سوليوود «خاص»
قليل من الأنواع السينمائية استطاع أن يعبر الأجيال مثل الأفلام الرومانسية، فالحب كان حاضرًا منذ السنوات الأولى للسينما، لكنه لم يظهر بالطريقة نفسها في كل عصر. مرة كانت الحكاية تقوم على شخصين تفصل بينهما الطبقة الاجتماعية، ومرة على الاختيار بين الحب والواجب، ثم أصبحت الأفلام تنظر إلى الزمن والطموح والذاكرة والفرص الضائعة باعتبارها عقبات لا تقل قوة عن العائلة أو المجتمع، حتى تغير السؤال نفسه، فلم يعد دائمًا هل سيجتمع الحبيبان في النهاية؟ بل هل يكفي الحب وحده ليعيش شخصان الحياة نفسها؟
لهذا فإن تاريخ الرومانسية في السينما لا يمكن اختزاله في مجموعة من القصص العاطفية الشهيرة، فهو أيضًا تاريخ للطريقة التي تغير بها فهم المجتمعات للعلاقات والاختيار والاستقرار والتضحية. وبعض الأفلام التي أصبحت اليوم كلاسيكية لم تكن مهمة لأنها قدمت قصة حب جميلة فحسب، وإنما لأنها ابتكرت النموذج الذي عادت السينما إلى استخدامه لعقود، من شخصين يبدأان علاقتهما بالخلاف، إلى لقاء قصير يغير حياة كاملة، وصولًا إلى شخص يجد بعد سنوات أن الحب الحقيقي لا يعني بالضرورة أن تنتهي الحياة بالطريقة التي تخيلها.
وعندما ننظر إلى أشهر الأفلام الرومانسية عبر أكثر من قرن، نكتشف أن السينما لم تغير شكل قصة الحب فقط، بل غيرت أيضًا تعريفها للنهاية السعيدة.
«It Happened One Night».. حين أصبح الاختلاف بداية الحكاية
في عام 1934 قدم المخرج الأميركي «فرانك كابرا» فيلم «It Happened One Night»، بطولة الأميركي «كلارك غيبل» والأميركية المولودة في فرنسا «كلوديت كولبير»، حول وريثة شابة تهرب من الحياة التي اختيرت لها، وصحفي يرى في قصتها فرصة مهنية، قبل أن تجبرهما رحلة طويلة على معرفة بعضهما بعيدًا عن الانطباعات الأولى.
أصبح الفيلم أول عمل في تاريخ «الأوسكار» يفوز بالجوائز الخمس الكبرى، أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل ممثل وأفضل ممثلة وأفضل سيناريو، لكنه ترك أثرًا أبعد من الجوائز، لأنه ساعد على تثبيت واحدة من أكثر الصيغ استمرارًا في الكوميديا الرومانسية، شخصيتان مختلفتان تبدوان في البداية غير قادرتين على الانسجام، ثم تتحول المسافة بينهما تدريجيًا إلى مصدر للجاذبية.
لم تكن السينما بعد ذلك بحاجة دائمًا إلى شخصين يبحث كل منهما عن الآخر منذ البداية، بل اكتشفت أن الجمهور قد يستمتع أكثر بمشاهدة العلاقة وهي تُبنى خطوة بعد خطوة، وأن المشاحنات والاختلاف في الطباع يمكن أن يكونا جزءًا من الحكاية، وهي صيغة ستظهر لاحقًا في عشرات الأعمال وتصبح من القواعد الأساسية للأفلام الرومانسية الكوميدية.
«The Shop Around the Corner».. الحب قبل أن يعرف الشخص من يحب
بعد ست سنوات فقط، قدم الألماني الأميركي «إرنست لوبيتش» فيلم «The Shop Around the Corner» عام 1940، بطولة الأميركي «جيمس ستيوارت» والأميركية «مارغريت سولافان»، ليضيف فكرة ستعيش طويلًا في الأفلام الرومانسية، شخصان يعرف كل منهما الآخر في الحياة اليومية ولا ينسجمان، بينما يتبادلان الرسائل من دون أن يدركا أنهما الشخصان نفسيهما.
