سوليوود «خاص»
في السينما، تبدو المافيا غالبًا صاحبة الصورة التي تريدها، رجال بملابس أنيقة، قوانين داخلية صارمة، ولاء للعائلة، وصراعات تُروى بكثير من الهيبة حتى عندما تكون دامية، لكن المشكلة تبدأ عندما تقرر بعض الأفلام أن تنزع هذه الصورة بالكامل، وأن تقدم رجال الجريمة المنظمة باعتبارهم مبتزين أو قتلة أو أصحاب نفوذ يقوم على الخوف لا على أي بطولة، عندها لم يبق الاعتراض دائمًا داخل قاعات السينما، ففي حالات موثقة وصل الغضب إلى تهديدات واعتداءات وجرائم قتل، بينما اضطر منتجو أفلام أخرى إلى التفاوض مع شخصيات مرتبطة بالجريمة المنظمة قبل أن يكتمل التصوير.
هذه الحالات لا تنتمي إلى بلد واحد أو تنظيم واحد، فمن اليابان إلى الولايات المتحدة وإيطاليا، اصطدمت أفلام مختلفة بعصابات «الياكوزا» والمافيا المكسيكية و«كامورا» وشخصيات نافذة في عالم الجريمة المنظمة الإيطالية الأميركية، لكن اللافت أن سبب الغضب لم يكن واحدًا دائمًا، بعض العصابات اعترضت على كشف أساليبها، وبعضها رفض مشاهد رآها مهينة، وفي حالة أخرى تحركت جماعة يقودها أحد أبرز رجال المافيا ضد فيلم قبل أن يبدأ تصويره تقريبًا، لذلك لا تكشف هذه القصص فقط عن علاقة الجريمة المنظمة بالسينما، بل عن شيء أكثر غرابة، وهو مدى اهتمام العصابات بالصورة التي تصنعها الشاشة عنها.
«Minbô no onna».. عندما سخر الفيلم من «الياكوزا» فهاجموا مخرجه
قد تكون قصة المخرج الياباني «جوزو إيتامي» أوضح مثال على انتقال الصراع من الشاشة إلى الواقع. في عام 1992 قدم فيلم «Minbô no onna»، المعروف دوليًا أيضًا باسم «Minbo: The Gentle Art of Japanese Extortion»، وتدور قصته حول محامية تساعد إدارة فندق فاخر في مواجهة عصابات تحاول ابتزازه، لكن الفيلم لم يتعامل مع «الياكوزا» بالصورة التي اعتادت عليها بعض الأعمال اليابانية، فلم يقدم رجال العصابات كأبطال متمردين أو شخصيات تحكمها قواعد شرف، وإنما كمبتزين يعتمد نفوذهم أساسًا على التخويف، ثم جعل شخصيات عادية تتعلم كيف تقاومهم.
بعد ستة أيام فقط من افتتاح الفيلم، وتحديدًا يوم 22 مايو 1992، تعرض «إيتامي» لهجوم أمام منزله في طوكيو، وأصيب بجروح في الوجه والرقبة والكتف، وفي السنوات التالية انتقلت القضية من دائرة الشبهات إلى القضاء، إذ أدين أعضاء مرتبطون بتنظيم «غوتو غومي»، التابع لـ«ياماغوتشي غومي»، بالاعتداء عليه، وأيدت محكمة طوكيو العليا عام 1997 أحكام السجن بحق اثنين منهم، موضحة أن المتهمين تآمروا على مهاجمة المخرج الذي قدم فيلمًا يتناول مقاومة ابتزاز العصابات.
أهمية الواقعة لا تكمن في الاعتداء وحده، بل في السبب الذي جعل الفيلم مستفزًا لهذه الدرجة، فالتغطيات التي رافقت عرضه أشارت إلى أن بعض الأعمال اليابانية السابقة كانت تمنح رجال «الياكوزا» صورة أكثر جاذبية أو رومانسية، بينما قلب «إيتامي» هذه المعادلة، وجعل العصابة تبدو مجموعة من المتنمرين الذين يمكن تفكيك نفوذهم بمجرد فهم وسائلهم ورفض الخضوع للخوف، بل إن الفيلم يشرح داخل حبكته طرق التعامل مع الابتزاز، وهي نقطة جعلت رسالته أكثر مباشرة من مجرد السخرية السينمائية.
