سوليوود «خاص»
الخيانة الزوجية من أكثر الموضوعات التي عادت إليها السينما عبر تاريخها، لكن الأفلام المهمة لم تتعامل معها باعتبارها الحكاية نفسها تتكرر بأسماء مختلفة، ففي فيلم تكون الخيانة حبًا جاء في الوقت الخطأ، وفي آخر تصبح نتيجة زواج انهار قبل أن يعترف أصحابه بذلك، وأحيانًا تتحول إلى جريمة أو إلى كوميديا سوداء عن رجل يغرق في أكاذيبه، بينما تنظر أفلام أخرى إلى الشخص المخدوع وتسأل سؤالًا مختلفًا تمامًا، ماذا يحدث عندما تكتشف أن الحياة التي كنت تعيشها لم تكن هي الحياة التي كان يعيشها شريكك؟
ولهذا لا توجد في الحقيقة صيغة واحدة لما يسمى «أفلام الخيانة الزوجية»، فالسينما الرومانسية والميلودراما والجريمة والإثارة والكوميديا والدراما النفسية استخدمت الفعل نفسه لأغراض شديدة الاختلاف، كما تغير الحكم على الرجل الخائن والمرأة الخائنة عبر العقود، وتغير معه معنى الزواج والوفاء والذنب، حتى إن تاريخ هذه الأفلام يكشف شيئًا من تاريخ المجتمع نفسه ونظرته إلى العلاقة بين الرجل والمرأة. ويشير «معهد الفيلم البريطاني» في ملف حديث عن أفلام الخيانة إلى هذه المرونة تحديدًا، فالخيانة في السينما قد تقود إلى الشعور بالذنب أو الهوس أو الانهيار أو العنف، وقد تجعل الإنسان يعيد النظر في كل ما كان يعتقد أنه يعرفه عن حياته.
لكن الأكثر إثارة ليس البحث عن «أفضل 10 أفلام عن الخيانة»، بل النظر إلى الطرق التي أعادت بها السينما بناء الموضوع نفسه، وهذه عشر من أشهر المعالجات التي صنعت أفلامًا مختلفة تمامًا رغم انطلاقها من الجرح نفسه.
1- الخيانة بوصفها حبًا جاء في الوقت الخطأ
إحدى أصعب المعالجات أخلاقيًا هي تلك التي ترفض منح المشاهد سببًا بسيطًا لكي يكره أحد الطرفين، فلا يكون الزواج كارثة، ولا يظهر الزوج أو الزوجة المخدوعة في صورة شرير يستحق ما يحدث، وإنما يلتقي شخص متزوج بإنسان آخر ويكتشف أن عاطفة حقيقية ظهرت في اللحظة الخطأ، فيصبح الصراع بين الحب والمسؤولية لا بين الخير والشر.
قدم البريطاني ديفيد لين النموذج الأشهر في «Brief Encounter» عام 1945، إذ تلتقي «لورا» المتزوجة بالطبيب «أليك» في محطة قطار، ويبدأ ارتباط بين شخصين يعرفان منذ اللحظة الأولى تقريبًا أن الاستمرار فيه يعني إيذاء أسرتين، ولا يحتاج الفيلم إلى مطاردات أو اكتشافات مفاجئة كي يصنع توتره، فالمشكلة موجودة داخل الشخصيتين نفسيهما، الرغبة في البقاء معًا في مواجهة معرفتهما بما سيترتب على ذلك. ويصف «BFI» الفيلم بأنه حكاية علاقة بين شخصين متزوجين تتصادم فيها العاطفة القوية مع القيود والمسؤوليات القائمة.
وبعد نصف قرن، عاد الأميركي كلينت إيستوود إلى منطقة قريبة في «The Bridges of Madison County» عام 1995، حيث تلتقي امرأة متزوجة بمصور عابر خلال غياب أسرتها، لكن الفيلم لا يتعامل مع أيام العلاقة القصيرة باعتبارها مجرد مغامرة، بل يسأل ماذا يحدث عندما يكتشف الإنسان فجأة حياة أخرى كان يمكن أن يعيشها، ثم يضطر إلى الاختيار بين هذه الإمكانية وبين العائلة التي بناها بالفعل.
