رجا ساير المطيري
في العام 2011 صدرت السلسلة الوثائقية المهمة «The Story of Film: An Odyssey» والتي تتكوّن من 15 حلقة ترصد في مجموعها التاريخ الجمالي لـ «الفيلم»، ورحلة نموه، وتطوره، منذ ولادته مطلع القرن الماضي حين كان فيلمًا صامتًا يبحث له عن هوية وسط الفنون الستة التي سبقته، حتى تحوّل إلى فنٍ رفيعٍ له أصوله وقواعده ومفاهيمه الجمالية.
أصبحت هذه السلسلة الوثائقية مرجعًا معرفيًا مهمًا، يمكن من خلاله دراسة تاريخ السينما من منظور جمالي، وتلمّس القواعد الأساسية للصورة السينمائية، ودورها في تكثيف المعنى ورسم الدلالة، بمعايير وأبعاد وأحجام مُتعارف عليها، لا تتغير إلا لسبب جمالي أو لمعنى في «بطن» المخرج. ويدعم ذلك الأمثلة الكثيرة التي احتوتها السلسلة، والتي تضم أفلامًا مهمة أثّرت في تاريخ السينما، وجاءت من جنسيات مختلفة، ومن قارات العالم، والتي تقول في مجموعها إن هذا الفن الناشئ باتت له لغة بصرية موحدة، تحكمها قواعد فنية، ومعايير شكلية، يعمل وفقها صنّاع السينما في جميع أنحاء العالم منذ نشأة الفن السابع وإلى اليوم، ولا يمكن تغييرها، أو التجديد فيها، إلا لسبب جمالي، أو دلالي.
في أفلام جديدة مثل الفيلم الكوري «No Other Choice»، والفيلم النرويجي «Sentimental Value»، والفيلم الإسباني «Sirat»، والفيلم البرازيلي «The Secret Agent»، هناك منطق بصري واحد وواضح، رغم اختلاف جنسيات الأفلام وموضوعاتها، واختلاف أسلوب التعبير بين فيلم وآخر، ويتمثل هذا المنطق في أبعاد الصورة ومقاساتها الموزونة، وأحجام الشخصيات داخلها، وفي ألوانها، ومستوى طبقات الصوت فيها، وتوزيع الشخصيات داخل الكادر، ونِسبها، ومركزية «الموضوع» أو البطل أو «الاهتمام» داخل الصورة، وغيرها من المواصفات الفنية، التي يمكن وصفها بــ «مفردات» لغة الصورة، والتي بدونها لن يتمكن المخرج من كتابة «جملة» بصرية كاملة وواضحة، يفهمها العالم، ويعترف بها، ويحترمها. حتى وإن جاءت استثناءات في الفيلم الإسباني الجديد «The Beloved»، والفيلم الكندي «Mommy» على سبيل المثال، حين استخدما إطارات متعددة ومختلفة للصورة داخل الفيلم نفسه، بغرض التعبير عن تغيّر حالة البطل أو تعدد الأصوات في ذاكرته، فقد أكد هذا الاستثناء وجود القاعدة، وأكد أن لكل إطار، ولكل بُعد وعمق داخل الصورة، دلالة تخدم الحدث وتُعزز معناه.
هذا الإدراك البصري الذي يحمله صنّاع السينما في العالم، لا يبدو أنه استقر بعد في السينما السعودية، حيث تظهر الأفلام السعودية في أغلبها بمظهر أفلام الهواة، بسبب لغتها البصرية الركيكة التي لا تُلقي بالًا لما تعارف عليه العالم من وزنٍ ونِسب وأبعادٍ في حجم الصورة والضوء والصوت وحركة الكاميرا وتوزيع الشخصيات داخل الكادر. وكأن صانعيها يُريدون بذلك اختراع لغة بصرية لا يفهمها إلا هم، ولا تُحقق تواصلًا جيدًا مع جمهور السينما في بلادهم والعالم.
