سوليوود «خاص»
لم تعد البيئة المحلية في السينما «السعودية» مجرد خلفية بصرية تتحرك أمامها الشخصيات، بل تحولت في عدد من التجارب اللافتة إلى عنصر أساسي في بناء الحكاية وتشكيل الشخصيات وصناعة الدلالة. فمن صحراء «هوبال» القاسية، إلى تضاريس العلا في «نورة»، وطرقات الرياض ليلًا في «مندوب الليل»، وسواحل تبوك في «هجان»، قدمت أفلام سعودية نماذج مختلفة لما يمكن تسميته بـ«سينما المكان»، حيث يصبح الموقع جزءًا من السرد، وتتحول الجغرافيا إلى ذاكرة وهوية ومحرّك للأحداث.
وتتسع أهمية هذا الاتجاه مع تنوع المواقع الطبيعية والعمرانية في المملكة، التي تشمل الصحارى والجبال والوديان والسواحل والأسواق والأحياء التاريخية، وهي عناصر تتيح لصانع الفيلم بناء عوالم بصرية مرتبطة بالبيئة السعودية، بدل الاكتفاء بتقديمها كصورة سياحية. وتشير «فيلم السعودية» إلى تنوع مواقع التصوير المحلية بين الصحارى والبحار والجزر والجبال والأسواق والمواقع التاريخية.
وفيما يلي مجموعة من أبرز الأفلام «السعودية» التي جعلت المكان جزءًا من حكاياتها:
«هوبال»
يقدم فيلم «هوبال» للمخرج عبدالعزيز الشلاحي نموذجًا واضحًا لسينما المكان، إذ تدور أحداثه في صحراء السعودية خلال مطلع تسعينيات القرن الماضي، وسط عائلة تعيش في عزلة تامة عن المدينة، تحت سلطة جد يفرض قوانينه الصارمة على أفرادها. وصُورت أحداث الفيلم في صحراء بجدة في منطقة نيوم، إلى جانب أجزاء في محافظة رماح بمنطقة الرياض. كما شمل التصوير منطقة “شوية” التي تبعد حوالي 70 كم عن رماح، حيث أُنجزت مشاهد النهاية وبعض المشاهد الأساسية الأخرى
ولا تؤدي الصحراء في الفيلم وظيفة جمالية فحسب، بل ترتبط مباشرة بمصير الشخصيات؛ فالعزلة الجغرافية تصبح انعكاسًا لعزلة العائلة الفكرية والاجتماعية، بينما تتحول قسوة الطبيعة إلى امتداد للصراع الداخلي الذي تعيشه الشخصيات.
بطولة: إبراهيم الحساوي، مشعل المطيري، ميلا الزهراني.
إخراج: عبدالعزيز الشلاحي.
سنة العرض: 2024.
«نورة»
اختار المخرج توفيق الزايدي منطقة العلا لتكون المسرح الكامل لفيلم «نورة»، الذي تدور أحداثه في تسعينيات القرن الماضي حول شابة تعيش في قرية نائية، قبل أن تلتقي بالمعلم الجديد «نادر»، الذي يفتح أمامها أفقًا مختلفًا من خلال الفن والرسم.
ويُعد «نورة» أول فيلم روائي سعودي طويل صُوّر بالكامل في العلا، واستفاد من تشكيلاتها الصخرية وصحاريها الواسعة لتكوين عالم بصري يرتبط بموضوعات العزلة واكتشاف الذات.
وتتجاوز أهمية المكان في الفيلم فكرة الاستفادة من المناظر الطبيعية؛ فالعلا تمنح الحكاية فضاءً يعكس حالة الشخصيات وحدود عالمها، قبل أن تصبح الرغبة في اكتشاف الفن والحياة الأوسع محاولة للخروج من تلك الحدود. وقد وصل الفيلم إلى مهرجان كان السينمائي عام 2024، حيث حصل على تنويه خاص من لجنة تحكيم مسابقة «نظرة ما»، في تجربة جسدت كيف يمكن لحكاية شديدة المحلية أن تجد صداها في أحد أبرز المحافل السينمائية العالمية.
بطولة: يعقوب الفرحان، ماريا بحراوي، عبدالله السدحان.
إخراج: توفيق الزايدي.
سنة العرض: 2023.
«هجان»
في «هجان»، للمخرج أبوبكر شوقي، ترتبط الحكاية ارتباطًا وثيقًا بثقافة الإبل وسباقاتها، من خلال «مطر»، أصغر أفراد عائلة سعودية من فرسان الجمال، الذي يجد نفسه مضطرًا للدخول في عالم السباقات بعد وفاة شقيقه ومحاولة بيع جمله «حفارة».
وصُورت معظم أحداث الفيلم في منطقة تبوك على ساحل البحر الأحمر شمال غربي المملكة، وهي منطقة تجمع بين الصحراء والساحل والتكوينات الطبيعية والتراث المحلي. بالإضافة إلى تصوير بعض المشاهد الصحراوية وسباقات الإبل في وادي رم بالأردن
ويمنح هذا الاختيار الفيلم هويته البصرية والدرامية في آن واحد؛ فالطريق عبر الصحراء ليس مجرد مسار للأحداث، بل يصبح رحلة نحو الحرية، بينما تشكل العلاقة بين الإنسان والجمل محورًا يعكس عالمًا ثقافيًا ارتبط تاريخيًا بالبيئة الصحراوية السعودية. بدأ عرضه في الدورة الثامنة والأربعين من مهرجان تورونتو السينمائي الدولي في سبتمبر 2023م،
بطولة: عبدالمحسن النمر، إبراهيم الحساوي، الشيماء الطيب، عزام النمر، عمر العطاوي.