قوة هذا النوع أنه لا يحاول تبرئة الخيانة ولا اختزالها في الإدانة، بل يضع المشاهد أمام حقيقة أكثر إرباكًا، قد تكون المشاعر صادقة في الوقت نفسه الذي تكون فيه نتائجها مؤذية.
2- عندما تخون المرأة.. وعندما يخون الرجل
من أهم الأسئلة في تاريخ أفلام الخيانة الزوجية ما إذا كانت السينما قد عاملت الرجل والمرأة بالطريقة نفسها، والإجابة تاريخيًا هي لا، فقد صنعت السينما في مراحل كثيرة معيارين مختلفين، إذ يمكن أن تقدم خيانة الرجل باعتبارها نزوة أو ضعفًا أو سلوكًا يمكن تجاوزه، بينما تتحول خيانة المرأة إلى الحدث الذي يعيد تعريف شخصيتها وزواجها وحكم المجتمع عليها بالكامل.
ويكشف «The Divorcee» عام 1930 هذه الازدواجية بوضوح يكاد يبدو حديثًا حتى الآن، ففي فيلم الأميركي روبرت زيد ليونارد تكتشف الزوجة خيانة زوجها، ثم تدخل هي الأخرى في علاقة، وعندما يواجهها الزوج يتعامل مع فعلها باعتباره مختلفًا عن فعله، رغم أن المبدأ واحد، وقد أصبح الفيلم من أشهر أعمال مرحلة ما قبل التشدد الرقابي في هوليوود لأنه وضع الكيل بمكيالين في قلب الصراع نفسه، وهي النقطة التي يبرزها «BFI» عند تناوله الفيلم وتاريخ الخيانة قبل تطبيق «قانون الإنتاج» بصرامة.
ثم يأتي «Unfaithful» عام 2002 ليقلب زاوية أخرى مألوفة، فالمخرج البريطاني أدريان لاين يجعل الزوجة هي الطرف الذي يدخل العلاقة خارج الزواج، لكنه يرفض أن يمنحها مبررًا مريحًا، حياتها ليست جحيمًا وزوجها ليس وحشًا ولا يقدم الفيلم سببًا واحدًا يمكن أن يضع تحته خطًا ويقول إن هذا هو «سبب الخيانة»، وقد توقف الناقد الأميركي روجر إيبرت عند هذه النقطة تحديدًا، معتبرًا أن الفيلم أكثر إثارة لأنه لا يشرح سلوكها بنظرية نفسية جاهزة، بل يترك المشاهد أمام حقيقة أنها فعلت ذلك لأنها أرادت ذلك.
وعلى الجانب الآخر، يقدم الياباني ميكيو ناروسي في «Floating Clouds» عام 1955 رجلًا متزوجًا ينتقل بين العلاقات بينما تتحمل النساء حوله الجزء الأكبر من عدم الاستقرار، ويقرأ «BFI» الفيلم أيضًا في سياق مجتمع ما بعد الحرب، حيث يستطيع الرجل مواصلة حياته وعلاقاته بدرجة من الحرية لا تملكها النساء اللاتي يصبحن أكثر عرضة للهجر وعدم الأمان.
المثير هنا أن السينما لم تختلف فقط في مقدار التعاطف، بل في الطريقة التي كتبت بها دوافع الطرفين، فالرجل الخائن ظهر كثيرًا بوصفه باحثًا عن التنوع أو هاربًا من المسؤولية أو غارقًا في ضعفه، بينما كتبت المرأة الخائنة في أفلام كثيرة بوصفها تبحث عن عاطفة مفقودة أو ذات ضاعت داخل الزواج أو حياة لم تعشها، وهذه ليست حقيقة عن الرجال والنساء بقدر ما هي تقاليد سردية صنعتها الأفلام نفسها ثم بدأت لاحقًا في مراجعتها.
