Brandon Lewis
ليست الحرب الرقمية بين النقاد والجمهور جديدة، لكنها وصلت هذا العام على ما يبدو إلى نقطة مقلقة، فقد أثارت أفلام جماهيرية مبنية على علامات وشخصيات محبوبة ردود فعل شديدة من جمهور يرفض النقد نفسه، ويتهم النقاد بالتحيز أو التعالي أو الاثنين معًا، وتبدو موجة العداء الحالية أكثر خطورة لأنها تأتي في وقت تتحرك فيه صناعة السينما تدريجيًا بعيدًا عن النقد التقليدي، وتمنح المؤثرين مساحة أكبر في التغطية والترويج.
المفارقة أن هذه التهديدات الوجودية لم تقلل الرغبة في النقد السينمائي، فالطلب عليه ما يزال كبيرًا، لكنه انتقل إلى أماكن لم تكن تُعد سابقًا مؤسسات نقدية بالمعنى التقليدي، إذ يعتمد الجمهور بصورة متزايدة على «إنستغرام» و«تيك توك» و«X» و«Letterboxd» ليقرر ما الذي يستحق المشاهدة، بل إن الشكاوى من المراجعات القصيرة والساخرة على «Letterboxd» تتحول هي نفسها باستمرار إلى موضوعات واسعة الانتشار.
ورغم استمرار الحاجة إلى النقد، تبدو الفجوة المزعومة بين النقاد والجمهور واسعة، وقد ظهرت بوضوح في 3 أفلام صدرت خلال فترة متقاربة، «The Super Mario Galaxy Movie» و«Michael» و«Mortal Kombat II»، وهي حالات تكشف أزمة شرعية يمر بها الناقد، إذ لم يعد جزء من الجمهور يثق بأنه يقدم أحكامًا صادقة لا تخضع للمجاملة أو المساومة، وأصبح السؤال يتجاوز الاختلاف حول التقييم إلى التشكيك في جدوى وجود الناقد أصلًا.
الناقد السينمائي مات
بدأت موجة الاستياء من النقاد هذا العام مع «The Super Mario Galaxy Movie»، فقد هاجم النقاد الجزء الجديد من «The Super Mario Bros. Movie» بسبب ارتباك بنائه السردي، بينما رد الجمهور بأن العمل في النهاية فيلم للأطفال ولا يحتاج إلى ذلك القدر من الاتساق، وهي حجة تتكرر كثيرًا ضمن خطاب «دعوا الناس يستمتعون بالأشياء».
أما «Michael» فطرح مسألة أكثر تعقيدًا من الناحية الأخلاقية، فقد أشاد كثيرون بأداء جعفر جاكسون في دور مايكل جاكسون، لكن النقاد رأوا أن الفيلم لا يقدم فهمًا كافيًا لشخصيته أو للجدل الذي أحاط بحياته، وكان الفيلم يتضمن في نسخته الأولى الإشارة إلى اتهامات إساءة معاملة الأطفال التي واجهها جاكسون عام 1993، قبل أن يُعاد المونتاج والتصوير بعدما اكتشفت إدارة تركة مايكل جاكسون وجود قيود قانونية تمنع تناول تلك الوقائع بالطريقة التي صُورت بها، ومع ظهور المراجعات السلبية رأى عدد من محبي جاكسون فيها امتدادًا لما اعتبروه إساءة إعلامية تعرض لها طوال حياته، حتى إن ابن أخيه تاج جاكسون اتهم النقاد عبر «تويتر» بأنهم غير قادرين على تقييم الفيلم بصورة عادلة.
وحصل «Mortal Kombat II» على مراجعات أفضل من الفيلمين السابقين، لكنه دخل مع ذلك في الجدل نفسه، فقد كتب المنتج تود غارنر في منشور حُذف لاحقًا أن النقاد الذين لا يعرفون لعبة الفيديو ليسوا مؤهلين بما يكفي لتقييم الفيلم، ثم اعتذر بعد ذلك مؤكدًا أنه بمجرد أن يخرج الفيلم إلى العالم فلا أحد يصبح فوق النقد، ومع ذلك رأى كثيرون على الإنترنت أن الاعتذار لم يكن ضروريًا أصلًا، واتهموا النقاد بالتعالي وامتلاك أجندات مسبقة، وقال بعضهم إنهم لا ينبغي أن يكونوا «حَكمًا» يقرر للجمهور ماذا يحب.
والمفارقة أن «Mortal Kombat II» كان وقت كتابة المقال مصنفًا بالفعل بوصفه فيلمًا «Fresh» على «Rotten Tomatoes» بنسبة 64%، لكن هذه المفارقة تكشف مشكلة أعمق في العلاقة بين الناقد والقارئ، فمحبو فيلم ما والجمهور العام قد يرفضون تلقائيًا أي ملاحظة سلبية عن عمل يحبونه أو يتوقعون أن يحبوه، حتى عندما تكون المراجعة في مجملها إيجابية، لمجرد أنها ليست إيجابية بالدرجة التي يريدونها.
