سوليوود «خاص»
عندما بدأت المؤلفة الموسيقية الآيسلندية «هيلدور غودنادوتير» العمل على موسيقى «28 Years Later: The Bone Temple»، لم تبحث فقط عن نغمة تجعل الفيلم أكثر ظلمة، بل عن مادة تنتمي فعلًا إلى العالم الموجود على الشاشة، فالفيلم يحمل اسمه من المعبد الذي بناه الطبيب «إيان كيلسون»، الذي يؤدي دوره «رالف فاينس»، من جماجم ضحايا فيروس «Rage»، ومن هنا جاءت الفكرة غير المألوفة، إذا كانت العظام تملأ المكان الذي يراه الجمهور، فلماذا لا تصبح جزءًا مما يسمعه أيضًا؟ حصلت «غودنادوتير» على عظام حيوانية بعد اتفاق مع جزار، ثم جرى تنظيفها وتجهيزها، قبل أن تبدأ في اختبار الأصوات التي يمكن استخراجها منها.
وهنا يجب الفصل بين صورتين قد تختلطان بسهولة، العظام التي يتكون منها «معبد العظام» داخل الفيلم بشرية في سياق القصة، أما العظام المستخدمة فعلًا في تسجيل الموسيقى فكانت حيوانية، لذلك لم تستخدم المؤلفة رفاتًا بشرية كما قد توحي غرابة الفكرة لأول وهلة، بل أخذت العنصر البصري الأبرز في الفيلم وحولته إلى مادة موسيقية، فأصبح ما يراه المشاهد وما يسمعه مرتبطين بالمصدر نفسه.
عندما تصبح مادة الديكور آلة موسيقية
أوضحت «غودنادوتير» أن أجزاء الإيقاع في الموسيقى عُزفت باستخدام عظام حقيقية، كما صنعت مزامير عظمية، واستخدمت آلة نفخ كبيرة ضمن المجموعة، وكان اهتمامها منصبًا على الملمس الصوتي للمادة، إذ وجدت أن ضرب العظم لا ينتج الحدة نفسها التي تأتي من المعدن أو الزجاج أو البلاستيك، بل يمنح صوتًا أكثر امتلاءً واستدارة، وهو ما وفر لها خامة تختلف عن الأصوات المألوفة في موسيقى الرعب.
وهذا ما يجعل التجربة أكثر أهمية من مجرد حكاية طريفة عن مؤلفة موسيقية ذهبت إلى جزار، فالعظمة لم تُستخدم لإصدار صوت كسر يوضع فوق مشهد عنيف، بل تحولت إلى آلة تدخل في بناء الموسيقى نفسها، لها إيقاع ونبرة وطريقة أداء، ومع كل قطعة كان السؤال يبدأ من جديد، كيف تُمسك، وأين تُضرب، وهل هي مجوفة بما يسمح بالنفخ فيها، وما الذي يحدث إذا جُمعت مع قطعة أخرى؟ بهذا المعنى لم يبدأ التأليف من النوتة الموسيقية وحدها، بل من اكتشاف ما تستطيع المادة نفسها أن تفعله.
الموسيقى لا تصاحب المكان فقط.. بل تخرج منه
في كثير من الأفلام ينظر المؤلف إلى المكان ثم يكتب موسيقى تصفه عاطفيًا، لكن «غودنادوتير» اقتربت من الأمر بطريقة أكثر مادية، فقد أرادت أن يحمل الصوت شيئًا من طبيعة المعبد نفسه، ولذلك لا تعمل العظام هنا بوصفها رمزًا للموت فقط، بل تصبح امتدادًا لتصميم الإنتاج، وكأن المكان خرج من حدود الصورة ودخل إلى استوديو التسجيل.
ولم تُبن الموسيقى كلها على العظام وحدها، فقد تحدثت المؤلفة عن استخدام الوتريات لصناعة جانب أكثر أناقة، وعن الاستفادة من خبرتها في موسيقى الميتال وفرقتها «Osmium» في اللحظات الأكثر خشونة وعنفًا، وهو ما سمح للموسيقى بالتنقل بين أكثر من ملمس، بدل أن تتحول الفكرة كلها إلى استعراض لصوت مادة واحدة، ويظهر حضور العظام أيضًا في عناوين مقطوعات من الألبوم الرسمي، بينها «Bare Bones» و«Building Temple» و«Bone Closure» و«The Bone Temple».