3- الخيانة ليست سبب انهيار الزواج.. بل الدليل عليه
هناك أفلام لا تتعامل مع الخيانة باعتبارها القنبلة التي فجرت علاقة مستقرة، بل باعتبارها اللحظة التي جعلت أزمة موجودة أصلًا مرئية، فالزوجان قد يعيشان سنوات وهما يحافظان على الشكل الخارجي للحياة، ثم تظهر علاقة أخرى فتكشف مقدار المسافة التي كانت بينهما قبل أن يدخل أي طرف ثالث.
«Scenes from a Marriage» للسويدي إنغمار برغمان، الذي عُرض أولًا عام 1973 في ست حلقات تلفزيونية ثم في نسخة سينمائية، واحد من أوضح الأمثلة، إذ يبدأ «ماريان» و«يوهان» كزوجين قادرين على تقديم نفسيهما بوصفهما نموذجًا للاستقرار، ثم تكشف خيانة الزوج هشاشة البنية التي كانا يعيشان داخلها، وبعدها لا يتوقف العمل عند لحظة الانفصال بل يتتبع الحب والغضب والطلاق والعلاقات اللاحقة وما يبقى بين شخصين بعد انهيار الزواج الذي كان يجمعهما.
ويذهب الأسترالي راي لورانس في «Lantana» عام 2001 إلى شبكة أوسع من العلاقات، وفي مركزها رجل متزوج يخون زوجته بينما يبدو الزواج نفسه منهكًا قبل أن تصبح الخيانة هي القضية الأساسية، وقد رأى روجر إيبرت أن الفيلم يبني عالمًا من الأمل العاطفي والخيانة والشك، حيث لا تكمن الأزمة في سر واحد بقدر ما تكمن في قدرة العلاقات على التآكل ببطء من الداخل.
وتنتمي بعض جوانب الفيلم المصري «سهر الليالي» للمخرج المصري هاني خليفة إلى المنطقة نفسها، إذ لا تظهر الأزمات الزوجية فيه باعتبارها حوادث منفصلة نزلت فجأة على الشخصيات، بل بوصفها نتيجة تراكمات من الصمت وعدم الرضا والذكريات والشكوك والخيانة، ولهذا ظل الفيلم حاضرًا لأنه يتعامل مع الزواج كعلاقة تتحرك وتتغير لا كحالة ثابتة تُهدم بفعل واحد.
4- الخيانة من وجهة نظر الشخص المخدوع
عدد كبير من أفلام الخيانة يتبع الشخص الذي يقيم العلاقة السرية، ولذلك نعرف كيف بدأت ولماذا استمرت وكيف أخفاها، لكن تغيير نقطة النظر وحده يستطيع تحويل الحكاية بالكامل، فبالنسبة إلى الشخص المخدوع لا تبدأ القصة عندما بدأت العلاقة، بل عندما عرف بوجودها، وفجأة يصبح مضطرًا إلى إعادة تفسير الماضي كله.
هذه هي العبقرية المركزية في «In the Mood for Love» عام 2000 للمخرج وونغ كار واي من هونغ كونغ، فجاران يكتشفان أن زوجيهما على علاقة ببعضهما، لكن الخائنين نفسيهما يكادان يختفيان من الفيلم، بينما نعيش مع شخصين يحاولان فهم ما حدث وكيف حدث، ثم يبدأ انجذابهما المتبادل في وضعهما أمام السؤال نفسه الذي سبّب لهما الألم، هل يصبحان مثل شريكيهما أم يتوقفان قبل ذلك؟ ويشير «BFI» إلى أن وونغ كار واي تعمد تجنب تحويل علاقة الشخصيتين إلى تكرار مباشر لخيانة الزوجين، حتى تبقى المسافة الأخلاقية بين التجربتين جزءًا من الفيلم.