عالم ما بعد الناقد
تزداد أزمة الثقة في النقد التقليدي مع تقلص المساحات التي تسمح لهذا النوع من العمل بالاستمرار، ففي عام 2026 وحده شهدت مؤسسات مثل «واشنطن بوست» و«أسوشيتد برس» و«CBS News» و«NPR» و«Vox Media» موجات واسعة من تسريح الموظفين، وفقد نقاد معروفون مواقعهم، من بينهم ريتشارد روبر في «Chicago Sun-Times»، وريتشارد لوسون في «Vanity Fair»، وزاكاري بينكوس روث في «واشنطن بوست».
استطاع بعض النقاد، ومنهم لوسون، الانتقال بنجاح إلى «Substack»، لكن هذا لا يقدم حلًا دائمًا إذا كان عدد متزايد من النقاد يدخل سوقًا يعتمد على الاشتراكات المباشرة، بينما لا يستطيع القارئ دعم سوى عدد محدود من الكتاب ماليًا، كما أن تراجع الوظائف الثابتة في النقد الفني يخلق فائضًا من المستقلين الذين يتنافسون على عدد محدود من التكليفات، بدخل متقطع وغير مضمون.
وفي الوقت نفسه، تبدو صناعة السينما وكأنها ترسم ملامح عالم لا يحتاج إلى الناقد التقليدي، فقد سارعت الاستوديوهات إلى استخدام مقياس «Popcornmeter» الذي أطلقه «Rotten Tomatoes» لعرض ردود فعل الجمهور الموثق، وهو ما يسمح لها بتجاوز آراء النقاد تمامًا عندما لا تكون في صالحها، كما أصبحت دعوات العروض الصحفية تذهب بصورة متزايدة إلى المؤثرين الذين يحصل بعضهم على حوافز، مع توقع ضمني بأن تكون تغطيتهم إيجابية في الغالب.
وتحصل تلك العروض على مساحة زمنية مريحة قبل السماح بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي تضيق فيه الفترات المتاحة للنقاد لكتابة مراجعاتهم، وأصبح الفارق بين المراجعات الاجتماعية السريعة والمقالات النقدية المكتوبة كبيرًا إلى درجة دفعت بعض الأصوات إلى التحذير من الاعتماد على النوع الأول وحده.
ومع ذلك، فإن تخلي كثيرين عن الناقد السينمائي لا يعني أنهم تخلوا عن النقد السينمائي نفسه، بل على العكس، ما يزال الطلب عليه مرتفعًا جدًا، لكنه انتقل إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
عاش النقد السينمائي؟
تأسس «Letterboxd» عام 2011 بوصفه منصة تسمح للمستخدمين بتسجيل الأفلام التي شاهدوها، ومعرفة ما يشاهده الآخرون، وهو ما قد يدفعهم إلى اكتشاف أعمال جديدة، كما يمكنهم مشاركة آرائهم عبر سجلات المشاهدة والحصول على إعجابات وتعليقات، وبصورة تشبه ما كان يفعله النقد التقليدي، أسهمت المنصة في خلق نقاشات واسعة حول الأفلام، لكن على نطاق أكبر وبقيود أقل كثيرًا.
وتحول هذا المجتمع النشط من محبي السينما إلى ظاهرة ثقافية بحد ذاته، ثم توسع «Letterboxd» إلى النشر الرقمي، وأصبح حضوره مطلوبًا على السجاد الأحمر، حيث يسأل مراسلوه الممثلين عن «أفلامهم الأربعة المفضلة»، وهي مقاطع تحصد ملايين المشاهدات على وسائل التواصل، كما بدأت المنصة تكلف نقادًا محترفين بالكتابة في مجلتها «Journal».
لكن بعض مستخدمي «Letterboxd» باتوا يتعاملون مع سجلات المشاهدة باعتبارها فرصة لكتابة نقد طويل، ويبدون استياء عندما لا يحدث ذلك، ومن أكثر أشكال الكتابة انتشارًا على المنصة ما يعرف بـ«one-liner»، أي تعليق قصير وساخر يختصر رأي المستخدم في جملة واحدة، وهذه التعليقات تحصل على أعداد كبيرة من الإعجابات، ويستمتع بعض صناع الأفلام أنفسهم بقراءتها، لكنها أصبحت أيضًا هدفًا متكررًا للانتقاد.
وتنتشر على «Film Twitter» باستمرار صور لتلك التعليقات يتبعها سيل من السخرية والهجوم عليها، حتى إن أحد مستخدمي «تويتر» قال مؤخرًا إن «Letterboxd أفسد النقد السينمائي نوعًا ما» بسبب ولعه بالجمل القصيرة السخيفة.