واصل «إيتامي» العمل بعد الاعتداء، لكن قصته أخذت منعطفًا أكثر غموضًا في ديسمبر 1997 عندما توفي إثر سقوطه من مبنى في طوكيو، واعتبرت السلطات الوفاة انتحارًا، ولم تجد التحقيقات آنذاك دليلًا معلنًا على وقوع صراع فوق السطح. ظهرت لاحقًا روايات تربط موته بعناصر من «الياكوزا»، لكن هذه الروايات لم تتحول إلى حقيقة قضائية مثبتة، ولذلك يبقى الثابت في قصته هو الاعتداء الذي تعرض له عام 1992 وإدانة رجال عصابات فيه، أما القول إن «الياكوزا» اغتالته لاحقًا فلا يمكن تقديمه باعتباره حقيقة محسومة.
«American Me».. فيلم تبعته جرائم قتل حقيقية
في العام نفسه تقريبًا ظهرت في الولايات المتحدة قصة أشد دموية حول «American Me»، الذي أخرجه وقام ببطولته الأميركي من أصول مكسيكية «إدوارد جيمس أولموس»، وقدم من خلاله عالم عصابات السجون والمافيا المكسيكية المعروفة باسم «La Eme»، في محاولة قال «أولموس» إنها تستهدف تفكيك جاذبية حياة العصابات أمام الشباب، لا تمجيدها.
لكن بعض أفراد المافيا المكسيكية رأوا الفيلم بصورة مختلفة، وتركز الاستياء خصوصًا حول الطريقة التي صُورت بها الشخصية القيادية الرئيسية ومشاهد اعتُبرت مهينة للتنظيم، وبعد عرض الفيلم بدأت تحدث وقائع لم تعد مجرد شائعات في أوساط هوليوود. ففي محاكمة اتحادية كبيرة عام 1997 ضد أعضاء في المافيا المكسيكية، تضمنت الاتهامات قتل ثلاثة أشخاص ارتبطوا بالفيلم بوصفهم مستشارين، وانتهت المحاكمة بإدانة 12 متهمًا بقضايا مرتبطة بالابتزاز والجريمة المنظمة والقتل، وكان بين الجرائم التي تناولتها القضية قتل المستشارين الثلاثة المرتبطين بـ«American Me».
لكن التفاصيل تحتاج إلى تمييز مهم، لأن القول إن الأشخاص الثلاثة قُتلوا جميعًا فقط بسبب مشاركتهم في الفيلم سيكون تبسيطًا لا تسمح به الأدلة. من بين الضحايا «آنا ليزاراغا»، وهي ناشطة ضد العصابات شاركت في تقديم المشورة للفيلم، وأشارت جهات اتحادية إلى أن اعتبار الفيلم مسيئًا كان أحد دوافع قتلها، بينما قدم شاهد حكومي خلال المحاكمة دافعًا إضافيًا يتعلق باتهامها داخل التنظيم بأنها يمكن أن تكشف أنشطة تجارة المخدرات، وهذا يعني أن الفيلم كان جزءًا من سياق أوسع من الصراعات والاتهامات الداخلية.
أما «أولموس» نفسه، فقد عاش فترة طويلة وسط مخاوف حقيقية بشأن سلامته، وأظهرت سجلات قضائية وتقارير صحفية أن اسمه طُرح في اجتماعات لأشخاص مرتبطين بالمافيا المكسيكية، كما أخبر الشرطة بأنه يخشى وجود أمر باستهدافه، وظهرت ضمن المحاكمة لاحقًا تسجيلات وشهادات تتناول موقف العصابة منه، وإن كان أحد الاتهامات المتعلقة بمحاولة ابتزازه قد أُسقط من القضية من دون توضيح علني للسبب.
تجعل هذه الوقائع «American Me» حالة مختلفة عن القصص التي تقوم على روايات غير مثبتة، لأن رد الفعل لم يبق عند حدود تهديد مجهول أو حكاية تناقلها العاملون في الفيلم، بل دخل جزء منه ملفات قضية اتحادية واسعة ضد المافيا المكسيكية، وهنا أصبحت العلاقة بين الفيلم والعالم الذي حاول تصويره جزءًا من السجل القضائي نفسه.
«The Godfather».. الفيلم الذي تفاوض مع رجال المافيا قبل تصويره
المفارقة الأكبر ربما تخص الفيلم الذي رسخ أكثر من أي عمل آخر الصورة السينمائية الحديثة للمافيا، «The Godfather»، لأن الصراع لم يبدأ بعد عرضه عام 1972، وإنما قبل اكتماله، عندما أصبحت خطط إنتاجه هدفًا لتحرك تقوده «الرابطة الإيطالية الأميركية للحقوق المدنية»، التي كان أحد أبرز مؤسسيها ورئيسها «جو كولومبو»، زعيم عائلة «كولومبو» الإجرامية في نيويورك.