ويقدم الأميركي سيدني بولاك في «Random Hearts» عام 1999 نسخة أكثر قسوة من الاكتشاف، إذ يعرف رجل وامرأة أن زوجيهما اللذين ماتا في حادث طائرة كانا يقيمان علاقة سرية معًا، والمشكلة هنا أن المواجهة مستحيلة، فلا يوجد شريك يمكن سؤاله عما حدث، بل حقيقة ظهرت بعد الموت وتركت شخصين يعيدان بناء صورة زواجهما من شظايا لم يكونا يعرفان بوجودها.
في هذه الأفلام تصبح الخيانة أزمة معرفة بقدر ما هي أزمة عاطفية، فالمؤلم ليس فقط أن الشريك اختار شخصًا آخر، بل أن الإنسان يكتشف أن شخصًا عاش إلى جواره كان يملك قصة كاملة لم يكن يعرفها.
5- الخيانة بلا مبرر مريح
يميل المشاهد بصورة طبيعية إلى البحث عن السبب، ما الذي كان ناقصًا في الزواج، من أهمل الآخر، من توقف عن الحب أولًا، لكن بعض الأفلام ترفض هذا النوع من التحقيق لأنها ترى أن الإنسان أكثر تعقيدًا من معادلة تقول إن النقص داخل البيت يؤدي بالضرورة إلى البحث خارجه.
«La Femme infidèle» عام 1969 للمخرج الفرنسي كلود شابرول يبدأ من حياة برجوازية مرتبة، زوجان وطفل ومنزل مستقر، ثم يكتشف الزوج أن زوجته تقيم علاقة، ولا يبني شابرول عالمًا مليئًا بالأعذار بقدر ما يستخدم الخيانة لفتح باب الهوس والغيرة والعنف، ثم أخذ «Unfaithful» الفكرة نفسها بعد أكثر من ثلاثة عقود وأعاد بناءها داخل ضواحي أميركية تبدو بدورها آمنة ومستقرة. ويشير إيبرت إلى الصلة المباشرة بين العملين، وإلى أن قوة «Unfaithful» تأتي من وضع الرغبة وعواقبها داخل زواج لا يقدم الفيلم دليلًا واضحًا على أنه تعيس.
هذه المعالجة أكثر إزعاجًا من قصة الزوج المهمل أو الزوجة الباردة، لأنها تسحب من المشاهد الطمأنينة التي يقدمها التفسير، فإذا كان الزواج الجيد لا يمنع بالضرورة الخيانة، فإن السؤال يصبح أقل راحة بكثير.
6- عندما تتحول الخيانة إلى جريمة
لا تحتاج أفلام الجريمة إلى البحث طويلًا عن دافع يجمع الرغبة والخوف والسر والكذب في مكان واحد، فالخيانة الزوجية توفر ذلك كله، ولهذا أصبحت العلاقة خارج الزواج مادة مثالية لأفلام النوار والإثارة، خصوصًا عندما يتحول وجود الزوج أو الزوجة إلى عقبة يريد شخص ما التخلص منها.
في «Ossessione» عام 1943، يضع الإيطالي لوتشينو فيسكونتي رجلًا عابرًا وامرأة متزوجة داخل علاقة تقود تدريجيًا إلى التفكير في التخلص من الزوج، وهي الحكاية المأخوذة من رواية «The Postman Always Rings Twice» لجيمس إم كين، لكن أهمية الفيلم تجاوزت قصته ليصبح أيضًا واحدًا من الأعمال المرتبطة بالبدايات المبكرة للواقعية الجديدة الإيطالية.
أما «Unfaithful» فيدير المعادلة من الجهة المقابلة، فالجريمة لا تأتي من العاشقين اللذين يريدان إزالة الزوج من الطريق، بل من الطرف الذي يكتشف الخيانة، وهنا تنتقل القصة من الرغبة إلى الغيرة ثم إلى نتيجة لا يستطيع أحد بعدها العودة إلى الحياة التي سبقت الاكتشاف.
ما يجعل هذا البناء فعالًا أن السر الصغير لا يظل صغيرًا، فالكذبة تحتاج إلى أخرى، والخوف من الانكشاف يحتاج إلى قرار جديد، ثم يصبح الحفاظ على الحياة القديمة أكثر خطورة من الاعتراف بأن هذه الحياة تغيرت بالفعل.