لكن قبول هذه الفكرة كما هي يقود إلى افتراضين، الأول أن «Letterboxd» منصة للنقد السينمائي، والثاني أن كل شخص قادر على ممارسة النقد، ورغم أن أي مستخدم يستطيع توظيف المنصة بالطريقة التي يريدها، ويستخدمها النقاد المحترفون بالفعل، فإن الغرض الأساسي من خاصية تسجيل المشاهدة فيها ليس كتابة النقد، كما أن «Letterboxd» نفسه لا يصف خلاصته بأنها مساحة للنقد، بل يقدم نفسه بوصفه «شبكة اجتماعية عالمية للنقاش الشعبي حول السينما واكتشافها».
أما الافتراض الثاني فيعيدنا إلى أصل الأزمة، فالنقد السينمائي ارتبط تاريخيًا بمعرفة تقنيات صناعة الفيلم وتاريخ السينما، وهي معرفة تساعد الناقد على تقييم ما إذا كان العمل حقق ما أراد تحقيقه، وعلى تحديد مكانه داخل التاريخ السينمائي الأوسع، لكن ليس كل شخص يمتلك هذا النوع من المعرفة، ولا يمتلك الجميع المهارات الكتابية اللازمة للتعبير عن وجهة نظرهم بوضوح، وهنا يظهر السؤال الحقيقي، إذا كان «Letterboxd» يسمح لأي شخص بأن يكون ناقدًا، فما الذي يجعل النقد جيدًا، وما الذي يجعل شخصًا ما ناقدًا جيدًا؟
رثاء الناقد السينمائي
أفكر في هذا السؤال منذ فترة، لأن طريقي إلى النقد السينمائي لم يكن أكاديميًا أو تقليديًا، فقد درست الكتابة، لكنني لا أجرؤ على الادعاء بأنني أمتلك المعرفة الموسوعية التي يمتلكها نقاد مثل بولين كايل أو جاستن تشانغ أو أنجيليكا جايد باستيان أو روبرت دانييلز وغيرهم، ما أمتلكه هو فهم واضح لذائقتي، وقدرة على التعبير عنها بفاعلية، والأهم من ذلك رغبة دائمة في التعلم والدخول في حوار مع الآخرين من أجل أن أتعلم أكثر.
هذه المهارات، إلى جانب قدر من الفهم لوسائل التواصل الاجتماعي، لعبت دورًا مهمًا في نجاحي، وهي التي قادتني في النهاية إلى كتابة هذا المقال.
الجمهور يريد النقد السينمائي بالفعل، فلو لم يكن يريده، أو لم يكن يهتم به، لما اشتكى من تعليقات «Letterboxd» السطحية، ولما غضب من درجات «Tomatometer» المنخفضة، لكنه لا يريد بالضرورة النقد من النقاد التقليديين الذين يعتقد أنهم يستخدمون معرفتهم للتعالي عليه، وهذا الرفض لما يُنظر إليه باعتباره سلطة أو غرورًا لا يقتصر على السينما، بل يعيد تشكيل مجالات واسعة في المجتمع، من العلم إلى التعليم.
وكما يحدث في تلك المجالات، يهدد هذا الرفض بإضعاف قدرتنا على فهم العلاقة بين عمل فني وآخر، وعلى رؤية الطريقة التي تعكس بها الأعمال الفنية من نكون وكيف نفكر، وهي خسارة لا يمكن التعامل معها باستخفاف.
إذا أراد النقد السينمائي أن يظل جزءًا حيًا من الثقافة المعاصرة، فإنه يحتاج إلى إعادة ضبط نفسه.
على النقاد أن يحافظوا على معايير المعرفة والكتابة، وفي الوقت نفسه يفتحوا المجال لأصوات جديدة ومعاصرة، كما تفعل مبادرة «Black Writers Week» في «RogerEbert.com»، وأن يدعوا الجمهور إلى الدخول معهم في رحلة النقد بدل الحديث إليه من موقع علوي، واستعادة الثقة قد تعني الذهاب إلى حيث يوجد الجمهور وشرح ما الذي يبحث عنه الناقد في الفيلم، وخلق حوار بدل الاكتفاء بما قد يبدو وكأنه إلقاء محاضرة، بالطبع في حدود معقولة، فالحوار ليس مبررًا للتحرش، وزر الحظر ما يزال متاحًا مجانًا.
وينبغي أن نصل إلى مرحلة لا يشعر فيها الجمهور بأنه مضطر إلى مهاجمة أصحاب التعليقات القصيرة على «Letterboxd» حتى يكتبوا مراجعات أطول، لأن الفارق الحقيقي في النقد لا يكمن في الوسيط الذي يُنشر من خلاله، بل في الفارق بين المحتوى والجوهر، وبين الاستهلاك والتجربة، وبين اللامبالاة والفضول.
المصدر: RogerEbert.com
