سوليوود «خاص»
لم تعد الدراما الرأسية مجرد مقاطع تمثيلية قصيرة تظهر بين فيديوهات «تيك توك» و«يوتيوب»، فقد أصبحت صناعة لها تطبيقاتها وجمهورها وإيراداتها، إلى درجة دفعت نقابة الممثلين الأميركية «ساغ أفترا» إلى وضع اتفاق تعاقدي خاص بها، يسمح بإنتاج مسلسل كامل بميزانية لا تتجاوز 300,000 دولار، وجدول تصوير يصل إلى 30 يومًا متتاليًا، مع تحديد أجور الممثلين وساعات العمل وحقوقهم المهنية.
وبعد نحو عام من إطلاق الاتفاق، كشفت تغطية نشرتها مجلة «ذا راب» في 19 أكتوبر 2026 عن اعتماد عشرات الإنتاجات بموجبه، في خطوة تعكس تغير نظرة صناعة الترفيه الأميركية إلى هذا النوع من الأعمال، فبدل التعامل معه باعتباره نشاطًا محدودًا خارج النظام التقليدي، بدأت النقابة تضع له قواعد تراعي طبيعة إنتاجه السريع وتكاليفه المنخفضة، من دون إخضاعه بالكامل للشروط المالية المعمول بها في المسلسلات التلفزيونية المعتادة.
مسلسلات تُصنع للهاتف
تُنتج الدراما الرأسية بصورة عمودية بنسبة عرض 9:16، لتناسب مشاهدة الهاتف، وتتكون غالبًا من عشرات الحلقات التي تستغرق الواحدة منها نحو 3 دقائق أو أقل، وتعتمد على تطورات متلاحقة ونهايات مشوقة تدفع الجمهور إلى متابعة الحلقة التالية.
وتختلف طريقة توزيع هذه الأعمال عن المسلسلات التقليدية أيضًا، إذ تتيح تطبيقات متخصصة مثل «ReelShort» و«DramaBox» عددًا من الحلقات مجانًا، ثم تطلب من المشاهد الدفع لمتابعة القصة أو تتيح له خيارات أخرى لفتح الحلقات، وهو نموذج يجعل الاحتفاظ باهتمام الجمهور من حلقة إلى أخرى جزءًا أساسيًا من اقتصاد العمل.
وقد فرض هذا الشكل إيقاعًا مختلفًا على الإنتاج، فالمسلسل الذي يتكون من عشرات الحلقات القصيرة يحتاج إلى تصوير عدد كبير من المشاهد خلال فترة محدودة، وغالبًا باستخدام مواقع قليلة وطاقم أصغر من المعتاد، لذلك لم يكن من السهل تطبيق جميع قواعد الإنتاج التلفزيوني التقليدي عليه من دون أن ترتفع تكلفته بصورة قد تهدد جدواه التجارية.
ماذا يتضمن العقد الجديد؟
وضعت «ساغ أفترا» اتفاقية تحمل اسم «Vertical Programs Agreement»، مخصصة للمنتجين المستقلين الذين يصنعون أعمالًا رأسية بميزانية إجمالية لا تتجاوز 300,000 دولار، على أن يجري التصوير بالكامل داخل الولايات المتحدة وألا تتجاوز مدته 30 يومًا متتاليًا.
وتشمل الميزانية المحددة المشروع كله، وليس الحلقة الواحدة، وهو فارق مهم عند مقارنة هذا النموذج بالإنتاج التلفزيوني الذي قد تتجاوز تكلفة الحلقة الواحدة فيه ملايين الدولارات، بينما تشير تقديرات نقلتها «ذا راب» إلى أن ميزانيات كثير من المسلسلات الرأسية الأميركية تتراوح بين 150,000 و300,000 دولار.
أما أجور الممثلين، فيحدد الاتفاق حدًا أدنى يبلغ 250 دولارًا للممثل الرئيسي مقابل يوم عمل من 8 ساعات، ويرتفع إلى 468.75 دولارًا عند امتداد العمل إلى 12 ساعة، فيما تبدأ أجور الفئات التمثيلية الأخرى من 164 دولارًا لليوم المكون من 8 ساعات، وتصل إلى 307.50 دولارات عند العمل 12 ساعة.
