سوليوود «خاص»
في هوليوود تبدو القاعدة منطقية: إذا توليت سلسلة سينمائية تمتد لعقود، فعليك أولًا مشاهدة ما سبقك، ومعرفة ما نجح وما أخفق، وفهم التفاصيل التي اعتادها الجمهور. لكن «Zach Cregger» فعل العكس تقريبًا. المخرج الذي تولى النسخة الجديدة من «Resident Evil» قال إنه لم يشاهد أيًا من الأفلام السابقة في السلسلة، وإن علاقته الأصلية بالعنوان جاءت من ألعاب الفيديو التي عرفها ولعبها منذ سنوات.
ثم جاءت المفارقة في شباك التذاكر. الفيلم، الذي طُرح في 18 سبتمبر 2026، افتتح بنحو 60 مليون دولار في أميركا الشمالية و48.3 مليون دولار في الأسواق الدولية، ليصل افتتاحه العالمي إلى نحو 108.3 مليون دولار، مسجلًا أفضل انطلاقة عالمية لفيلم يحمل اسم «Resident Evil».
لكن الرقم نفسه قد يصبح بعد أسابيع مجرد سطر في تاريخ شباك التذاكر، بينما يبقى السؤال الذي يطرحه الفيلم أكثر إثارة: عندما يرث مخرج سلسلة يعرفها الجمهور منذ عقود، هل يحتاج فعلًا إلى دراسة كل ما صنعه الآخرون قبله، أم أن الابتعاد عن تلك الأفلام قد يمنحه أحيانًا مساحة لرؤية الأصل من جديد؟
العودة إلى اللعبة بدل تقليد الأفلام
عدم مشاهدة «Cregger» للأفلام السابقة لا يعني أنه دخل إلى عالم «Resident Evil» بلا معرفة، بل إن معرفته جاءت من المصدر الذي سبق السينما نفسها: ألعاب «Capcom». وفي حديثه عن المشروع، استعاد خصوصًا تجربته مع «Resident Evil 2» وما تفرضه اللعبة على اللاعب من حساب مستمر للموارد؛ عدد الرصاصات، أدوات العلاج، ما يمكن حمله وما يجب تركه، وكيف تتحول النجاة إلى سلسلة من القرارات الصغيرة تحت الضغط.
هذا المنطق انتقل إلى الفيلم. الشخصية الرئيسية «Bryan»، التي يؤديها «Austin Abrams»، ليست مقاتلًا خارقًا، بل عامل توصيل طبي يجد نفسه وسط تفشٍ للزومبي أثناء نقل عضو بشري، وينتقل خلال رحلته بين طرق ثلجية ومزارع وأنفاق وبيئات مختلفة، في كل واحدة منها خطر جديد وموارد محدودة وفرصة أخرى للبقاء.
حتى بعض الاختيارات البصرية تستدعي تجربة الألعاب، مثل استخدام زوايا تصوير فوق الكتف المرتبطة بألعاب المنظور الثالث. لكن الفيلم لا يعيد قصة لعبة بعينها، ولا يستنسخ شخصياتها ومشاهدها، بل يحاول أن يبني قصة جديدة يمكن تخيل وقوعها في هامش ذلك العالم.
وهنا يكمن الفارق. «Cregger» لم يسأل كيف يصنع فيلمًا يشبه أفلام «Resident Evil» السابقة، بل كيف يصنع فيلمًا يمنح المتفرج شيئًا من الإحساس الذي تمنحه اللعبة نفسها.
ماذا يرث المخرج عندما يرث سلسلة؟
السلاسل الطويلة لا تورث صناعها الأفلام فقط، بل تورثهم جمهورًا وتوقعات وشخصيات وقواعد وذاكرة ثقافية كاملة. ومع مرور الوقت يمكن أن تتحول هذه الذاكرة إلى مصدر قوة، لكنها قد تصبح أيضًا قيدًا، لأن الفيلم الجديد يبدأ في تقليد الأفلام السابقة، التي كانت بدورها تبني على ما قبلها، حتى تصبح بعض الاختيارات قواعد ثابتة لا يعود أحد يسأل لماذا وُجدت أصلًا.
لهذا ليست تجربة «Resident Evil» الجديدة حالة منفردة تمامًا. عندما صنع «Christopher Nolan» فيلم «Batman Begins» عام 2005، لم يحاول ببساطة مواصلة السلسلة السينمائية السابقة، بل عاد إلى أصل الشخصية وسأل كيف يصبح رجل مثل «Bruce Wayne» هو «Batman». إعادة البداية لم تكن رفضًا لتاريخ الشخصية، وإنما وسيلة للتخلص من استمرارية سينمائية أثقلت القدرة على تقديمها من زاوية مختلفة.
وفعل «Martin Campbell» شيئًا قريبًا مع «Casino Royale» عام 2006. بعد عقود من أفلام «James Bond»، عاد الفيلم إلى رواية «Ian Fleming» الأولى وإلى نسخة أقل اكتمالًا من الشخصية، قبل أن تصبح «Bond» التي يعرفها الجمهور. كان الهدف إعادة بناء الأساس، لا مجرد إعادة إنتاج الملامح التي تراكمت عبر الأفلام.