لم يكن الفيلم مجرد حكاية عن سوء الفهم، بل عن الفارق بين الصورة التي نكوّنها عن شخص عندما نراه كل يوم والصورة التي نكتشفها عندما نتعرف إلى أفكاره بعيدًا عن أحكامنا المسبقة. ويعد «معهد الفيلم البريطاني» العمل واحدًا من الأفلام الأساسية في مسيرة «لوبيتش»، وقد عادت فكرته بعد أكثر من نصف قرن في «You’ve Got Mail» عام 1998، عندما استبدلت الرسائل التقليدية بالبريد الإلكتروني.
هذه القدرة على البقاء هي إحدى سمات الأفلام الرومانسية المهمة، فالتكنولوجيا تغير طريقة اللقاء، لكن الأسئلة نفسها تعود، هل نعرف الشخص الذي أمامنا فعلًا؟ وهل يمكن لانطباع أول سيئ أن يمنعنا من رؤية شخص مناسب تمامًا لنا؟
«Casablanca».. عندما لم تعد النهاية السعيدة تعني البقاء معًا
في عام 1942 ظهر الفيلم الذي يتصدر قائمة «معهد الفيلم الأميركي» لأعظم قصص الحب في السينما الأميركية، «Casablanca»، للمخرج الأميركي المجري المولد «مايكل كورتيز»، وبطولة الأميركي «همفري بوغارت» والسويدية «إنغريد برغمان».
وضعت الحرب العالمية الثانية شخصيات الفيلم أمام قرارات أكبر من رغباتها الشخصية، ولذلك لم تبق قصة «ريك» و«إلسا» محاولة لاستعادة حب قديم، بل أصبحت اختبارًا لمعنى التضحية، عندما يكون القرار الأصعب هو الذي يمنح الشخص الآخر فرصة لحياة مختلفة.
وهنا صنعت السينما تحولًا كبيرًا، فنجاح قصة الحب لم يعد مرهونًا بأن ينتهي الفيلم باجتماع الشخصيتين، بل أصبح ممكنًا أن تكون قوة العلاقة نفسها في ما يختاره أحدهما من أجل الآخر. واللافت أن سبعة من الأفلام العشرة الأولى في قائمة «معهد الفيلم الأميركي» لأعظم قصص الحب لا تنتهي ببقاء الثنائي معًا، وهو ما يكشف مدى حضور الفقد والتضحية والاختيار الصعب في تاريخ هذا النوع.
«Brief Encounter».. الرومانسية التي صنعتها الحدود
بعد الحرب مباشرة جاء الفيلم البريطاني «Brief Encounter» عام 1945 للمخرج الإنجليزي «ديفيد لين»، بطولة الإنجليزية «سيليا جونسون» والإنجليزي «تريفور هوارد»، ليقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا، شخصان يلتقيان بالمصادفة في محطة قطار، لكن كليهما مرتبط بأسرة وحياة قائمة، فيصبح الصراع الحقيقي بين المشاعر والمسؤولية.
يصف «معهد الفيلم البريطاني» العمل بأنه أحد كلاسيكيات السينما البريطانية، وأحد أبرز الأمثلة على الرومانسية التي تقوم على ضبط المشاعر بدل الاستسلام لها، وعلى أشخاص يدركون أن ما يشعرون به لا يلغي مسؤولياتهم تجاه الآخرين.
أهمية «Brief Encounter» أنه أثبت مبكرًا أن الفيلم الرومانسي لا يحتاج إلى أحداث ضخمة كي يكون مؤثرًا، أحيانًا تكفي محطة قطار وعدد قليل من اللقاءات وشخصيتان تعرفان أن الوقت المتاح لهما محدود، وهو النموذج الذي ستعود إليه السينما لاحقًا في أفلام مثل «Before Sunrise» و«In the Mood for Love».
«Roman Holiday».. حين تكون قيمة اللقاء في أنه لن يستمر
في «Roman Holiday» عام 1953، للمخرج الأميركي الألماني المولد «ويليام وايلر»، تلتقي أميرة شابة يؤدي دورها البريطانية «أودري هيبورن» بصحفي أميركي يؤديه الأميركي «غريغوري بيك» خلال يوم بعيد عن البروتوكول الرسمي في روما، لكن الفيلم لا يبحث عن طريقة سحرية لإلغاء واقع الشخصيتين، وإنما يقبل منذ البداية تقريبًا أن هناك عالمًا ينتظر كلًا منهما خارج ذلك اللقاء.
