و«Speed» عام 1994، و«Heat» عام 1995، و«Face/Off» عام 1997، ثم «The Matrix» عام 1999، الذي ترك أثرًا واضحًا في الطريقة التي صُورت بها المعارك والمؤثرات والحركة في العقد التالي.
ومع بداية القرن الحادي والعشرين برز «Crouching Tiger, Hidden Dragon» عام 2000 بوصفه محطة عالمية جديدة للفنون القتالية، ثم «The Bourne Identity» عام 2002، و«Kill Bill» عام 2003، و«Casino Royale» عام 2006، قبل أن يأتي «The Raid» عام 2011 ويعيد القتال القريب إلى الواجهة بقوة، ثم «John Wick» عام 2014 و«Mad Max: Fury Road» عام 2015 و«Mission: Impossible – Fallout» عام 2018.
ولا تتوقف الخريطة عند السينما الأميركية والشرق آسيوية، فصعود أعمال من مناطق أخرى أكد أن الأكشن أصبح لغة عالمية قابلة لإعادة التفسير، من السينما الإندونيسية في «The Raid» إلى السينما الهندية التي قدمت في السنوات الأخيرة نماذج واسعة الانتشار مثل «RRR» عام 2022، حيث يختلط الفيلم التاريخي والميلودراما والحركة في أسلوب خاص بعيد عن النموذج الهوليوودي.
هذه الأفلام لا تتشابه، وبعضها ليس «أكشن» خالصًا أصلًا، لكن أهميتها أنها تكشف كيف انتقل النوع من الحركة الجسدية أمام كاميرات السينما الصامتة إلى المطاردات الواقعية، ثم إلى العضلات والأسلحة والفنون القتالية، وصولًا إلى المزج المعاصر بين الأداء الحقيقي والمؤثرات والتقنيات الرقمية.
لماذا تبقى بعض مشاهد الأكشن بينما تُنسى أخرى؟
ليست المسألة في حجم المشهد وحده.
مطاردة تستطيع أن تصبح كلاسيكية بسيارتين، ومواجهة داخل غرفة قد تكون أكثر توترًا من معركة تضم مئات الأشخاص، لأن ما يحدد قوة المشهد هو معرفة المشاهد بما يجري داخله، من يطارد من، وأين يريد أن يصل، وما الذي سيتغير إذا فشل.
وهذا أحد الدروس التي تتكرر من «Seven Samurai» إلى «Die Hard» ثم «Mad Max: Fury Road»، الحركة تكون أقوى عندما يعرف المشاهد مكانه داخلها. ويمكن للمخرج بعد ذلك أن يسرع المونتاج أو يزيد عدد الشخصيات أو يرفع حجم الدمار، لكن الوضوح يأتي أولًا.
ولهذا فإن أشهر أفلام الأكشن لم تصبح كلاسيكيات لأنها امتلكت أكبر الانفجارات في زمنها، فكثير من الأفلام التي كانت أضخم منها اختفى، بينما بقيت هي لأنها وجدت فكرة بسيطة يمكن أن تحمل الحركة كلها.
شخص يجب أن يهرب، وآخر يجب إنقاذه، وفريق أمام مهمة، ورجل داخل مبنى، وخصمان لا يستطيع أحدهما ترك الآخر، ومطاردة يصبح التوقف فيها مستحيلًا.
وهنا تكمن قوة أفلام الأكشن، فالحركة ليست القصة نفسها، بل النتيجة المرئية لشيء تريده الشخصية بشدة إلى درجة أنها لا تستطيع البقاء في مكانها.