ولا تقتصر الاتفاقية على الأجور، بل تنظم احتساب ساعات العمل الإضافية وفترات الراحة والسلامة المهنية، وتلزم المنتجين بمساهمات التقاعد والرعاية الصحية التي تبلغ 21.5% فوق الأجور المشمولة، إلى جانب أحكام تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي وحماية أداء الممثلين.
لماذا احتاجت «هوليوود» إلى قواعد مختلفة؟
كانت تكلفة الالتزام بالعقود النقابية التقليدية واحدة من العقبات التي تواجه منتجي الدراما الرأسية، فهذه الأعمال تعتمد على سرعة التنفيذ وانخفاض الميزانية، بينما صُممت كثير من قواعد السينما والتلفزيون الأميركية لإنتاجات أطول وأكثر تكلفة.
ولهذا درست النقابة طبيعة السوق قبل وضع الاتفاق، بحسب تصريحات مسؤوليها، بهدف الوصول إلى أجور وشروط يمكن للمنتجين تحملها، وفي الوقت نفسه توفير حماية مهنية للممثلين الذين يعملون في هذه المشروعات.
وتحدث منتجون إلى «ذا راب» عن تحسن إجراءات التعامل مع النقابة وسرعة الموافقة على بعض الإنتاجات، وهي نقطة لا تقل أهمية عن الأجور، لأن تأخير التصوير أو تعقيد التعاقدات قد يمثل عبئًا كبيرًا على مشروع تُنفذ حلقاته كلها خلال أسابيع.
بهذا المعنى، لم تحاول «ساغ أفترا» تحويل المسلسل الرأسي إلى مسلسل تلفزيوني تقليدي بميزانية أصغر، بل وضعت له إطارًا مستقلًا يعترف باختلاف طريقة إنتاجه.
سوق تنمو بسرعة
تفسر أرقام السوق سبب الاهتمام المتزايد بهذا النوع من المحتوى، فبحسب بيانات شركة أبحاث التطبيقات «Sensor Tower»، تجاوزت تنزيلات تطبيقات الدراما القصيرة عالميًا 850 مليون تنزيل خلال الربع الأول من 2026، بزيادة بلغت نحو 140% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما اقتربت إيرادات المشتريات داخل التطبيقات من 750 مليون دولار خلال الأشهر الثلاثة.
ولا تعني التنزيلات عددًا مماثلًا من المشاهدين الفريدين أو المشتركين الدائمين، لكنها تكشف سرعة انتشار التطبيقات المتخصصة، خصوصًا مع اعتمادها على الإعلانات الرقمية ومقاطع التشويق التي تجذب الجمهور من منصات التواصل إلى مشاهدة المسلسلات داخل تطبيقاتها.
كما أظهرت بيانات الشركة ارتفاع متوسط الوقت اليومي الذي يقضيه المستخدم على تطبيقات الدراما القصيرة إلى نحو 25 دقيقة في أبريل 2026، مقابل نحو 35 دقيقة لخدمات البث التقليدية وفق نطاق المقارنة الذي استخدمته الدراسة، وهي أرقام تشير إلى أن هذه الأعمال لم تعد مجرد مقاطع يشاهدها المستخدم مصادفة، بل أصبحت لدى شريحة من الجمهور عادة مشاهدة قائمة بذاتها.
نجوم التلفزيون يدخلون الدراما الرأسية
بدأ توسع السوق يجذب أسماء معروفة من السينما والتلفزيون الأميركيين، بينها «جيمس فرانكو» و«ماريو لوبيز» و«تاي ديغز»، بعدما كانت غالبية الإنتاجات تعتمد على ممثلين أقل شهرة، كما دخلت شركات إنتاج مرتبطة بأسماء معروفة إلى المجال، ومنها «هوري ميديا» التابعة للمنتجة والممثلة الأميركية «إيسا راي».
