سوليوود «خاص»
هناك رقم يصعب تجاهله في قصة النجاح المفاجئ لفيلم «Obsession» هذا العام، فقد كان 75% من جمهوره في الولايات المتحدة بين 18 و25 عامًا وفق بيانات «PostTrak»، وبعده بأيام جاء «Backrooms» ليفتتح بـ81.4 مليون دولار في أميركا الشمالية و118 مليون دولار عالميًا، في واحدة من أكبر مفاجآت الرعب خلال 2026، وفي الحالتين كان الجمهور الشاب حاضرًا بقوة، ما يفتح سؤالًا يتجاوز نجاح فيلمين بعينهما، هل أصبح الرعب أحد الأنواع الأقرب إلى طريقة هذا الجيل في اكتشاف السينما والتفاعل معها؟
والمقصود بـ«لغة Gen Z» هنا ليس أن جيلًا كاملًا أصبح مهووسًا بالخوف، بل أن الرعب يبدو منسجمًا مع عناصر بارزة في ثقافة قطاع من الشباب، من اكتشاف الأفكار عبر «يوتيوب» و«تيك توك» والمجتمعات الرقمية، إلى الرغبة في تجربة يمكن الحديث عنها ومشاركتها بعد انتهاء الفيلم، لكن الأرقام نفسها تمنعنا من القفز سريعًا إلى نتيجة أن الرعب أصبح النوع المفضل لدى الجيل بأكمله.
الرعب قريب من القمة.. لكنه ليس الأول
في مسح أجرته «Morning Consult» عام 2022 على عينة ممثلة من 1000 أميركي بين 13 و25 عامًا، وهو نطاق العمر الذي استخدمته الدراسة لتعريف «Gen Z» آنذاك، اختار 32% الرعب ضمن الأنواع الثلاثة المفضلة لديهم، مقابل 22% بين عموم الأميركيين، لكن الكوميديا تقدمت عليه بنسبة 38%، ما يجعل الرعب ثاني أكثر الأنواع تفضيلًا في هذه العينة وليس الأول.
وتظهر بيانات أحدث أن الشباب يمثلون وزنًا استثنائيًا داخل جمهور الرعب نفسه، فقد أشار تقرير أوروبي لصناعة العرض السينمائي صدر في 2026، مستندًا إلى بيانات «Cinema United»، إلى أن الفئة بين 13 و34 عامًا اشترت 73% من تذاكر أفلام الرعب في أميركا الشمالية خلال 2025، وهذه الفئة أوسع من «Gen Z» وحده، لذلك لا يصح استخدامها بوصفها قياسًا مباشرًا للجيل، لكنها تؤكد أن جمهور الرعب في الصالات يميل بوضوح إلى الأعمار الأصغر.
الخوف يعمل جيدًا وسط الجمهور
يمتلك الرعب ميزة يصعب فصلها عن صالات السينما، لأن استجابة الجمهور تصبح جزءًا من التجربة، صرخة تأتي من الصف الخلفي، وضحكة عصبية بعد لحظة خوف، وصمت جماعي قبل ظهور شيء يتوقعه الجميع، وهي لحظات لا يضيفها الفيلم نفسه، لكن وجود الآخرين يجعلها جزءًا من طريقة استقباله.
ولا تقدم الأبحاث النفسية تفسيرًا واحدًا لحب الرعب، لكنها تربطه لدى بعض الأشخاص بالبحث عن الإثارة والاستمتاع بالخوف داخل بيئة آمنة، وهي علاقة تظهر بقوة لدى فئات عمرية أصغر، من دون أن تعني أن كل شاب يحب الرعب أو أن العمر وحده يفسر هذا الميل، لذلك قد يكون سر النوع في الصالات أقل تعقيدًا مما يبدو، فهو يمنح المشاهد شيئًا يمكن أن يخاف منه منفردًا، لكنه يصبح أكثر متعة عندما يخاف منه مع الآخرين.
من «يوتيوب» إلى الشاشة الكبيرة
الأكثر لفتًا للانتباه في «Obsession» و«Backrooms» أن كليهما خرج من بيئة يعرفها الجمهور الشاب جيدًا، فمخرج «Obsession» «Curry Barker» بنى حضوره عبر «يوتيوب»، بينما بدأ «Kane Parsons» عالم «Backrooms» كسلسلة فيديوهات على المنصة نفسها عندما كان مراهقًا، قبل أن تنتقل الفكرة إلى فيلم طويل.
