سوليوود «خاص»
لم يحتفظ «التنين» بصورة واحدة في السينما، ففي أفلام الثمانينيات كان ظهوره كافيًا لصناعة وحش ينتظره البطل في نهاية الرحلة، ثم منحته المؤثرات الرقمية القدرة على الكلام والتعبير، ووضعته أفلام أخرى في مواجهة الحضارة الحديثة، قبل أن يتحول لاحقًا إلى صديق للإنسان وشخصية تحمل أفكارًا عن الثقة والتعايش.
ولهذا تكشف أفلام «التنين» أكثر من مجرد تطور المؤثرات البصرية، فهي توضح كيف تغيرت وظيفة واحد من أقدم المخلوقات الأسطورية على الشاشة. خمسة أفلام، تمتد من «Dragonslayer» عام 1981 إلى «Raya and the Last Dragon» عام 2021، تقدم خمس صور مختلفة تمامًا للمخلوق نفسه.
«Dragonslayer».. كيف جعلت السينما «التنين» مخيفًا قبل عصر المؤثرات الرقمية؟
في «Dragonslayer» يعيش سكان مملكة خيالية تحت رحمة «فيرميثراكس بيجوراتيف»، وهو «تنين» عجوز تُقدم له ضحايا بشرية حتى يترك بقية السكان في سلام، قبل أن يجد الساحر الشاب «غالين» نفسه أمام مهمة قتله. الفيلم من إخراج «ماثيو روبنز»، وبطولة «بيتر ماكنيكول» و«كايتلين كلارك» و«رالف ريتشاردسون»، ومن إنتاج عام 1981.
القصة تنتمي إلى الصورة التقليدية لـ«التنين» في الفانتازيا الأوروبية، مخلوق يعيش بعيدًا عن البشر، لكنه يفرض وجوده عليهم بالخوف. غير أن ما جعل الفيلم مهمًا في تاريخ أفلام «التنين» كان الطريقة التي صُنع بها «فيرميثراكس»، ففي وقت لم تكن فيه الشخصيات الرقمية قادرة على أداء هذا الدور، اعتمد فريق المؤثرات في «Industrial Light & Magic» على مجسمات وتقنيات تحريك ميكانيكية متقدمة لمنح المخلوق وزنًا وحركة أكثر واقعية.
وكان «Dragonslayer» أول فيلم تعمل عليه الشركة خارج إنتاجات «لوكاس فيلم»، وأسهم المشروع في تطوير تقنية «Go Motion»، وهي امتداد أكثر تطورًا لتحريك المجسمات إطارًا بإطار، سمحت بظهور قدر من ضبابية الحركة التي تفقدها عادة تقنية «Stop Motion»، وتجعل حركة «التنين» أقل تقطعًا أمام الكاميرا.
في هذه المرحلة كان نجاح «التنين» يقاس بقدرته على إقناع الجمهور بأنه مخلوق يمكن أن يدخل الكهف ويخرج منه ويهاجم البشر، ولم تكن السينما بحاجة إلى معرفة ما يشعر به، كان يكفي أن تخشاه.
«Dragonheart».. متى أصبح «التنين» شخصية تستطيع التمثيل؟
بعد خمسة عشر عامًا، لم يعد «Dragonheart» يطلب من الجمهور أن يصدق وجود «التنين» فقط، بل أن يهتم بما يقوله ويشعر به. يتابع الفيلم الفارس «بوين»، الذي يتحول من صائد للتنانين إلى شريك لـ«دراكو»، أحد آخر أفرادها، وتقوم بينهما علاقة تحمل جانبًا كبيرًا من الكوميديا والدراما. الفيلم من إخراج «روب كوهين»، وبطولة «دينيس كويد» و«ديفيد ثيوليس» و«دينا ماير»، بينما أدى «شون كونري» صوت «دراكو»، ومن إنتاج عام 1996.