وتوفر الاتفاقيات النقابية الجديدة قدرًا أكبر من الوضوح لوكلاء الممثلين ومديري أعمالهم عند التفاوض على هذه المشروعات، بعدما كانت طبيعة العقود والأجور وشروط التصوير من المسائل التي تثير التردد بشأن المشاركة فيها.
وقد تصبح هذه الأعمال أيضًا مساحة لاكتشاف ممثلين وكتاب ومخرجين جدد، فتكلفتها المحدودة تسمح بتنفيذ مشروعات لا تحتاج إلى استثمارات تلفزيونية ضخمة، لكن ذلك لا يعني أن النجاح في الدراما الرأسية يضمن الانتقال إلى السينما أو المسلسلات التقليدية، فلكل سوق جمهوره وطريقة عمله.
هل أصبحت القواعد ملزمة لجميع الاستوديوهات؟
رغم أهمية الاتفاق، فإنه لا يشمل جميع إنتاجات «هوليوود»، إذ يقتصر إطار «Vertical Programs Agreement» على المنتجين المستقلين المؤهلين لشروطه، بينما تخضع الشركات الأعضاء في تحالف منتجي السينما والتلفزيون الأميركي «AMPTP» لأحكام تعاقدية أخرى تتعلق بإنتاجات الإعلام الجديد.
وهذا التمييز ضروري لفهم المرحلة الحالية، فالنقابة لم تضع نظامًا موحدًا لكل الدراما الرأسية الأميركية، كما أن عشرات الإنتاجات التي حصلت على الموافقة لا تمثل جميع الأعمال المنتجة في السوق، لكنها بدأت بناء مسار رسمي لنوع من المحتوى كان ينمو أسرع من تطور القواعد المهنية المحيطة به.
ماذا يتغير في صناعة المسلسلات؟
تكشف التجربة أن اختلاف شاشة العرض يمكن أن يغير طريقة صناعة المسلسل من البداية، فالحلقة القصيرة تؤثر في كتابة المشاهد وإيقاع الأحداث، والتصوير العمودي يغير تكوين اللقطات وحركة الممثلين داخل الكادر، والميزانية المحدودة تفرض قرارات مختلفة بشأن المواقع والديكور وعدد أيام العمل.
ويمتد الاختلاف إلى التوزيع أيضًا، فبدل بيع موسم كامل إلى قناة أو منصة اشتراكات، قد يعتمد المنتج على تطبيق يحقق إيراداته من فتح الحلقات والمشتريات داخل الخدمة، وهو ما يجعل أداء كل حلقة وقدرتها على دفع الجمهور إلى التالية عنصرًا مؤثرًا في العائد التجاري.
ولا يعني ذلك أن الدراما الرأسية ستأخذ مكان المسلسلات التقليدية، أو أن ميزانية 300,000 دولار أصبحت معيارًا جديدًا للإنتاج التلفزيوني، لكنها تفتح سوقًا موازية لها قواعدها ومواهبها وطرق تمويلها، وقد بدأت مؤسسات «هوليوود» المهنية تتعامل معها على هذا الأساس.
قبل سنوات كان انتقال الجمهور من التلفزيون إلى الهاتف يعني غالبًا مشاهدة العمل نفسه على شاشة أصغر، أما الآن فقد ظهرت أعمال تُكتب وتُصوَّر وتُموَّل منذ البداية لتناسب طريقة إمساك المشاهد بهاتفه، ولم يعد التغيير مقتصرًا على الصورة أو مدة الحلقة، بل وصل إلى عقود الممثلين وأجورهم وجداول التصوير.
وهنا تكمن أهمية اتفاق «ساغ أفترا»، فهو لا يقدم مجرد تسهيلات لإنتاج مسلسلات منخفضة التكلفة، بل يكشف كيف بدأت صناعة الترفيه الأميركية تعديل قواعد العمل لاستيعاب شكل جديد من السرد، نشأ خارج منظومتها التقليدية ثم اتسع إلى درجة أصبح معها تنظيمه ضرورة مهنية واقتصادية.