لكن هناك طريقًا معاكسًا أيضًا. عندما تولى «J.J. Abrams» فيلم «Star Wars: The Force Awakens»، كان التاريخ السينمائي السابق جزءًا أساسيًا من المادة التي يعمل عليها، وليس عبئًا يريد التخلص منه. الشخصيات والعلاقات والأحداث القديمة كانت جزءًا من معنى الفيلم نفسه، ولذلك بنى العمل الجديد فوق الماضي بدل الابتعاد عنه.
لا توجد إذن وصفة واحدة لإحياء السلاسل القديمة. بعض الأفلام تحتاج إلى العودة إلى المصدر، وبعضها يحتاج إلى إعادة بناء الشخصية من البداية، وبعضها لا يعمل أصلًا إلا إذا اعترف بالتاريخ الذي سبقه.
«Reboot» أم «Remake» أم اقتباس جديد؟
هذا الاختلاف يفسر أيضًا الفروق بين المصطلحات التي كثيرًا ما تُستخدم بالتبادل. الـ«Remake» يعيد صنع فيلم موجود في صورة جديدة، بينما يعيد الـ«Reboot» إطلاق سلسلة أو عالم من نقطة مختلفة من دون الالتزام الكامل باستمراريته السابقة، أما الـ«Adaptation» فينقل عملًا من وسيط إلى آخر، مثل رواية أو لعبة تتحول إلى فيلم.
النسخة الجديدة من «Resident Evil» تقع في منطقة تجمع أكثر من معنى. هي ليست إعادة صنع لأحد الأفلام السابقة، وليست ترجمة حرفية لإحدى الألعاب، لكنها تعيد إطلاق الحضور السينمائي للعنوان من خلال العودة إلى عالم الألعاب وقواعدها وإحساسها بدل الاستمرار في القالب الذي صنعته الأفلام السابقة.
وهذا يفسر لماذا لم تكن مشاهدة تلك الأفلام ضرورة بالنسبة إلى «Cregger». إذا كان السؤال الذي يحاول الإجابة عنه هو كيف يمكن نقل تجربة «Resident Evil» نفسها إلى السينما، فقد تكون العودة إلى اللعبة أهم من دراسة تاريخ اقتباساتها.
عدم مشاهدة الماضي ليست الميزة في ذاتها
من السهل تحويل تجربة «Cregger» إلى قاعدة جذابة: تجاهل ما سبقك كي تكون أكثر إبداعًا. لكن الفيلم لا يثبت ذلك. القيمة لم تكن في الجهل بالأفلام السابقة، بل في امتلاك المخرج مرجعًا آخر واضحًا يعود إليه.
«Cregger» لم يستبدل المعرفة بالفراغ، بل استبدل معرفة الأفلام بمعرفة الألعاب. و«Nolan» عندما أعاد تقديم «Batman» لم يتجاهل الشخصية، بل عاد إلى جذورها، كما عاد «Casino Royale» إلى «Ian Fleming». وفي المقابل، لم يكن من الممكن أن يتعامل «The Force Awakens» مع «Star Wars» بالطريقة نفسها، لأن التاريخ السينمائي السابق كان جزءًا من قصته ومن علاقة الجمهور بها.
المسألة إذن ليست: هل يجب أن يشاهد المخرج الماضي أم يتجاهله؟ السؤال الأدق هو: أي جزء من هذا الماضي يحتاج إلى أن يرثه؟
قد تكون الشخصيات، أو العالم، أو القواعد، أو النبرة، أو تجربة الجمهور نفسها. وفي أفضل الحالات لا يصبح الوفاء للسلسلة محاولة لتكرار صورتها القديمة، بل محاولة لفهم السبب الذي جعلها ناجحة ومحبوبة منذ البداية.
نجاح الشباك لا يحسم السؤال
افتتاح «Resident Evil» بنحو 108.3 مليون دولار عالميًا، مقابل ميزانية إنتاج تقارب 75 مليون دولار، يمنح التجربة بداية تجارية قوية، لكنه لا يجعل منهج «Cregger» قاعدة تصلح لكل سلسلة. فالجمهور لا يكافئ المخرج لأنه لم يشاهد الأفلام السابقة، وإنما لأنه وجد في الفيلم الجديد شيئًا يستحق المشاهدة.
لهذا تبدو المفارقة أكثر دقة عندما تُصاغ بطريقة مختلفة: رجل لم يشاهد أفلام «Resident Evil» السابقة لم يحاول أن يصنع فيلمًا أفضل منها، بل حاول أن يعود إلى ما جعله يحب «Resident Evil» قبل أن تصبح بالنسبة إليه سلسلة سينمائية أصلًا.
وربما هنا تكمن قيمة التجربة خارج حدود هذا الفيلم. عندما يصبح تاريخ سلسلة ما ضخمًا إلى درجة أن كل صانع جديد يبدأ بمحاولة احترامه، قد لا يكون السؤال الأهم هو كيف نحافظ على كل ما حدث من قبل، بل كيف نعرف ما الذي يستحق فعلًا أن نحمله معنا إلى الفيلم التالي.