هذه النقلة تقلب الفكرة الشائعة بأن الإنترنت يبعد الشباب عن السينما، ففي بعض الحالات يصبح هو الطريق إليها، إذ تولد الفكرة رقميًا، وتكتسب جمهورًا ولغة بصرية هناك، ثم تنتقل إلى الشاشة الكبيرة عندما يصبح هناك ما يستحق تحويل المشاهدة الفردية إلى حدث جماعي، و«Backrooms» مثال واضح على ذلك، فقد خرج من ظاهرة رعب رقمية محدودة نسبيًا ليحقق أكثر من 400 مليون دولار عالميًا بحسب بيانات شباك التذاكر الحالية.
الرعب يستطيع أن يكون أغرب
هناك تفسير اقتصادي لا يقل أهمية، فالرعب لا يحتاج غالبًا إلى ميزانية «Blockbuster» حتى ينجح، ولذلك تستطيع الشركات المخاطرة بمخرج جديد أو فكرة غير مألوفة من دون وضع مئات الملايين على المحك، و«Backrooms» مثلًا صُنع بميزانية معلنة تبلغ نحو 10 ملايين دولار، ثم افتتح عالميًا بـ118 مليونًا.
هذه المعادلة تمنح النوع مساحة أكبر للتجريب، فعندما تقل تكلفة الفشل يصبح من الأسهل إنتاج أفكار أغرب وأساليب أقل تقليدية، وهي ميزة مهمة في سوق يتعرض فيه الشباب يوميًا لكم هائل من المحتوى، ويصبح من الصعب جذب انتباههم بفيلم يبدو نسخة أخرى مما شاهدوه من قبل.
كلمة «رعب» وحدها لا تكفي
لكن وجود جمهور شاب للرعب لا يعني أن أي فيلم يحمل هذا التصنيف سيبيع التذاكر، فالنوع نفسه شهد نجاحات وإخفاقات متتالية، وما قاله المنتج «Jason Blum» عن جمهور «Obsession» أكثر دقة من تعميم أن الشباب يحبون الرعب، إذ تحدث عن جيل جديد يطور ذوقًا تجاه أعمال رعب أكثر غرابة وخروجًا عن السائد.
وهذه نقطة مهمة، لأن جاذبية «Obsession» و«Backrooms» لا تبدو قائمة على الخوف وحده، بل على امتلاك كل منهما فكرة وهوية يمكن تمييزهما بسرعة، ثم امتلاكهما حياة خارج الفيلم نفسه عبر النقاشات والفيديوهات والميمات، أي أن الرعب ينجح عندما يعطي الجمهور شيئًا يتحدث عنه بقدر ما يعطيه شيئًا يخاف منه.
السعودية تقدم نصف الإجابة
في السعودية، تكشف بيانات شباك التذاكر أن الرعب ليس نوعًا هامشيًا، فقد جاء ثالثًا في 2025 بإيرادات بلغت 111.4 مليون ريال وحصة وصلت إلى 12.1% من السوق، خلف الحركة والكوميديا، كما ارتفعت حصته مقارنة بعام 2024 عندما بلغت 7.7%، ما يشير إلى نمو واضح في حضوره داخل صالات السينما.
لكن البيانات المنشورة لا تفصل جمهور كل نوع بحسب العمر، ولذلك لا نستطيع القول إن الشباب السعوديين يقودون هذا النمو كما تظهر بعض البيانات الأميركية، فالذي نعرفه هو أن الرعب يتوسع في السوق، أما ما إذا كان هذا التوسع مرتبطًا بـ«Gen Z» تحديدًا فلا توجد حتى الآن بيانات كافية لإثباته.
النتيجة ليست أن الشباب يريدون مزيدًا من الوحوش
ما تكشفه الأرقام الأميركية هو أن الرعب يحتل موقعًا قويًا لدى «Gen Z»، لكنه لا يتصدر تفضيلاتهم، فالكوميديا جاءت قبله في المسح الذي قاس الفئة بين 13 و25 عامًا، وفي السعودية تتقدم الحركة والكوميديا على الرعب في السوق ككل، مع عدم توافر بيانات تسمح بعزل تفضيلات الشباب السعوديين عن بقية الجمهور.
القصة الأهم لذلك ليست أن جيلًا كاملًا اختار الرعب نوعه المفضل، بل أن هذا النوع يبدو في موقع مناسب بصورة استثنائية لمخاطبة الشباب، فهو يستفيد من المشاهدة الجماعية، ويلتقط أفكارًا تولد داخل الثقافة الرقمية، ويستطيع اقتصاديًا المخاطرة بأعمال أغرب وأقل تقليدية من كثير من الأنواع الأخرى.
وهذا هو ما يجعل نجاح «Obsession» و«Backrooms» أكثر دلالة من مجرد نجاح فيلمين مخيفين، فهما يقدمان مثالًا على صناعة تجد الجمهور الشاب عندما تذهب إلى العوالم التي يعرفها، ثم تقدم له سببًا ليترك هاتفه ويذهب إلى صالة السينما.
