Zachary Lee
وفاءً لعنوانه، الذي يمكن قراءته كأمر، أو توسل، أو ما بينهما، يركز فيلم «Take Me Home» على العودة إلى الديار.. العودة إلى أجسادنا، ومجتمعاتنا غير المثالية وعائلاتنا البديلة، وإلى الأماكن التي ظننا أننا تجاوزناها ونمونا خارج حدودها، والمساحات التي ما زلنا بحاجة إليها في حياتنا لنكون مكتملين، على الرغم من مقاومتنا لها. إنه نسيج فني يبرز آلام، وقلق، وواقعيات رعاية أولئك الذين تقدم بهم السن، أو الذين يعانون من إعاقات، والذين يمرون بشكل عام بفقدان الاستقلالية. يتسم الفيلم بصبر قاسٍ وانتصار في حبه لشخصياته، حيث يلتقط الواقع بوضوح دقيق بينما يعيد تخيل عالم أفضل.
هذا الفيلم شخصي للغاية بالنسبة للمخرجة سارجينت، التي توسعت في تقديم فيلمها القصير الذي نال استحسانًا واسعًا في مهرجان صاندانس لعام 2023، لتصور عائلة تتأرجح بين الأزمات والهدوء. تؤدي شقيقة سارجينت الحقيقية، آنا سارجينت «Anna Sargent»، دور شخصية تحمل الاسم نفسه.. بالغة تعاني من إعاقات إدراكية تعيش مع والديها بالتبني، بوب «فيكتور سليزاك» وجوان «مارسيلين هوغو»، في ضواحي فلوريدا. ديناميكيتهم تتسم بالخفة واليسر، وإن لم تخلُ من التحديات؛ ففي لحظة ما، يشاهدون التلفزيون معًا، ويتشاجرون بمرح حول من يحق له تغيير القناة، وفي اللحظة التالية، يُوبّخ بوب آنا التي تقف بخرقاء، نتيجة هواجسها الأحادية وتركيزها الشديد على العثور على زجاجة مياهها، أمام سيارته بينما كان يتراجع للخلف. دور المُعنِي أو المُعنَى بالرعاية متبادل وقابل للتبادل، إذ تتطابق صعوبات آنا الإدراكية أحيانًا مع تدهور الصحة العقلية لكل من بوب وجوان.
تدفع مأساة غير متوقعة بالأخت المقيمة في بروكلين، إيملي «تؤدي دورها آلي آن»، إلى دائرة الأحداث، ليتحول الفيلم لفترة وجيزة إلى قصة إعادة تواصل بين الشقيقات. ولكنّ مهارات سارجينت الكبرى كمخرجة ومتحكمة في نبرة العمل تبرز بوضوح في أسلوبها المتأنّي وغير المتكلف في التعامل مع هذه التطورات الدافعة للأحداث. لا يسعنا إلا أن نغمرنا السرور ونحن نشهد إيقاعات حياة آنا اليومية، وتلك الطرق التي تلتقي بها مع والديها، في ظل حاجتهم المتبادلة، في منتصف الطريق ليعتني أحدهما بالآخر بأفضل طريقة يعرفونها.
تدور العديد من المشاهد حول ذهاب آنا والعائلة إلى متجر البقالة، والذي يتحول إلى مسرح تظهر فيه نقاط قوة العائلة ومواضع ضعفها. في أحد المشاهد، يُخرج بوب مثلجات «آيس كريم» وضعتها آنا خلسة على سير متجر البقالة. تحتج آنا بصوت خافت قائلة: «أنا بحاجة إليها»، فيرد بوب: «هذه هي الحياة». والنظرة التي توجهها سارجينت إلى والدها على الشاشة، وهي تكشيرة مبكرة تظهر أنها أكثر حكمة من عمرها رغم رغباتها الطفولية، تدل على كيف يزدهر فيلم «Take Me Home» في هذه اللحظات الهادئة. هناك امتلاء في الحياة، يمزج بين الفرح والصراع، وهو ما يميز قصص هؤلاء الأشخاص.
على الرغم من الطابع الشخصي والمحلي لفيلم سارجينت، إلا أنها تدرك تمامًا أن صراعات هذه العائلة تتفاقم بسبب نظام رعاية صحية يربك أكثر مما يساعد. وهي تكشف بوضوح عن أوجه التفاوت في نظام الرعاية الصحية، مُبينةً أن المشكلة بالنسبة لأشخاص مثل آنا لا تكمن فقط في نقص الرعاية، بل في وجود عقبات تحول دون الحصول عليها أصلًا. فهذا النظام يعاني من ضغط هائل لدرجة تجعل العاملين فيه يفتقرون إلى الهدوء اللازم للتحدث مع شخص مثل آنا، التي تتمتع بالأهلية والكفاءة ولكنها قد تتعرض للارتباك وربما تحتاج إلى إعادة الأشياء على قنوات سمعية أو مرات متعددة.
تلمس أيضًا شعورًا حقيقيًا بالتعاون يشع من هذا الفيلم؛ فالمخرجة سارجينت تمتلك رؤية واضحة للمكان الذي تريد أن تمتد إليه القصة، لكنها في الوقت نفسه لا تلعب دور «الأخت الكبرى» أو سلطة المخرجة لتشكيل أداء آنا بطريقة تخالف إرادتها المستقلة. وحقًا، يتعامل الفيلم بشجاعة وعناد مع منظور آنا باعتباره نجمه الشمالي «بوصلته»، والأساسية التي تُبنى عليها المناظر المرئية والصوتية للفيلم.
على سبيل المثال، تحرص هي ومدير تصويرها، فرهاد أحمد ديهلفي، على أن يمتد التصوير السينمائي ليخدم منظور آنا بدلًا من أن يعارضه. العديد من المشاهد مُصوَّرة بكاميرا محمولة باليد، ولكن من السطحية بمكان القول إن هذا يوحي فقط بروح الوثائقية؛ فهما يريدان منا أن نرى العالم من عيون آنا، حيث تركز الكاميرا أحيانًا بشكل مفرط على صورة معينة لتعكس تركيز آنا الذاتي، وتلجأ أحيانًا أخرى إلى لقطات واسعة وفسيحة تثير شعورًا بالغمر بسبب نطاقها.
يجدر بنا الإشارة أيضًا إلى الدلالات الدينية للفيلم، وكيف يضيف إيمان العائلة طبقة معقدة أخرى إلى ردود أفعالهم تجاه الصعاب. ففي أحد المشاهد المحددة، نرى بوب يدعو ويثني على الطعام؛ رأس آنا منحني، وعيناها مغلقتان بإحكام، ويداهما متشابكتان بقوة، بينما تستند إيملي إلى الخلف بذراعين متقاطعتين وعينين مفتوحتين.
المصدر: RogerEbert