كانت المشكلة التقنية هنا مختلفة، فـ«دراكو» موجود على الشاشة وقتًا طويلًا، ويتحدث مع الممثلين، ويحتاج وجهه إلى الابتسام والغضب والحزن ومزامنة حركة الفم مع صوت «شون كونري». وتصف «لوكاس فيلم» الشخصية بأنها أول شخصية واقعية المظهر مولدة بالحاسوب تحصل على دور رئيسي في فيلم سينمائي كبير، وهو ما دفع فريق «Industrial Light & Magic» إلى تطوير نظام خاص لتحريك الوجه.
هذا التطور التقني فتح بابًا سرديًا مهمًا، لأن «التنين» لم يعد مضطرًا إلى البقاء وحشًا أو مؤثرًا بصريًا. أصبح بإمكانه أن يكون شخصية لها صوت وموقف وعلاقة مع البطل، وهنا بدأت المسافة بين «التنين» والإنسان تضيق على الشاشة.
«Reign of Fire».. ماذا لو لم يكن هناك «تنين» واحد بل عالم كامل منها؟
ذهب «Reign of Fire» إلى اتجاه معاكس تقريبًا، وأعاد «التنين» إلى موقع العدو، لكن هذه المرة من دون ممالك قديمة أو فرسان. تبدأ القصة بعد استيقاظ «تنين» تحت لندن، ثم تتكاثر المخلوقات حتى تدمر جانبًا كبيرًا من الحضارة، ويصبح البشر هم الذين يعيشون مختبئين منها. الفيلم من إخراج «روب بومان»، وبطولة «كريستيان بيل» و«ماثيو ماكونهي» و«إيزابيلا سكوروبكو» و«جيرارد باتلر»، ومن إنتاج عام 2002.
الجديد لم يكن في زيادة عدد «التنانين» فقط، بل في محاولة تقديمها كما لو كانت نوعًا حيوانيًا حقيقيًا دخل النظام البيئي. قال «بومان» إن الفريق لم يعتمد أساسًا على أفلام «التنين» السابقة عند تصميمها، بل شاهد أفلامًا وبرامج عن الحيوانات المفترسة ودرس سلوكها، لأنه أراد أن تبدو المخلوقات كأنها المفترس الأقوى في الطبيعة، لا مجرد وحوش سحرية طائرة.
حتى النار حصلت على تفسير داخل عالم الفيلم، إذ صُممت على أساس خروج مادتين من فم المخلوق واشتعالهما عند اختلاطهما، في محاولة لإعطاء قدرة أسطورية تفسيرًا يبدو بيولوجيًا. وهكذا نقل «Reign of Fire» واحدًا من أشهر مخلوقات العصور الوسطى إلى عالم الدبابات والمروحيات والمدن المدمرة، وسأل ببساطة ماذا سيحدث لو ظهر «التنين» في عصر يملك فيه البشر الأسلحة الحديثة ولم تكن تلك الأسلحة كافية.
«How to Train Your Dragon».. ماذا لو كان البشر مخطئين بشأن «التنانين»؟
في «How to Train Your Dragon» تغيرت نقطة البداية نفسها. «هيكاب» يعيش وسط مجتمع من الفايكنغ يعتبر قتل «التنانين» جزءًا من البطولة، ويتمكن بالفعل من إصابة «توثليس»، لكنه عندما يجد المخلوق عاجزًا أمامه لا يستطيع قتله، ثم يبدأ في اكتشاف أن الصورة التي تربى عليها عن «التنانين» ليست كاملة. الفيلم من إخراج «كريس ساندرز» و«دين ديبلوا»، وبأصوات «جاي باروشيل» و«جيرارد باتلر» و«أمريكا فيريرا»، ومن إنتاج عام 2010.