في فيلم «ناقة» مثلًا، هناك لقطة توضح ما أقصده بدقة، وهي لقطة القاتل في بداية الفيلم أثناء نزوله درج المستشفى، حيث نرى اللقطة من منظور البطل، وننزل معه درجة درجة، ثم في لحظة تدور الكاميرا وتنقلب رأسًا على عقب، وهذا يعني في لغة الصورة أن القاتل سقط وانقلب -بما أننا نشاهد الحدث من خلاله هو، ومن منظوره هو-، لكن اللقطة التالية تُظهر القاتل حاملًا سلاحه ويمشي بشكل طبيعي متجهًا صوب موقع الجريمة، دون أن يوضح الفيلم سبب هذه الانقلابة البصرية التي حدثت قبل لحظات. المُخرج هنا استخدم لقطة في غير محلها، وحرّك الكاميرا دون داعٍ، ودون أن ينتبه إلى أن تماهي الكاميرا مع منظور الشخصية يأخذ الصورة نحو معنى آخر غير الذي يُريده لحكايته.
وفي أفلام أخرى، مثل «هوبال»، و«الزرفة»، و«هجرة»، وحتى أفلام بسيطة مثل «شباب البومب»، ستجد أمثلة للقطات تُعاني من مثل هذا الترهل البلاغي، تشعر معها أنه لا قاعدة لغوية تحكم الفيلم السعودي، فالحكاية بمشاعرها وأحداثها تسير في مسار منفصل عن الصورة ودلالاتها، وكأن الصورة مجرد تطريز خارجي يخضع لمزاج المخرج لا لشروط الحكاية، ومنطق الحدث، وطبيعة الشخصيات.
ولعلّ هذا سبب ضعف استقبال الفيلم السعودي في الأسواق الخارجية، فالعالم يرى أفلامنا أفلام هواة، ليس بسبب خصوصية موضوعاتها، ومحدودية فضاءاتها، وأساليبها ومعالجاتها، بل بسبب لغتها البصرية الخاصة التي لا تعترف بالقواعد العامة، ولا تدرك الأدوار الوظيفية للصورة. وحتى يتضح الإشكال، إليك هذه الجملة: «السينما،،،،،،ليس!!ت،،،؟؟؟بلا؟؟؟ قـٍ]ٍواعد». عندما تقرأ مقالًا كاملًا بهذا الأسلوب الخاطئ الذي لا يعرف كيف يستخدم أدوات الترقيم، ستنزعج دون شك، لأن هذا يُخالف القواعد الأسلوبية التي تعوّدت عليها منذ أن عرفت القراءة. وهكذا يكتب صانعو الأفلام السعودية أفلامهم، وهكذا يراها الجمهور هنا وفي العالم.
دراسة لغة الصورة ليست ترفًا، ومعرفة شروطها وأحكامها وعناصرها ليست أمرًا كماليًا، بل هي شرط أساس لصناعة فيلم جيد، والبداية تكون بمشاهدة الأفلام، ودراستها، فكما أنه لا كتابة دون قراءة، فلا صناعة فيلم دون مشاهدة الكثير والكثير من الأفلام، وهذا منهج كبار السينما، وعلى رأسهم مارتن سكورسيزي الذي أشار في كتاب «Scorsese on Scorsese» المُترجم عربيًا إلى «مسراتي كسينمائي»، إلى أنه قبل تصوير أي فيلم من أفلامه، يبحث عن الأفلام الشبيهة، ويقرأ لقطاتها بدقة، ويدرسها بعناية، ليرى كيف صوّر المخرجون السابقون لقطاتهم، وكيف عبّروا عن الحالة أو المعنى أو الأجواء التي يستهدفها. ولاحِظ أننا هنا نتحدث عن واحد من أهم السينمائيين الذين أثّروا في لغة الصورة السينمائية في العقود الأربعة الأخيرة، فكيف بمن لا يزال في أول الطريق؟.