7- الخيانة بوصفها كوميديا عن الأكاذيب
ليست كل معالجة للخيانة ثقيلة أو مأساوية، فقد اكتشفت السينما مبكرًا أن محاولة إدارة حياتين في الوقت نفسه تنتج بناءً كوميديًا شبه جاهز، موعدان في توقيت واحد، عذر يفسد عذرًا آخر، زوجة تعرف أكثر مما يظن الزوج، وعشيقة ترفض أن تبقى في الهامش، وكلما حاول الشخص حماية الكذبة أصبحت حياته أكثر سخافة.
من أجمل الأمثلة «Autumn Marathon» عام 1979 للمخرج الجورجي السوفيتي غيورغي دانيليا، الذي يقدم رجلًا متزوجًا عاجزًا عن الاختيار بين زوجته وعشيقته، ولذلك يواصل العلاقتين معًا ويخترع سلسلة من الأعذار رغم أن الجميع تقريبًا يعرف الحقيقة، وقد وصف الفيلم نفسه منذ البداية بأنه «كوميديا حزينة»، وهي عبارة تلخصه جيدًا، لأن الضحك لا يأتي من براعة الرجل في الخداع بل من عجزه الكامل عن اتخاذ قرار.
والأذكى أن الفيلم لا يحول بطله إلى زير نساء منتصر، بل إلى إنسان محاصر داخل جبنه، يريد الاحتفاظ بكل شيء كي لا يجرح أحدًا، وينتهي به الأمر وهو يجرح الجميع، وهنا تصبح الخيانة أداة لكشف الشخصية لا مجرد حبكة رومانسية.
8- ماذا يحدث بعد اكتشاف الخيانة.. هل يمكن إصلاح الزواج؟
كثير من الأفلام تنتهي عند لحظة الاكتشاف أو الانفصال، لكن السؤال الأصعب يبدأ بعدها، هل يمكن أن يعود شخصان إلى علاقة بعدما تغير معنى الثقة بينهما، وهل المسامحة تعني أن الزواج عاد كما كان، أم أن عليهما بناء شيء جديد تمامًا؟
يتعامل «The Painted Veil» عام 2006 للمخرج الأسترالي جون كوران مع هذه المنطقة بطريقة غير مألوفة، إذ يكتشف الطبيب «والتر» خيانة زوجته «كيتي»، ثم يصطحبها معه إلى منطقة تعاني وباء الكوليرا في الصين، وتبدأ العلاقة بينهما من مكان مليء بالمرارة والعقاب قبل أن تتغير تدريجيًا معرفة كل طرف بالآخر، وقد وصفت «The Guardian» الفيلم بأنه قصة عن زوجة غير مخلصة يأخذها زوجها إلى منطقة موبوءة، ثم تمر هناك بتحول يجعلها ترى زوجها وعلاقتها به بصورة مختلفة.
وما يميز هذه المعالجة أنها لا تجعل «الغفران» زرًا يعيد الشخصيتين إلى نقطة البداية، فالزواج بعد الخيانة لا يمكن أن يكون الزواج نفسه قبلها، وإذا استمر فإنه يستمر لأن الطرفين كوّنا فهمًا جديدًا لما بينهما، لا لأن الماضي اختفى.
9- الخيانة لا تصيب الزوجين وحدهم
من أسهل أخطاء أفلام الخيانة اختزال العالم في ثلاثة أشخاص، الزوج والزوجة والطرف الثالث، لكن الأسرة أوسع من ذلك، وعندما توجد أطفال تصبح القرارات التي يتخذها الكبار جزءًا من طفولة أشخاص لم يختاروا الدخول في الصراع أصلًا.