يحتل الفيلم المرتبة الرابعة في قائمة «معهد الفيلم الأميركي» لأعظم قصص الحب، وحصلت «أودري هيبورن» عنه على جائزة «الأوسكار» لأفضل ممثلة، كما أصبح من أكثر الأعمال ارتباطًا بصورة روما الرومانسية في السينما.
وبدل أن يقيس الفيلم قيمة العلاقة بطولها، جعل الأيام القليلة قادرة على تغيير نظرة الشخصيات إلى حياتها، وهي فكرة ستصبح لاحقًا من أكثر الأفكار حضورًا في الأفلام الرومانسية، بعض الأشخاص لا يبقون طويلًا، لكنهم يتركون أثرًا أطول من الزمن الذي قضوه معنا.
«An Affair to Remember».. الانتظار يدخل قلب الفيلم الرومانسي
في عام 1957 جاء «An Affair to Remember» للمخرج الأميركي «ليو مكاري»، بطولة الأميركي «كاري غرانت» والبريطانية «ديبورا كير»، ليصنع واحدًا من أشهر المواعيد المؤجلة في تاريخ السينما، عندما يقرر شخصان أن يلتقيا بعد ستة أشهر في مكان محدد إذا كان كل منهما لا يزال يريد بناء حياة مع الآخر.
يحتل الفيلم المرتبة الخامسة في قائمة «معهد الفيلم الأميركي» لأعظم قصص الحب، وهو نفسه إعادة صنع لفيلم «Love Affair» الذي أخرجه «مكاري» عام 1939، لكن النسخة اللاحقة أصبحت الأكثر رسوخًا في الثقافة الشعبية، إلى حد أن «Sleepless in Seattle» عام 1993 بنى جزءًا من ذاكرته الرومانسية على الإشارة إليها مباشرة.
هنا لم يعد العائق خصمًا أو اختلافًا اجتماعيًا فقط، بل أصبح الزمن نفسه، هل يستطيع الشعور أن يبقى عندما تنفصل الطرق ويُطلب من الشخصين أن يعودا بعد شهور وهما شخصان مختلفان قليلًا عما كانا عليه؟
من «Doctor Zhivago» إلى «Love Story».. الحب أمام التاريخ والفقد
في الستينيات والسبعينيات توسعت الأفلام الرومانسية لتضع العلاقات داخل ظروف أكبر من الشخصيات نفسها، وكان «Doctor Zhivago» عام 1965 للمخرج البريطاني «ديفيد لين» أحد أشهر هذه النماذج، إذ وضع قصة شخصياته في قلب الحرب والثورة والتحولات الروسية الكبرى، وأصبح لاحقًا في المرتبة السابعة ضمن قائمة «معهد الفيلم الأميركي» لأعظم قصص الحب.
ثم جاء «Love Story» عام 1970 للمخرج الكندي «آرثر هيلر»، بطولة الأميركية «آلي ماكغرو» والأميركي «رايان أونيل»، ليربط الرومانسية هذه المرة بالفقد، ويصبح واحدًا من أكبر النجاحات الجماهيرية في عصره، كما احتل المرتبة التاسعة على قائمة «معهد الفيلم الأميركي» لأعظم قصص الحب، وحصل على سبعة ترشيحات لـ«الأوسكار» وفاز بجائزة الموسيقى الأصلية.
ومع هذه الأفلام ترسخت فكرة أن الجمهور لا يبحث دائمًا عن الطمأنينة داخل الفيلم الرومانسي، بل قد يذهب إليه وهو يعرف أن الحكاية ستؤلمه، لأن قيمة العلاقة أحيانًا لا تُقاس بما استمر منها، وإنما بما غيّرته في حياة أصحابها.