كانت الرابطة تعلن أنها تعارض ربط الأميركيين من أصول إيطالية بالجريمة المنظمة، وجعلت الفيلم أحد أهداف حملتها، ومع تصاعد الاعتراض بدأت التهديدات تصل إلى القائمين على الإنتاج، وروت مساعدة المنتج «ألبرت رودي» أن الشرطة أخبرته بأنه كان يخضع للمراقبة، فصار يبدل سيارته باستمرار، وفي إحدى الليالي أطلق الرصاص على السيارة الرياضية التي كان يستخدمها بعد أن تركها لدى مساعدته، كما أُخلي مبنى شركة «غلف أند ويسترن»، المالكة لـ«باراماونت»، مرتين بسبب تهديدات بوجود قنابل، وتلقى رئيس الاستوديو «روبرت إيفانز» تهديدًا هاتفيًا يتعلق بالفيلم وعائلته.
الحل الذي انتهى إليه «رودي» كان أكثر غرابة من التهديدات نفسها، فقد التقى «كولومبو» وأتاح له الاطلاع على السيناريو، ثم توصل الطرفان إلى تفاهم يقضي بعدم استخدام كلمة «Mafia» في الفيلم، وهي كلمة لم تكن تظهر في السيناريو إلا مرة واحدة وفق رواية «رودي»، وفي المقابل توقفت معارضة الرابطة وأعلنت دعمها للإنتاج، حتى إن «رودي» ظهر بعدها في مؤتمر صحفي مع مسؤوليها، وهي الخطوة التي أثارت غضب الإدارة العليا في الشركة وكادت تتسبب في طرده نهائيًا من الفيلم.
هذه القصة تحتاج أيضًا إلى إزالة إحدى المبالغات الشائعة عنها، فلا توجد حاجة للقول إن رجال المافيا أرسلوا «طرودًا مفخخة» إلى مكاتب «باراماونت» حتى تبدو الحكاية أكثر إثارة، فما هو موثق بالفعل يكفي وحده، إطلاق النار على سيارة مرتبطة بالمنتج، والتهديدات الهاتفية، وبلاغات القنابل، ثم اللقاء الفعلي بين المنتج و«جو كولومبو»، وانتهاء المواجهة بتعديل السيناريو.
والأغرب أن الفيلم الذي اضطرت «باراماونت» إلى التفاوض بشأنه مع رجال الجريمة المنظمة أصبح لاحقًا العمل الذي منح المافيا واحدة من أكثر صورها السينمائية تأثيرًا في الثقافة الشعبية، وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها، فالجهة التي حاولت في البداية منع الفيلم أو تغيير لغته أسهمت، من حيث لا تريد، في قصة ميلاد أكثر الأعمال ارتباطًا باسم المافيا في تاريخ السينما.
«Gomorrah».. عندما بدأ الخطر من الكتاب ووصل إلى السينما
حالة «Gomorrah» الإيطالية مختلفة قليلًا، ولذلك لا يصح وضعها في السياق نفسه من دون توضيح، فالتهديد الأساسي لم يبدأ بسبب فيلم «ماتيو غاروني» عام 2008، وإنما بسبب الكتاب الذي استند إليه الفيلم، والذي نشره الصحفي والكاتب الإيطالي «روبرتو سافيانو» عام 2006 وكشف فيه شبكات وأنشطة «كامورا» في نابولي وكازيرتا، وبعد نجاح الكتاب وتحوله إلى ظاهرة عامة أصبح «سافيانو» هدفًا مباشرًا لعشيرة «كازاليزي» التابعة لـ«كامورا»، ووُضع منذ ذلك العام تحت حماية أمنية مستمرة.
حوّل «غاروني» المادة لاحقًا إلى فيلم شديد القسوة في واقعيته، وابتعد عن الشكل التقليدي الذي يضع زعيم العصابة في مركز الحكاية، فوزع الأحداث على مجموعة من الشخصيات العالقة داخل اقتصاد كامل تديره الجريمة، من المخدرات إلى المقاولات والنفايات السامة، ووصف المخرج منهجه بأنه أقرب إلى مراقب موجود داخل المكان، بينما أكد مهرجان «كان» أن الفيلم يتابع مصائر عدة أشخاص داخل شبكة «كامورا»، وقد فاز «Gomorrah» بالجائزة الكبرى في المهرجان عام 2008.
الواقع تسلل إلى الفيلم بطريقة أخرى أيضًا، إذ استعان «غاروني» ببعض السكان المحليين في مناطق التصوير إلى جانب الممثلين المحترفين، وبعد صدور الفيلم أُلقي القبض على عدد من المشاركين فيه أو خضعوا للتحقيق للاشتباه بعلاقات حقيقية مع الجريمة المنظمة، وهو ما جعل الحدود بين الفيلم والبيئة التي يصورها أكثر ضبابية من المعتاد.