هذا هو القلب الأكثر إيلامًا في «Faithless» عام 2000، من إخراج النرويجية ليف أولمان وسيناريو إنغمار برغمان شبه السيري، حيث تبدأ امرأة متزوجة علاقة بصديق زوجها، لكن أولمان أوضحت لاحقًا أن اهتمامها الأكبر لم يكن فقط بمن خان ومن تعرض للخيانة، بل بالطفلة التي تجد نفسها داخل شبكة من القرارات التي اتخذها البالغون حولها، ويؤكد «BFI» أن معاناة الابنة كانت من أكثر الجوانب التي شغلت أولمان في تقديم الحكاية.
ويقدم التايواني أنغ لي في «The Ice Storm» عام 1997 صورة أوسع، فالعلاقات خارج الزواج ليست أسرارًا منعزلة عن بقية البيت، بل جزء من تفكك عائلتين في ضواحي أميركا خلال السبعينيات، بينما يراقب الأبناء حياة آبائهم ويبدأون بدورهم في تقليد الاضطراب الذي يرونه حولهم، وقد وصف «BFI» الفيلم بأنه تفكيك للأسرة الأميركية وللقيم المتداعية داخلها، حيث ترتبط الخيانة والانفصال العاطفي بأزمة أوسع يعيشها الجميع.
هنا تتوقف الخيانة عن كونها شأنًا خاصًا بين زوجين، وتصبح حدثًا يعيد تشكيل البيت كله، وأحيانًا يدفع ثمنه أشخاص لم يعرفوا أصلًا لماذا بدأ.
10- الخيانة بوصفها مرآة لمجتمع كامل
في أكثر المعالجات طموحًا، لا يكون الزواج سوى نموذج مصغر لعالم أكبر، فالناس يكذبون داخل علاقاتهم بالطريقة نفسها التي يكذبون بها على أنفسهم وعلى المجتمع، وتتداخل الرغبة بالطبقة والمكانة الاجتماعية والسلطة، حتى تصبح العلاقات السرية جزءًا من تشريح مرحلة تاريخية كاملة.
قدم الفرنسي جان رينوار المثال الأشهر في «The Rules of the Game» عام 1939، إذ يجمع مجموعة من أفراد الطبقة البرجوازية وخدمهم في قصر ريفي، ثم يترك شبكة الأزواج والعشاق والغيرة تتحرك أمام الكاميرا حتى تصبح الفوضى العاطفية صورة لفوضى أوسع، وقد قال رينوار إنه لم يكن يريد شخصية مركزية واحدة، بل أراد تصوير مجتمع وطبقة بكاملها، وهو ما يجعل العلاقات في الفيلم جزءًا من نقد اجتماعي لا مجرد قصص غرامية متقاطعة.
ويستخدم «The Ice Storm» الفكرة نفسها بصورة أميركية لاحقة، فخيانة الزوج لا تنفصل عن مجتمع السبعينيات الذي يعيش آثار الثورة الجنسية وووترغيت وانهيار صورة الأسرة المثالية، وبذلك تصبح العلاقة السرية علامة على عالم فقد كثيرًا من القواعد القديمة من دون أن يعرف بالضرورة ما الذي سيحل محلها.
وفي «Floating Clouds» لا تنفصل العلاقات بدورها عن اليابان التي خرجت من الحرب مهزومة ومضطربة، إذ تتحرك الشخصيات داخل عالم فقد يقينه القديم، وهو ما يجعل عدم الاستقرار العاطفي جزءًا من عدم استقرار أكبر بكثير.
هل تختلف خيانة الرجل عن خيانة المرأة في السينما؟
تاريخيًا نعم، لكن الفارق تقلص مع تغير السينما والمجتمع، فقد تعاملت أفلام كثيرة قديمًا مع خيانة الرجل باعتبارها ضعفًا يمكن أن يبقى منفصلًا عن هويته كلها، بينما حملت المرأة الخائنة عبئًا أخلاقيًا أكبر، وكان من الممكن أن تصبح الخيانة هي الصفة التي يعرف بها الفيلم شخصيتها، ويكشف «The Divorcee» هذه الازدواجية منذ 1930 بطريقة مباشرة، عندما يرفض الزوج أن يقاس فعل زوجته بالفعل نفسه الذي ارتكبه هو.