«When Harry Met Sally».. عندما أصبحت الصداقة هي السؤال
في نهاية الثمانينيات أعاد المخرج الأميركي «روب راينر» والكاتبة الأميركية «نورا إفرون» صياغة الكوميديا الرومانسية في «When Harry Met Sally» عام 1989، بطولة الأميركيين «بيلي كريستال» و«ميغ رايان»، حول شخصيتين تتقاطع حياتهما على مدى سنوات قبل أن تفهما طبيعة علاقتهما.
القصة لم تعتمد على اللقاء الأول بوصفه لحظة حاسمة، بل على الوقت، والمحادثات، والتغير الذي يطرأ على الأشخاص عندما ينتقلون من مرحلة عمرية إلى أخرى، وهنا اقترب الفيلم الرومانسي أكثر من الحياة اليومية، فالشخص المناسب قد لا يدخل القصة وسط حدث استثنائي، بل قد يكون موجودًا منذ سنوات قبل أن تتغير الطريقة التي نراه بها.
وفتحت هذه المرحلة الباب أمام ازدهار الكوميديا الرومانسية خلال التسعينيات، عندما جاءت أفلام مثل «Sleepless in Seattle» عام 1993 و«Four Weddings and a Funeral» عام 1994 و«Notting Hill» عام 1999 و«You’ve Got Mail» عام 1998، وأصبحت فكرة البحث عن الشخص المناسب وسط حياة عادية أحد أكثر النماذج جماهيرية في السينما.
«Dilwale Dulhania Le Jayenge».. عندما أصبحت العائلة جزءًا من الحل
لا تكتمل قصة الأفلام الرومانسية إذا اختُزلت في هوليوود والسينما الأوروبية، ففي عام 1995 قدم المخرج الهندي «أديتيا تشوبرا» فيلم «Dilwale Dulhania Le Jayenge»، بطولة الهنديين «شاه روخ خان» و«كاجول»، وأصبح العمل واحدًا من أكبر الظواهر في تاريخ السينما الهندية.
تبدأ الحكاية بلقاء «راج» و«سيمران» خلال رحلة أوروبية، لكن قلب الفيلم الحقيقي يظهر عندما يعودان إلى عائلتيهما، فالبطل لا يختار الهرب بالفتاة التي يحبها، وإنما يحاول إقناع أسرتها وقبولها للعلاقة، وبذلك جمع الفيلم بين الحب الحديث والتمسك بالأسرة والتقاليد، بدل أن يضع الاثنين دائمًا في مواجهة بعضهما.
يصف «معهد الفيلم البريطاني» العمل بأنه أحد أكثر الأفلام نجاحًا واستمرارًا في تاريخ السينما الهندية، وظل يُعرض بانتظام في صالة «ماراثا ماندير» في مومباي لأكثر من 25 عامًا، كما تحول «شاه روخ خان» و«كاجول» بفضله إلى أحد أشهر الثنائيات في السينما الهندية.
وتكمن أهميته في أنه قدم نموذجًا مختلفًا للرومانسية، الحب لا ينتصر دائمًا بالتمرد على الأسرة، بل قد تكون الرحلة الحقيقية هي الوصول إلى قبولها.
«Before Sunrise».. عندما أصبحت المحادثة هي الحدث
في العام نفسه ظهر «Before Sunrise» للمخرج الأميركي «ريتشارد لينكليتر»، بطولة الأميركي «إيثان هوك» والفرنسية الأميركية «جولي دلبي»، حول شاب وفتاة يلتقيان في قطار ثم يقضيان ساعات في فيينا قبل أن يكمل كل منهما رحلته.
لم يحتج الفيلم إلى سلسلة أحداث كبيرة، فالمحادثات عن الحياة والمستقبل والأسرة والخوف والزمن أصبحت هي الحدث، بينما يعرف المشاهد طوال الوقت أن الصباح يقترب وأن هذه الساعات ستنتهي.
ووصف «معهد الفيلم البريطاني» الفيلم بأنه من أبرز الأعمال التي جعلت اللقاء القصير مدخلًا للتفكير في الحب والزمن، ثم عاد «لينكليتر» إلى الشخصيتين في «Before Sunset» عام 2004 و«Before Midnight» عام 2013، لتصبح الثلاثية تجربة نادرة تراقب العلاقة نفسها وهي تتغير مع تقدم أصحابها في العمر.
