سوليوود «خاص»
في مهرجان البندقية السينمائي، توجد مساحة لا تشبه السجاد الأحمر ولا المؤتمرات الصحفية ولا حفلات التصفيق الطويلة، جدار يحمل اسم «Ridateci i soldi»، أي «أعيدوا لنا أموالنا»، يستطيع رواد المهرجان أن يكتبوا عليه رأيهم في الأفلام بخط اليد، من دون نجوم أو درجات أو متوسطات، وقد تكون النتيجة مديحًا سريعًا أو جملة ساخرة أو هجومًا مباشرًا على فيلم أو مخرج، وفي دورة 2026 عاد الجدار إلى الواجهة بعد أن نشرت «The Guardian» بعض أكثر تعليقاته قسوة، مؤكدة أن التقليد الذي بدأ في أواخر التسعينيات على يد مقدم البرامج «Gianni Ippoliti» ما زال حيًا حتى اليوم.
وتصل السخرية إلى حد وجود جائزة سنوية تحمل اسم «Coppa Codacons» لأفضل تعليق لاذع، يختارها «Ippoliti» نفسه، لكن أهمية الجدار لا تكمن في معرفة من كتب النكتة الأفضل، بل في أنه يعيد إلى الواجهة سؤالًا أقدم من الإنترنت نفسه، كيف كانت السينما تعرف رأي الجمهور قبل أن يصبح لكل فيلم تقييم على «IMDb» ومراجعات على «Letterboxd»، وهل جعلتنا المنصات الحديثة نفهم الجمهور بصورة أدق فعلًا، أم أنها جعلت رأيه فقط أكثر سهولة في العد؟
قبل الإنترنت.. هوليوود كانت تسأل الجمهور بالفعل
لم تنتظر صناعة السينما ظهور المواقع والتطبيقات حتى تعرف ما يفكر فيه المشاهدون، فمنذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي استخدمت الاستوديوهات عروضًا تجريبية ومشاهدة مسبقة للأفلام، وراقبت ردود الفعل ودرست رسائل المعجبين وآراء أصحاب الصالات، لكن هذه المحاولات كانت متفرقة وتعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة والانطباع، ثم بدأت تتحول خلال الأربعينيات إلى بحث أكثر تنظيمًا مع دخول تقنيات استطلاع الرأي إلى هوليوود.
وفي 1940 أسس رائد استطلاعات الرأي «George Gallup» مؤسسة «Audience Research Institute» لدراسة جمهور السينما، وبدأت الصناعة تستخدم البحث في اختبار القصص والعناوين والنجوم والحملات الإعلانية، وصولًا إلى عروض تجريبية يمكن أن تؤثر في الفيلم نفسه قبل إطلاقه، لكن الفارق الأساسي أن هذه البيانات كانت تُجمع لمصلحة الاستوديو، كي يعرف المنتج ماذا يعدل وكيف يسوق الفيلم، وليس كي يعرف الجمهور ماذا يعتقد الجمهور الآخر.
عندما أصبح رأي المشاهد درجة
جاء تحول أكثر وضوحًا في 1978، عندما تأسس «CinemaScore» انطلاقًا من سؤال بسيط، لماذا نسمع رأي النقاد في الأفلام ولا نسمع رأي الأشخاص الذين خرجوا لتوهم من الصالة، ومنذ ذلك الوقت يعتمد النظام على استطلاع الجمهور في ليلة الافتتاح داخل صالات مختارة، ويحصل الفيلم على درجة تمتد من «A» إلى «F»، مع جمع معلومات ديموغرافية عن المشاهدين.
الميزة أن رأي الجمهور أصبح رقمًا يمكن تداوله بسرعة، لكن الرقم لا يعني أن كل مشاهدي الفيلم يعتقدون الشيء نفسه، لأن «CinemaScore» يقيس أساسًا جمهور ليلة الافتتاح، وهم عادة أشخاص اختاروا الفيلم مسبقًا وكان لديهم اهتمام كافٍ لمشاهدته في أيامه الأولى، ولذلك يمكن أن يكون ممتازًا في قياس رضا الجمهور المستهدف، من دون أن يكون استفتاءً عامًا على جودة الفيلم.
الإنترنت فتح بابًا أكبر بكثير
مع الإنترنت اختفت تقريبًا القيود التي كانت تفرضها البطاقة الورقية أو وجود الباحث أمام الصالة، وأصبح بإمكان ملايين الأشخاص تسجيل رأيهم متى أرادوا، وعلى «IMDb» يستطيع المستخدم منح الفيلم درجة من 1 إلى 10، لكن الرقم الظاهر ليس متوسطًا حسابيًا مباشرًا لكل الأصوات، فالمنصة تستخدم أوزانًا مختلفة، وقد تعدل طريقة الحساب عندما تكتشف نشاطًا غير طبيعي، كما أنها لا تكشف تفاصيل الخوارزمية حتى يصعب التلاعب بها.
وهذا وحده يكشف مفارقة مهمة، كلما أصبح رأي الجمهور أسهل في الجمع، أصبح من الضروري أن نبني طبقة أخرى فوقه كي نحميه من الجمهور نفسه، فالحملات المنظمة تستطيع محاولة رفع فيلم أو خفضه، والأفلام التي لم تُعرض إلا مرة واحدة في مهرجان قد تجمع آلاف الأصوات، ولذلك يعترف «IMDb» بأنه يستخدم أنظمة وزن لتحييد محاولات التأثير الجماعي على التقييم.