لماذا تبحث أفلام الرعب عن أصوات لا يعرفها الجمهور؟
جزء من صعوبة تأليف موسيقى الرعب أن الجمهور أصبح يعرف كثيرًا من لغتها مسبقًا، الوتريات الحادة، والنغمات المنخفضة، والتصاعد الذي يسبق المفاجأة، والضربة الموسيقية التي تأتي مع ظهور الخطر، لذلك لا يكفي أحيانًا استخدام صوت «مخيف» بالطريقة المعتادة، لأن المشاهد قد يعرف مسبقًا ماذا يعني هذا الصوت، ويتوقع إلى أين سيقوده.
أما الخامة التي يصعب تحديد مصدرها فتعمل بصورة مختلفة، فقد يسمع المشاهد ضربة أو احتكاكًا أو نفخة، لكنه لا يعرف بسهولة ما الذي أنتجها، وهنا تصبح غرابة الصوت نفسها جزءًا من التوتر، ولهذا تبدو العظام مناسبة لعالم «The Bone Temple»، فالمشاهد قد لا يعرف أثناء العرض أن الإيقاع الذي يسمعه خرج من قطعة عظم، ولا يحتاج إلى معرفة ذلك، المهم أن تصل إليه الخامة المختلفة التي كانت تبحث عنها المؤلفة.
وقد أشارت «غودنادوتير» إلى أن الآخرين قد لا يسمعون الفروق الدقيقة بالطريقة التي تسمعها هي، لكن هذا لا يقلل من قيمة الاختيار، فالموسيقى لا تحتاج إلى أن تكشف أسرار صنعها كي تؤثر، ويكفي أن يمنح مصدر الصوت النتيجة ملمسًا أكثر بدائية وخشونة، وأقل صقلًا من الآلات التي يعرفها الجمهور.
ليست المرة الأولى التي تبحث فيها «غودنادوتير» عن صوت العالم نفسه
هذه الطريقة في التفكير ليست غريبة على صاحبة موسيقى «Joker» و«Chernobyl»، ففي الأخير سجلت مع فريقها أصواتًا داخل محطة «إغنالينا» النووية في ليتوانيا، واستخدمت الضوضاء والاهتزازات والبيئة الصناعية للمكان مادة تدخل في الموسيقى، بدل أن تحاول من الخارج تخيل الصوت الذي ينبغي أن يمتلكه عالم المحطة، وهو منهج يقوم على البحث عن الموسيقى داخل المكان قبل إضافة الموسيقى إليه.
ومع «The Bone Temple» أصبحت الفكرة أكثر مباشرة، فالتصميم البصري نفسه قدم لها مادتها الخام، معبد من جماجم الموتى قاد إلى موسيقى تعتمد فعليًا على العظام، ولذلك لا تبدو تجربة الجزار منفصلة عن الفيلم، ولا حيلة صُممت لصناعة قصة دعائية غريبة، بل نتيجة لسؤال إبداعي واضح، كيف يمكن للموسيقى أن تنتمي إلى هذا المكان إلى درجة لا تبدو معها مجرد طبقة صوتية موضوعة فوقه؟
عندما لا يعرف المشاهد مصدر الصوت
القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تتوقف على معرفة الجمهور بها، بل ربما تعمل بصورة أفضل عندما لا يعرف مصدر كل صوت، فالموسيقى السينمائية لا تحتاج إلى لفت الانتباه إلى كل آلة استُخدمت في تسجيلها، ويكفي أن يصل أثرها إلى المشهد، وعندما تذوب أصوات العظام داخل الإيقاع والوتريات والعناصر الأخرى فإنها تؤدي وظيفتها من دون أن تتحول إلى استعراض.
وهنا تكمن قوة الفكرة، ما يملأ صورة «The Bone Temple» لم يبقَ داخل الكادر فقط، بل وصل إلى غرفة التسجيل أيضًا، وتحولت العظام من عنصر بصري في عالم الفيلم إلى جزء من صوته.