لم تعد الرومانسية هنا عن اللحظة التي يبدأ فيها الحب فقط، بل عن السؤال الأصعب، ماذا يفعل الزمن بما بدأ في لحظة؟
«Titanic».. عندما التقت الرومانسية بالفيلم الضخم
في عام 1997 قدم الكندي «جيمس كاميرون» «Titanic»، بطولة البريطانية «كيت وينسلت» والأميركي «ليوناردو دي كابريو»، واستطاع أن يضع قصة عاطفية في قلب واحدة من أشهر الكوارث البحرية في التاريخ، جامعًا بين الفيلم الرومانسي والإنتاج الملحمي الضخم.
كان الاختلاف الاجتماعي بين الشخصيتين جزءًا من الحكاية، لكن معرفة الجمهور المسبقة بمصير السفينة أعطت كل لحظة بينهما وزنًا إضافيًا، لأن الزمن منذ البداية يتحرك نحو كارثة لا يمكن للشخصيات إيقافها.
وأصبح «Titanic» واحدًا من أكثر الأفلام نجاحًا وشهرة في تاريخ السينما، لكنه أثبت كذلك أن الفيلم الرومانسي لم يعد محصورًا في الإنتاجات المتوسطة أو الكوميديا، بل يستطيع أن يكون في الوقت نفسه فيلمًا جماهيريًا ضخمًا وحدثًا عالميًا.
«In the Mood for Love».. قوة الأشياء التي لم تحدث
في عام 2000 قدم المخرج الهونغ كونغي «وونغ كار واي» فيلم «In the Mood for Love»، بطولة الهونغ كونغيين «توني ليونغ» و«ماغي تشيونغ»، ليذهب بالرومانسية في الاتجاه المعاكس تقريبًا، بعيدًا عن الوصول، وقريبًا من التردد والحدود والفرص التي تمر من دون أن تتحول إلى حياة مشتركة.
يلتقي شخصان بعد اكتشاف خيانة شريكيهما، لكنهما يرفضان أن يصبحا نسخة مما ألحق بهما الأذى، ولهذا تتولد قوة الفيلم من الأشياء التي لا تحدث بقدر ما تتولد من الأشياء التي تحدث.
ويضع «معهد الفيلم البريطاني» العمل بين أبرز الأفلام التي استخدمت اللقاء المحدود والفرصة غير المكتملة لبناء الرومانسية، وأصبح لاحقًا أحد أشهر الأفلام الآسيوية في النقاشات النقدية العالمية حول الحب والذاكرة.
«The Notebook» و«Pride & Prejudice».. عودة الحب الممتد عبر الزمن
في عام 2004 جاء «The Notebook» للمخرج الأميركي «نيك كاسافيتس»، بطولة الكندي «رايان غوسلينغ» والأميركية «رايتشل ماكآدامز»، ليعيد إلى الواجهة نموذج الحب الذي تختبره السنوات والفوارق الاجتماعية والذاكرة، حتى أصبح الفيلم مع مرور الوقت واحدًا من أكثر الأعمال ارتباطًا بالرومانسية الجماهيرية في القرن الحادي والعشرين، ويشير «معهد الفيلم البريطاني» إلى أنه أصبح عملًا يكاد اسمه يقترن بالرومانسية الحديثة.
وبعده بعام، أعاد البريطاني «جو رايت» رواية «جين أوستن» إلى السينما في «Pride & Prejudice» عام 2005، بطولة البريطانية «كيرا نايتلي» والإنجليزي «ماثيو ماكفادين»، وأعاد معها واحدة من أقدم الصيغ الرومانسية إلى جمهور جديد، شخصان يحكم كل منهما على الآخر قبل أن يكتشف أن جزءًا كبيرًا من المشكلة كان في الانطباع الأول والكبرياء وسوء الفهم.
ووصف «معهد الفيلم البريطاني» النسخة بأنها أعادت تنشيط جاذبية عالم «جين أوستن» في القرن الحادي والعشرين، بمزيج من الواقعية والحيوية، حتى أصبحت بالنسبة إلى جيل جديد النسخة السينمائية الأشهر لهذه القصة الكلاسيكية.