«Letterboxd» جعل الرأي جزءًا من شخصية المشاهد
ثم جاءت مرحلة مختلفة مع «Letterboxd»، الذي انطلق عام 2011 بوصفه شبكة اجتماعية لعشاق السينما، حيث لا يكتفي المستخدم بمنح الفيلم عددًا من النجوم، بل يسجل ما شاهده ويكتب مراجعات ويبني قوائم ويتابع أشخاصًا يثق بذائقتهم، وهكذا لم يعد تقييم الفيلم مجرد إجابة عن سؤال «هل أعجبك؟»، بل أصبح جزءًا من الطريقة التي يقدم بها المشاهد ذائقته للآخرين.
لكن المنصة نفسها اضطرت في 2023 إلى تعديل طريقة حساب متوسط التقييمات، بعدما أقرت بأن نمو عدد المستخدمين جعل بعض الأفلام أكثر عرضة لتشوهات التقييم، سواء بسبب حملات منظمة أو اندفاع جماهير بعينها إلى التصويت بكثافة، وانتقلت إلى نظام موزون يحاول تقديم صورة أقرب إلى إجماع مجتمعها، وهي مرة أخرى محاولة لتصحيح مشكلة لم تكن موجودة أصلًا عندما كان شخص واحد يكتب رأيه على ورقة.
الحائط لا يعرف المتوسط الحسابي
مقارنة بهذه الأنظمة، يبدو جدار البندقية بدائيًا للغاية، فلا توجد عينة ممثلة، ولا نعرف أعمار أصحاب التعليقات أو خلفياتهم، ولا يمنع أحد أكثر المشاهدين غضبًا من أن يكونوا الأكثر رغبة في الكتابة، بل إن روح الجدار نفسها تشجع الجملة اللاذعة التي تلفت الانتباه أكثر من المراجعة المتوازنة.
لكن الجدار يحتفظ بشيء تضيع بعض تفاصيله عندما نحول آلاف الآراء إلى رقم واحد، فقد يعطي شخصان الفيلم نجمتين للسببين المتناقضين تمامًا، أحدهما لأنه بطيء والآخر لأنه سريع أكثر مما ينبغي، وفي المنصة يصبحان صوتين متساويين داخل المتوسط، أما على الحائط فتبقى الجملتان مختلفتين، ويظل السبب جزءًا من الرأي بدل أن يختفي خلف الرقم.
هل أصبحت المنصات تعرف الجمهور بصورة أفضل؟
إذا كان المقصود هو جمع آراء عدد أكبر من الناس، فلا توجد مقارنة، المنصات الرقمية تستطيع التقاط مئات الآلاف من التقييمات في وقت قصير، وتسمح بمقارنة الأفلام ومتابعة تغير استقبالها عبر السنوات، وهي قدرات لم تكن ممكنة عندما كانت الصناعة تعتمد على عشرات أو مئات البطاقات.
لكن العدد الأكبر لا يعني تلقائيًا أننا نقترب من «رأي الجمهور الحقيقي»، لأن كل أداة تقيس جمهورًا مختلفًا، «CinemaScore» يقيس من ذهب إلى ليلة الافتتاح، و«IMDb» يقيس مستخدميه الذين قرروا منح درجة، و«Letterboxd» يعكس مجتمعًا سينمائيًا نشطًا له ذائقته وسلوكه الخاص، أما جدار البندقية فيلتقط مجموعة صغيرة من رواد مهرجان قرروا أن رأيهم يستحق أن يُكتب علنًا.
ولهذا ربما يكون الخطأ في السؤال نفسه، فلا يوجد رأي واحد اسمه «رأي الجمهور» ينتظر أن نعثر عليه، بل جماهير متعددة تتغير آراؤها بحسب المكان والوقت وطريقة السؤال، ويمكن للأرقام الحديثة أن تجعل هذه الاختلافات قابلة للقياس أكثر، لكنها لا تلغيها.
الجدار لا ينافس الخوارزمية
بعد نحو 30 عامًا على ظهوره، لا يبدو «Ridateci i soldi» بديلًا لـ«IMDb» أو «Letterboxd»، ولا يحاول أن يكون استطلاعًا علميًا، قيمته في شيء آخر، أنه يترك الرأي كما قيل تقريبًا، مباشرًا وشخصيًا وأحيانًا ظالمًا وأحيانًا أذكى من المراجعات الطويلة، من دون أن يحوله إلى 6.7 أو 3.5 نجمة.
ربما جعل الإنترنت رأي الجمهور أسرع وأوسع وأكثر قابلية للقياس، لكنه لم يحسم السؤال القديم حول مدى تمثيل هذا الرأي للجمهور كله، ولذلك تبدو قطعة الخشب الموجودة في البندقية أقل سذاجة مما تبدو عليه، ففي عصر نستطيع فيه اختصار رأي مئات الآلاف في رقم واحد، ما زال هناك شيء جذاب في أن يخرج شخص من فيلم، يمسك قلمًا، ويكتب ببساطة لماذا أحبه أو لماذا يريد أمواله مرة أخرى.