لكن السينما الحديثة أصبحت أكثر استعدادًا لتعقيد الطرفين، ففي «Unfaithful» لا تُختزل المرأة في ضحية زواج سيئ ولا في «شريرة»، وفي «Scenes from a Marriage» لا تكفي خيانة الرجل وحدها لتفسير علاقة امتدت سنوات، وفي «Autumn Marathon» لا يقدم الرجل الخائن باعتباره بطلًا رومانسيًا بل إنسانًا ضعيفًا يغرق في الأكاذيب التي صنعها بنفسه.
إذن الفرق المهم ليس أن أفلام الرجل الخائن وأفلام المرأة الخائنة تنتمي إلى نوعين مختلفين، بل أن تاريخ السينما يكشف تغيرًا تدريجيًا من الحكم الأخلاقي السريع إلى الاهتمام بالدوافع والعواقب، مع بقاء آثار ازدواجية قديمة تظهر في بعض القصص حتى اليوم.
لماذا تتكرر الخيانة الزوجية في الأفلام؟
لأنها من الأحداث القليلة التي تستطيع تغيير معنى الماضي والحاضر والمستقبل في لحظة واحدة، فعندما يكتشف شخص الخيانة لا يعرف شيئًا جديدًا عن الحاضر فقط، بل يبدأ فورًا في العودة إلى الوراء، تلك الرحلة، ذلك الاتصال، ذلك الغياب، تلك الجملة التي لم يفهمها وقتها، وفجأة تصبح ذكريات قديمة قابلة لقراءة مختلفة.
وفي الوقت نفسه تضع الخيانة أمام الشخصية قرارًا عن المستقبل، هل تبقى، هل ترحل، هل تواجه، هل تسامح، وهل يمكن أصلًا معرفة الحقيقة كاملة، ولذلك تستطيع السينما استخدام الموضوع داخل الرومانسية والجريمة والكوميديا والدراما النفسية من دون أن يبدو متطابقًا في كل مرة.
ما أشهر أفلام الخيانة الزوجية؟
من الأعمال التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن الموضوع «Brief Encounter» و«The Bridges of Madison County» و«The Divorcee» و«Floating Clouds» و«Scenes from a Marriage» و«In the Mood for Love» و«La Femme infidèle» و«Unfaithful» و«Autumn Marathon» و«Faithless» و«The Rules of the Game» و«The Painted Veil»، ولا تأتي أهميتها من وجود علاقة خارج الزواج فقط، بل من اختلاف السؤال الذي يطرحه كل فيلم حولها.
هل تعني الخيانة دائمًا نهاية الزواج في السينما؟
لا، فبعض الأفلام تبدأ من انهيار الزواج، وبعضها ينتهي عنده، وبعضها يرى الخيانة لحظة تجبر الزوجين على اكتشاف أن العلاقة كانت متصدعة بالفعل، بينما تختبر أعمال مثل «The Painted Veil» إمكانية أن تتحول المواجهة إلى إعادة بناء، من دون الادعاء بأن الثقة تعود ببساطة إلى شكلها القديم.
لماذا تجذب أفلام الخيانة الزوجية الجمهور؟
ربما لأن الموضوع لا يتعلق بالخيانة وحدها، بل بالخوف من وجود جانب في حياة الشخص الأقرب إلينا لا نعرفه، وهي فكرة يفهمها المشاهد حتى إذا لم يعش التجربة نفسها، فالسينما تستطيع من خلالها اختبار الثقة والغيرة والحب والاختيار والأسرة والمكانة الاجتماعية في قصة واحدة.
ولهذا ظلت الخيانة الزوجية مادة سينمائية متجددة لأكثر من قرن، فالحكاية الظاهرة قد تبدأ دائمًا بعلاقة سرية، لكن الفيلم الحقيقي يبدأ عادة بعد ذلك، عندما يضطر الجميع إلى مواجهة السؤال الأصعب، ما الذي يبقى من العلاقة بعدما تصبح الحقيقة التي كان يقوم عليها الزواج موضع شك؟