نجاح «توثليس» لم يعتمد فقط على جعله لطيف الشكل، فقد أراد صناع الفيلم أن يبدو في البداية قويًا وخطيرًا، ثم يصبح سلوكه مألوفًا كلما اقترب منه «هيكاب». وقال «دين ديبلوا» إن الفريق استلهم جوانب من تصميمه وسلوكه من القطط الكبيرة والذئاب، واستفاد في حركاته من تصرفات القطط والكلاب والخيول، بحيث يتعرف المشاهد في المخلوق الخيالي على شيء شاهده من قبل في حيوان حقيقي.
وهذا الاختيار كان مهمًا للحكاية، لأن الفيلم يحتاج إلى أن يغير المشاهد موقفه من «التنين» بالتزامن مع تغير موقف «هيكاب». يبدأ «توثليس» كشيء يختبئ في السماء ولا يعرف البشر عنه إلا الخطر، ثم يصبح له مزاج وخوف وثقة وطريقة خاصة في التواصل.
لم يعد السؤال هنا كيف يقتل البطل «التنين»، بل لماذا يريد قتله أصلًا.
«Raya and the Last Dragon».. لماذا يبدو هذا «التنين» مختلفًا؟
لا تنتمي جميع صور «التنين» إلى التقليد الأوروبي الذي رسخته أفلام الفانتازيا الغربية، وهذا هو المدخل الذي يميز «Raya and the Last Dragon». تدور القصة في أرض «كوماندرا» الخيالية، حيث تبحث المحاربة «رايا» عن آخر «تنين»، «سيسو»، للمساعدة في مواجهة قوة تهدد العالم المنقسم. الفيلم من إخراج «دون هول» و«كارلوس لوبيز إسترادا»، وبأصوات «كيلي ماري تران» و«أوكوافينا» و«جيما تشان» و«دانيال داي كيم»، ومن إنتاج عام 2021.
يظهر الاختلاف فورًا في شكل «سيسو»، فهي طويلة الجسد وانسيابية الحركة وترتبط بالماء، ولا تشبه «التنين» الأوروبي الضخم ذي الأجنحة الذي يحرس الكهوف وينفث النار. واستلهم فريق الفيلم تصميم الشخصية من «الناغا»، وهي كائنات أسطورية مرتبطة بالماء وتظهر في ثقافات جنوب شرق آسيا، وعمل المصممون مع مستشارين ثقافيين خلال تطوير شكلها.
ولا يقف الاختلاف عند التصميم، فالفيلم نفسه يستلهم عالمه من ثقافات جنوب شرق آسيا، ويجعل «سيسو» مرتبطة بفكرة الثقة التي فقدتها «رايا» بعد انقسام «كوماندرا». هنا لا يأتي «التنين» بوصفه وحشًا ينبغي الانتصار عليه، ولا حتى حيوانًا ينبغي ترويضه، بل شخصية تدخل في قلب المشكلة التي تحاول البطلة حلها.
كيف تغيّرت صورة «التنين» في السينما؟
خلال أربعين عامًا فصلت بين «Dragonslayer» و«Raya and the Last Dragon»، تغيرت الأدوات التي تصنع بها السينما «التنين»، لكن التغيير الأكبر حدث في القصص التي منحته إياها. احتاج «Dragonslayer» إلى ابتكار تقنيات جديدة لجعل الوحش يتحرك بصورة مقنعة، وجاء «Dragonheart» ليمنحه وجهًا وصوتًا قادرين على حمل دور رئيسي، ثم تخيله «Reign of Fire» نوعًا مفترسًا يمكن أن يهدد الحضارة كلها.
بعد ذلك قلب «How to Train Your Dragon» العلاقة، وجعل خوف البشر من «التنانين» جزءًا من المشكلة، بينما خرج «Raya and the Last Dragon» من الصورة الأوروبية الشائعة واتجه إلى مرجع ثقافي مختلف تمامًا.
ولهذا استمرت أفلام «التنين» رغم تكرار المخلوق نفسه عبر عقود، فكل جيل من صناع السينما لم يحتج إلى اختراع مخلوق جديد، بل إلى العثور على إجابة جديدة للسؤال القديم: ماذا يمثل «التنين» عندما يظهر على الشاشة؟