«La La Land».. ماذا لو كان الحب صحيحًا والطريق مختلفًا؟
بحلول عام 2016 لم تعد الأفلام الرومانسية تحتاج إلى شخص شرير يمنع الحبيبين أو أسرة ترفض العلاقة، ففي «La La Land» للمخرج الأميركي «داميان شازيل»، بطولة الأميركية «إيما ستون» والكندي «رايان غوسلينغ»، كان العائق أكثر قربًا من حياة الجمهور المعاصر، لكل شخص حلم وطريق يريد أن يكمله.
لا يقدم الفيلم الطموح باعتباره عدوًا للحب، ولا الحب باعتباره سببًا للتخلي عن الأحلام، وإنما يضع الشخصيات أمام حقيقة أن الحياة لا تسمح دائمًا بالاحتفاظ بجميع الاحتمالات في الوقت نفسه.
ولهذا أصبحت نهايته واحدة من أكثر النهايات شهرة في الأفلام الرومانسية الحديثة، لأنها لا تسأل فقط ماذا كان سيحدث لو بقي شخصان معًا، وإنما ماذا نفعل بالحياة التي كان من الممكن أن نعيشها ولم نخترها.
«Past Lives».. الحب والحياة التي لم نعشها
وصل هذا التحول إلى واحدة من أكثر صوره هدوءًا في «Past Lives» عام 2023، أول فيلم روائي طويل للمخرجة الكندية الكورية «سيلين سونغ»، حيث يلتقي صديقا طفولة من جديد بعد أن فصلت بينهما الهجرة وعقود من الزمن، بينما أصبح لكل منهما عالمه وحياته.
لا يقدم الفيلم الماضي باعتباره خطأ ينبغي إصلاحه، ولا الحاضر باعتباره عقبة يجب التخلص منها، وإنما يسأل عن تلك الطرق التي كان يمكن أن يسلكها الإنسان، وعن الأشخاص الذين كان يمكن أن تصبح حياته مختلفة لو بقيوا فيها.
وبذلك وصلت الرومانسية في السينما إلى مكان بعيد عن السؤال القديم حول اجتماع الحبيبين، فالحب هنا يصبح وسيلة للتفكير في الهوية والزمن والاختيار، وفي حقيقة أن الإنسان لا يعيش إلا حياة واحدة رغم قدرته على تخيل عشرات الحيوات التي كان من الممكن أن يعيشها.
ما أشهر الأفلام الرومانسية في تاريخ السينما؟
لا توجد قائمة واحدة يمكنها أن تحسم أفضل الأفلام الرومانسية عبر التاريخ، فاختيارات النقاد تختلف عن اختيارات الجمهور وتختلف المدارس السينمائية من بلد إلى آخر، لكن تجاهل بعض الأعمال عند الحديث عن تاريخ الرومانسية في السينما سيترك فجوات واضحة. ويتصدر «Casablanca» قائمة «معهد الفيلم الأميركي» لأعظم قصص الحب، يليه «Gone with the Wind» ثم «West Side Story»، بينما تأتي «Roman Holiday» رابعة و«An Affair to Remember» خامسة، ويظهر «Doctor Zhivago» في المرتبة السابعة و«Love Story» في التاسعة، وهي أعمال تمنح صورة واضحة عن حجم حضور الرومانسية في السينما الأميركية الكلاسيكية.
وإلى جانب هذه الأفلام لا يمكن تجاوز «City Lights» عام 1931، و«It Happened One Night» عام 1934، و«The Shop Around the Corner» عام 1940، و«Brief Encounter» عام 1945، و«The African Queen» عام 1951، و«Sabrina» عام 1954، و«The Apartment» عام 1960، ثم «The Way We Were» عام 1973، وهي أفلام أسست كثيرًا من القواعد التي واصلت الأعمال اللاحقة البناء عليها، سواء في الكوميديا الرومانسية أو الحب المستحيل أو العلاقة التي تتغير بفعل الزمن.
أما من الثمانينيات والتسعينيات، فتبرز «When Harry Met Sally» عام 1989، و«Sleepless in Seattle» عام 1993، و«Four Weddings and a Funeral» عام 1994، و«Before Sunrise» و«Dilwale Dulhania Le Jayenge» عام 1995، و«Titanic» عام 1997، و«You’ve Got Mail» عام 1998، و«Notting Hill» عام 1999، وهي الفترة التي أعادت الكوميديا الرومانسية إلى قلب السينما الجماهيرية بالتوازي مع ظهور أعمال أكثر اهتمامًا بالزمن والاختيار.
