سوليوود «متابعات»
حضرت قضايا المرأة العربية بقوة داخل فعاليات مهرجان كان السينمائي، عبر فيلمين ناقشا أزمات متجذرة تعيشها النساء في مجتمعات مختلفة. وقدّم الفيلمان رؤيتين متباينتين لمعاناة المرأة بين سلطة العادات الاجتماعية والاستغلال الاقتصادي، مع تركيز واضح على البعد الإنساني بعيدًا عن الخطابات المباشرة أو الأحكام الجاهزة.
جاء الفيلم اللبناني الفلسطيني «البارح العين ما نامت» ضمن قسم «نظرة ما»، بدعم من «صندوق البحر الأحمر» و«مؤسسة الدوحة للأفلام». واختار المخرج ركان مياسي أن يروي حكاية فتاة تُدعى ريم، تجد نفسها ضحية لتقاليد قبلية تفرض عليها الزواج كنوع من تسوية الخلافات بين العشائر.
ينتهي الفيلم بمشهد بصري مؤثرًا، تظهر فيه ريم وهي تسير وسط الحقول الواسعة، غير عابئة بنداءات شقيقها أو الشاب الذي يحبها. ويحافظ المخرج على مسافة بعيدة بالكاميرا، ليحوّل المشهد إلى لوحة مفتوحة تعكس رغبة البطلة في التحرر من واقع يطاردها من كل اتجاه.
يركز العمل على معاناة المرأة داخل مجتمع بدوي في سهل البقاع بلبنان. وتتصاعد الأحداث بعدما يتسبب شقيق ريم في حادث يخص رجلًا من عشيرة أخرى، فتطالب العشيرة بزواج ريم وشقيقتها جواهر كتعويض، وإلا سيكون القتل هو البديل المطروح.
تواجه ريم هذا المصير بصمت ثقيل. وتشعر بأن حياتها أصبحت محاصرة بالكامل. وعندما تُفصل عن شقيقتها، تدرك أنها خسرت آخر ما يربطها بالأمان، فتقرر الهروب نحو مصير مجهول يحمل لها فرصة أخيرة للحرية.
نجح ركان مياسي في تقديم معالجة هادئة للقضية. ولم يسعَ إلى مهاجمة التقاليد بشكل مباشر، بل ركز على تصوير القسوة التي تفرضها الظروف الاجتماعية على النساء. كما تجنب تحويل الشخصيات إلى أدوات خطابية، وهي نقطة منحت الفيلم صدقًا واضحًا.
واعتمد الفيلم على جماليات بصرية لافتة، خصوصًا في تصوير الطبيعة المفتوحة والجبال والحقول. لذلك بدا العمل أقرب إلى لوحة سينمائية تحتاج شاشة عرض كبيرة لإبراز تفاصيلها بشكل كامل.
وفي القسم نفسه من المهرجان، عُرض الفيلم المغربي الإسباني «فراولة» للمخرجة ليلى مراكشي، والذي حمل عنوان «La Más Dulce» بالفرنسية. ويتناول الفيلم قصة مريم، وهي امرأة مغربية تسافر إلى إسبانيا للعمل في مزارع الفراولة بهدف إعالة أسرتها.
تكشف الأحداث أن مريم كانت سجينة سابقًا، وهو ما يجعل شهادتها لاحقًا محل شك. وتجد نفسها وسط عالم مليء بالاستغلال والفساد داخل مزارع الثمار، حيث تتعرض بعض العاملات للاستغلال الجنسي والإجبار على الدعارة.
تركز القصة على شخصية حسناء، التي تؤدي دورها نسرين الراضي. وتتعرض حسناء لانتهاكات قاسية داخل المزرعة، بينما تحاول مريم مساعدتها دون أن تملك الشجاعة الكاملة لمواجهة المسؤولين عن تلك الجرائم.
ومع تصاعد الأحداث، تعود حسناء في حالة صحية خطيرة بعد استغلالها من قبل أحد مديري المزرعة. وهنا تجد مريم نفسها أمام خيار صعب بين كشف الحقيقة أو الصمت خوفًا من فقدان عملها والتعرض للانتقام.
عانت أحداث الفيلم من بطء واضح في تطور الحبكة. كما بدا السيناريو مترددًا في حسم موقف البطلة لفترة طويلة، وهو ما أثر على قوة القضية التي أرادت المخرجة طرحها. ورغم ذلك، احتوى العمل على لحظات إنسانية صادقة بين النساء العاملات، وقدّمت هاجر غريغا أداءً حافظ على تماسك الشخصية حتى النهاية.
ويعيد الفيلمان طرح قضية المرأة العربية داخل السينما، وهي قضية حضرت لعقود طويلة في أعمال بارزة ناقشت التقاليد القاسية وسلب الحقوق والهيمنة الذكورية. ومن بين تلك الأعمال فيلم الحرام للمخرج هنري بركات، وفيلم أريد حلًا للمخرج سعيد مرزوق، إلى جانب أفلام عربية أخرى ناقشت القضية من زوايا مختلفة.
كما برز اسم محمد خان من خلال أعمال ركزت على المرأة داخل المجتمع المصري، مثل أحلام هند وكاميليا وزوجة رجل مهم، حيث تناولت تلك الأفلام الصراع مع السلطة الاجتماعية والعنف النفسي والبحث عن الحرية.
وامتدت المعالجات السينمائية إلى أفلام عربية أخرى، مثل وجدة للمخرجة هيفاء المنصور، وصمت القصور للمخرجة مفيدة التلاتلي، إضافة إلى فيلم أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة للمخرجة اليمنية خديجة السلامي، الذي ناقش زواج القاصرات وما تسببه تلك الظاهرة من أزمات إنسانية.
