Peter Bradshaw
إن الدفء والثراء والألفة التي يتسم بها هذا الفيلم الجميل للمخرج السنغافوري «أنتوني تشين»، وهو خريج المدرسة الوطنية للسينما والتلفزيون في بريطانيا، تعيده مجددًا إلى أسلوب الدراما العائلية الذي ميز انطلاقته الأولى عام 2013 بفيلم «Ilo Ilo». وبكثير من العناية وبراعة الخبير، يستلهم «تشين» مجددًا تأثيرات كل من «إدوارد يانغ» و«تساي مينغ ليانغ»، إلا أن حدسه السينمائي يبدو أقل غموضًا ومواربة؛ فهو يحرص على وضع النقاط على الحروف، كما أن لغته السينمائية تبدو مباشرة ومفعمة بالمشاعر، دون أن تفتقر في الوقت ذاته إلى اللمسات الفنية الدقيقة.
تدور أحداث الفيلم في سنغافورة، حيث ينتقد حالة الامتثال السائدة في هذه «الدولة المدينة» وافتتانها بالثراء والوجاهة الغربية، كما يعرض بأسلوب ساخر المخاطر الجسيمة التي تكتنف محاولات الفقراء في ريادة الأعمال. يؤدي «كوه جيا لير» دور «جونيانغ»، وهو شاب في العشرينيات، أخرق وطيب القلب لكنه خامل ويفتقر إلى الطموح، يعيش مع والده الأرمل «بون كيات» «أندي ليم» في شقة مستأجرة ضيقة. يوشك «جونيانغ» على إنهاء خدمته العسكرية، ويجد نفسه مطالبًا بتحديد مسار حياته، لكنه يرفض تمامًا فكرة العمل في كشك «النودلز» المتواضع الذي يملكه والده، رغم أنه العمل الذي يؤمن لهما قوت يومهما. في المقابل، تبدو صديقته «ليديا» «ريجين ليم» أكثر طموحًا بكثير، فهي عازفة بيانو موهوبة تضع نصب عينيها الالتحاق بالجامعة. أما والدة «ليديا»، وهي أم عزباء صارمة ومواظبة على ارتياد الكنيسة، فقد زادتها تجربة هجر زوجها لها ولابنتها قسوةً، فهي لا تبارك علاقتها بـ«جونيانغ» ولا تقبله على الإطلاق.
يعرض لنا تشين أزمتين عاطفيتين في حياة الأب والابن تسيران في خطين متوازيين؛ حيث يقرر «جونيانغ» و«ليديا» إقامة ليلة واحدة باهظة التكاليف في فندق مارينا باي ساندز الفاخر في سنغافورة، الذي يعد أيقونة المدينة ورمز وجاهتها الدولية. تسفر تلك الليلة عن حمل «ليديا»، مما يدفع والدتها إلى الإصرار بصرامة وتجهم على أن يقوم «جونيانغ» بـ«التصرف الصحيح» ويتزوجها. وفي الوقت ذاته، يقع «بون كيات»، الرجل الخجول وصاحب المبادئ، في حب إحدى نادلات المشروبات، وهي «بي هوا» «تؤدي دورها يو يان يان»، تلك المرأة الذكية والطيبة التي خبرت الحياة بحلوها ومرها. لقد استحضرتُ هنا مقولة للمخرج والناقد السينمائي «مارك كوزينز» مفادها: «إذا أردت لفيلمك أن يحقق نجاحًا، فضمّنه مشهد زفاف». وبكثير من الحيوية والتدفق، يمنحنا تشين مشهدي زفاف، واحدًا للأب والآخر للابن.
وهكذا، يجد الزوجان، أحدهما مع طفل، أنفسهما مضطرين للعيش معًا في تلك الشقة الضيقة؛ وهو واقع بعيد كل البعد عن فندق مارينا باي ساندز والشقق الشاطئية البراقة التي يبيعها «جونيانغ» الآن في وظيفته الجديدة كوكيل عقارات مبهرج «وقد اتخذ لنفسه اسمًا غربيًا هو «ستيف»، تيمّنًا بـ«ستيف جوبز»». ومن المفارقات الدالة، أن «جونيانغ/ستيف» يفرط في الشرب أثناء احتفاله ببيعة مفترضة لمشترٍ لبق لم يصل عربونه الموعود بعد، ويحاول بشكل غريب استخدام الحمام في «شقة العرض»، ليكتشف أن المياه لا تعمل. وبالمثل، يبدو الوعد بجني أموال سهلة عبر بيع الأدوية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وهم مماثل.
يقدم تشين هنا سردًا قصصيًا جريئًا ومثيرًا للإدمان، يتمتع بطاقة روائية تجعل المشاهد يتلهف لمتابعة الأحداث كما لو كان يقلب صفحات رواية مشوقة، مع تعاطف مذهل مع جميع طاقم التمثيل.
المصدر: الجارديان