وفي القرن الحادي والعشرين أصبحت القائمة أكثر تنوعًا، من «In the Mood for Love» عام 2000 إلى «Eternal Sunshine of the Spotless Mind» و«The Notebook» عام 2004، و«Pride & Prejudice» عام 2005، ثم «La La Land» عام 2016 و«Past Lives» عام 2023، وهي أفلام مختلفة جذريًا في أساليبها لكنها تشترك في الابتعاد عن الفكرة البسيطة التي ترى الحب طريقًا مستقيمًا ينتهي بالوصول.
ومن المهم كذلك ألا تُختزل الرومانسية العالمية في هوليوود، فإلى جانب «In the Mood for Love» من هونغ كونغ و«Dilwale Dulhania Le Jayenge» من الهند، تمتلك السينما الهندية نفسها تاريخًا طويلًا من كلاسيكيات الحب مثل «Awaara» عام 1951 و«Pyaasa» عام 1957 و«Mughal-e-Azam» عام 1960 و«Kabhi Kabhie» عام 1976، قبل أن يأتي جيل التسعينيات ويعيد صياغة الرومانسية لجمهور هندي وعالمي جديد. ويضع «معهد الفيلم البريطاني» هذه الأعمال ضمن السياق التاريخي الذي سبق صعود الرومانسية الهندية الحديثة.
هذه الأسماء لا تعني أن كل فيلم منها «رومانسي» بالطريقة نفسها، فبعضها كوميدي، وبعضها تاريخي أو موسيقي أو درامي، لكن الرابط بينها أن العلاقة بين الشخصيات تشكل القلب الذي تتحرك حوله الحكاية، وهو التعريف نفسه الذي اعتمده «معهد الفيلم الأميركي» عند بناء قائمته لأعظم قصص الحب في السينما.
لماذا لا تختفي الأفلام الرومانسية؟
مرت السينما خلال أكثر من قرن بتحولات جذرية، من الأفلام الصامتة إلى الصوت والألوان والشاشات العملاقة والمنصات الرقمية، وتغيرت طريقة الإنتاج والعرض والجمهور، لكن الرومانسية لم تحتج في أي مرحلة إلى اختراع سبب جديد لوجودها، لأنها تقوم على سؤال يتغير شكله ولا يختفي، ماذا يحدث عندما يدخل شخص حياة شخص آخر ويغير الطريق الذي كان يسير فيه؟
ما تبدل هو الإجابة، ففي مرحلة كان الحب ينتصر عندما يتغلب الشخصان على الطبقة أو الأسرة أو المسافة، ثم أصبح الانتصار أحيانًا في التضحية، وبعد ذلك في معرفة متى ينبغي التمسك بالعلاقة ومتى ينبغي قبول أن الطريقين لن يلتقيا، إلى أن وصلت الأفلام الحديثة إلى فكرة أكثر تعقيدًا، يمكن لعلاقة أن تكون حقيقية ومهمة حتى لو لم تستمر إلى النهاية.
لهذا تبدو المسافة بين «It Happened One Night» و«Past Lives» هائلة في الشكل، لكنها أصغر بكثير في الجوهر، ففي الفيلمين يدخل شخص غير متوقع حياة شخص آخر ويغير الطريقة التي يرى بها نفسه ومستقبله، لكن السينما التي كانت تبحث قديمًا عن طريقة تجمع الشخصيتين أصبحت مستعدة اليوم لقبول أن بعض القصص تكتمل بطريقة أخرى.
وربما يكون هذا هو التحول الأكبر في تاريخ الأفلام الرومانسية، فالرومانسية في السينما لم تعد تبحث فقط عن الشخص الذي نريد أن نعيش معه، بل أصبحت تسأل أيضًا لماذا يدخل بعض الأشخاص حياتنا، وماذا يتركون فيها، ولماذا تبقى بعض قصص الحب في الذاكرة حتى عندما لا تستمر في الواقع.