إخراج: أبوبكر شوقي.
سنة العرض: 2023.
«بين الرمال»
يأخذ فيلم «بين الرمال» للمخرج محمد العطاوي المكان إلى مستوى أكثر ارتباطًا بفكرة البقاء؛ إذ يتابع قصة «سنام»، الشاب الذي يتعرض للسطو أثناء إحدى رحلاته التجارية، ليجد نفسه تائهًا في الصحراء، في رحلة شاقة للعودة إلى زوجته التي تنتظر مولودهما الأول.
وتستند الحكاية إلى روايات عن شخصية «مخاوي الذيب»، بينما تحولت الصحراء إلى فضاء للمطاردة والخوف واختبار القدرة على الصمود. وكان الفيلم من أوائل الأعمال السعودية التي استفادت من مواقع التصوير في نيوم، وكان اختيار المواقع الطبيعية كان متناغمًا مع أحداث العمل وأسهم في تشكيل صورته البصرية.
وهنا لا تظهر الصحراء كفراغ واسع، وإنما كقوة درامية تضع الشخصية أمام نفسها، وتحوّل رحلة العودة إلى رحلة لاكتشاف الذات وتحمل المسؤولية.
بطولة: رائد الشمري، أضواء فهد، عبيد الودعاني.
إخراج: محمد العطاوي.
سنة العرض: 2022.
«مندوب الليل»
على النقيض من أفلام الصحراء، يقدم «مندوب الليل» للمخرج علي الكلثمي صورة مختلفة لسينما المكان، من خلال الرياض ليلًا. يتابع الفيلم رجلًا ثلاثينيًا يواجه ضغوط العمل والوحدة وفقدان الاستقرار، بينما يتنقل بين شوارع العاصمة لتوصيل الطلبات.
وصُورت أحداث الفيلم في شوارع الرياض على مدار 55 يومًا، ليصبح فضاء المدينة جزءًا أساسيًا من تجربة الشخصية.
وتكتسب الرياض في الفيلم وظيفة درامية تتجاوز كونها مكانًا للأحداث؛ فالازدحام، والطرقات، والإنارة الليلية، والمسافات بين الأحياء، كلها تعكس حالة البطل النفسية وتوتره، وتمنح الفيلم صورة مختلفة للمدينة السعودية المعاصرة.
بطولة: محمد الدوخي، محمد الطويان، هاجر الشمري، سارة طيبة.
إخراج: علي الكلثمي.
سنة العرض: 2023.
«حد الطار»
في «حد الطار» للمخرج عبدالعزيز الشلاحي، ينتقل المكان من الطبيعة المفتوحة إلى الحي الشعبي في الرياض، حيث تدور قصة «دايل»، ابن السياف، الذي يقع في حب «شامة»، ابنة المطربة الشعبية.
ويقدم الفيلم صورة لحي يتمتع بخصوصية اجتماعية وديموغرافية، وتعيش فيه شخصيات تنتمي إلى طبقات اجتماعية مهمشة، فيما تتقاطع حياتها مع عالم الطقاقات والمناسبات الشعبية. وتصبح تفاصيل الحي والمهن والعادات والموسيقى الشعبية جزءًا من نسيج الحكاية، لا مجرد ديكور لها.
كما يحمل عنوان الفيلم نفسه إحالة مباشرة إلى مفردتين من البيئة المحلية: «الحد» المرتبط بالسيف وحكم الإعدام، و«الطار» المرتبط بالموسيقى والفرح الشعبي؛ وهو تناقض يلخص المسافة بين قسوة الواقع ورغبة الشخصيات في الفرح والحب.
بطولة: فيصل الدوخي، أضوى فهد، ونجوم من السينما السعودية.
إخراج: عبدالعزيز الشلاحي.
سنة العرض: 2020.
«سيدة البحر»
ومن التجارب المبكرة التي قدمت البيئة المحلية بوصفها عنصرًا سرديًا فيلم «سيدة البحر» للمخرجة شهد أمين، الذي يستند إلى عالم بحري شديد الخصوصية، ويقدم حكاية تمزج بين الأسطورة والواقع، من خلال مجتمع يعيش على علاقة وثيقة بالبحر.
وتكشف المسيرة الدولية للفيلم أهمية هذا النوع من السرد المحلي؛ فقد عُرض للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي عام 2019، وحصل على جائزة نادي فيرونا السينمائي ضمن أسبوع النقاد، ثم واصل جولته في مهرجانات دولية وحصد جوائز أخرى.
ويؤكد الفيلم أن المكان المحلي، حين يتحول إلى عالم متكامل له أساطيره وعاداته ومخاوفه، يستطيع أن يتجاوز حدوده الجغرافية؛ فالبحر في «سيدة البحر» ليس خلفية للأحداث، بل فضاء يحدد علاقة الشخصيات بالمجتمع وبمصائرها وبالأسطورة.
بطولة: بسيمة حجار، أشرف برهوم، ياسر السقاف.
إخراج: شهد أمين.
سنة العرض: 2019.