أما «سافيانو»، فاستمرت قصته سنوات بعد انتهاء الفيلم، وفي يوليو 2025 أيدت محكمة استئناف في روما إدانة «فرانشيسكو بيدونيتي»، أحد قيادات «كامورا»، في قضية تهديده، كما ثبتت إدانة محاميه السابق في القضية نفسها، وكانت التهديدات مرتبطة برسالة قُرئت في محكمة عام 2008 واستهدفت «سافيانو» وصحفية أخرى بسبب عملهما في كشف أنشطة المنظمة، وبعد صدور الحكم قال الكاتب إن «كامورا» سلبته حياته بسبب اضطراره إلى العيش تحت الحماية على مدار الساعة.
ولهذا فالدقة تقتضي ألا نقول إن فيلم «Gomorrah» وحده جعل «كامورا» تحكم بالموت على كاتبه، فالقصة بدأت بالكتاب والعمل الصحفي قبل الفيلم، لكن دخول السينما على الخط نقل هذه المادة إلى جمهور عالمي أوسع، وحول الكشف المكتوب عن المنظمة إلى صورة أصبحت جزءًا من الثقافة السينمائية الحديثة.
لماذا تهتم العصابات أصلًا بما تقوله السينما عنها؟
عند وضع الحالات الأربع بجوار بعضها تظهر ملاحظة لافتة، العصابات لا تغضب بالضرورة من السينما لأنها تظهرها عنيفة، فالعنف جزء من الصورة التي بنتها هذه التنظيمات عن نفسها أصلًا، وإنما يصبح الفيلم أكثر حساسية عندما يسحب منها السيطرة على معنى هذه الصورة.
في «Minbô no onna» لم تكن المشكلة أن «الياكوزا» ظهرت خطيرة، بل أن الفيلم جعلها قابلة للسخرية والهزيمة، وفي «American Me» اصطدم العمل بحساسيات داخلية تتعلق بمكانة القيادة وطريقة تصويرها، وفي «The Godfather» كان الاعتراض المعلن يدور حول استخدام كلمة «Mafia» وربط الجريمة المنظمة بالأميركيين من أصل إيطالي، أما «Gomorrah» فتخلى تقريبًا عن أي رومانسية مرتبطة بعالم العصابات وحوله إلى نظام اقتصادي واجتماعي خانق يعيش الناس داخله.
وتكشف الحالات الأربع كذلك اختلافًا آخر بين أفلام الجريمة التي تمنح العصابات أسطورة وبين الأفلام التي تفكك هذه الأسطورة، فبعض أشهر أفلام المافيا في التاريخ جعل رجال العصابات شخصيات تتمتع بكاريزما كبيرة حتى عندما تدين أفعالهم، بينما اختار «إيتامي» و«غاروني» مثلًا إزالة معظم هذه المسافة الجمالية، الأول بالسخرية، والثاني بواقعية تكاد تكون وثائقية، وبين النموذجين يتغير موقف العصابة من مجرد كونها موضوعًا للسينما إلى شعورها بأن السينما نفسها تتدخل في صورتها ونفوذها.
لكن القصص تكشف في الوقت نفسه أن العلاقة لم تكن باتجاه واحد، فالجريمة المنظمة تأثرت بالسينما مثلما حاولت التأثير فيها، وبعض رجال العصابات استعاروا صورهم وسلوكهم من أفلام سابقة، وفي حالة «Gomorrah» وصل الأمر إلى أن أشارت تقارير إلى افتتان بعض أعضاء «كامورا» بشخصية «توني مونتانا» في «Scarface»، بل إن أحد زعمائها بنى مسكنًا مستوحى من الفيلا التي ظهرت في الفيلم، وهي مفارقة تجعل الحدود بين العالمين أكثر تعقيدًا، السينما تصنع صورة رجل العصابة، ورجل العصابة يشاهد الصورة ويعيد تقليدها، ثم تأتي السينما من جديد لتصور الواقع الذي ساهمت هي نفسها في تشكيل جزء منه.
في النهاية، لا تبدو أخطر الأفلام على الجريمة المنظمة هي بالضرورة تلك التي تكشف أكبر عدد من الأسرار، فقد يكون أخطر ما تفعله السينما أحيانًا أكثر بساطة، أن تسلب العصابة الأسطورة التي تريد أن يراها الآخرون، وأن تعرض القوة باعتبارها ابتزازًا، والهيبة باعتبارها خوفًا، وقواعد الشرف باعتبارها غطاءً لعالم تديره المصالح والعنف، وعندما يحدث ذلك، تكشف ردود الفعل الحقيقية أن المعركة حول صورة المافيا لم تكن دائمًا جزءًا من الخيال السينمائي، ففي بعض المرات كانت الصورة نفسها شيئًا يستحق، في نظر أصحابها، أن يُقاتلوا من أجله خارج الشاشة.

