سوليوود «خاص»
نادرًا ما يكون الحب أمرًا بسيطًا في أفلام «المافيا»، فالدخول في علاقة مع شخص يعيش داخل عالم الجريمة يعني أن الطرف الآخر لا يرتبط به وحده، بل بعائلة لها قوانينها، وأسرار لا يمكن سؤال أصحابها عنها، وولاءات قد تتقدم على الزواج نفسه. ولهذا ظهرت مجموعة من الأفلام التي لم تضع الرومانسية إلى جوار قصة «المافيا» فحسب، بل جعلت العلاقة نفسها تتغير بسبب العالم الذي دخلته.
بعض هذه الأفلام تعامل مع الفكرة بالكوميديا، وبعضها أخذها إلى نهايات أكثر قسوة، لكن القاسم المشترك بينها أن الحب لا يجري في مساحة منفصلة عن الجريمة، فهو إما يصطدم بقواعد «العائلة»، أو يصبح طريقًا للدخول إليها، أو محاولة للخروج منها.
«Prizzi’s Honor».. ماذا يحدث عندما يقع قاتلان محترفان في الحب؟
في «Prizzi’s Honor» يقع «تشارلي بارتانا»، أحد رجال عائلة «بريتزي»، في حب «آيرين ووكر»، ثم يكتشف أن المرأة التي أحبها تعمل هي الأخرى قاتلة محترفة. في البداية يبدو الأمر كأنه جعل الاثنين أكثر توافقًا، فكل منهما يفهم العالم الذي يعيش فيه الآخر، لكن المشكلة تبدأ عندما تتعارض العلاقة مع مصالح العائلة التي ينتمي إليها «تشارلي». الفيلم من إخراج «جون هيوستن»، وبطولة «جاك نيكلسون» و«كاثلين تيرنر» و«أنجيليكا هيوستن»، ومن إنتاج عام 1985.
المفارقة التي يقوم عليها الفيلم واضحة وقاسية في الوقت نفسه، فالحب جمع شخصين يعرفان كيف يقتلان من أجل العمل، ثم وضعهما أمام احتمال أن يصبح كل واحد منهما عمل الآخر. وهنا تصبح الرومانسية اختبارًا مباشرًا لفكرة الولاء التي تقوم عليها أفلام «المافيا»: عندما تتعارض العلاقة مع أوامر العائلة، أيهما يبقى؟
لهذا لا يستخدم «Prizzi’s Honor» عالم الجريمة خلفية رومانسية مثيرة، بل يجعل قوانينه هي العقبة الأساسية داخل العلاقة، ومن هذه المفارقة صنع «هيوستن» كوميديا سوداء حصلت على ثمانية ترشيحات لجوائز «الأوسكار»، وفازت «أنجيليكا هيوستن» بجائزة أفضل ممثلة مساعدة.
«Married to the Mob».. امرأة تريد حياة لا علاقة لها بـ«المافيا»
تبدأ «أنجيلا دي ماركو» في «Married to the Mob» من المكان الذي تنتهي عنده كثير من أفلام العصابات، فهي زوجة رجل يعمل مع «المافيا»، لكنها لا تريد شيئًا من ذلك العالم، وبعد مقتله تحاول أخذ ابنها والبدء من جديد بعيدًا عن العائلة ورجالها. الفيلم من إخراج «جوناثان ديمي»، وبطولة «ميشيل فايفر» و«ماثيو مودين» و«دين ستوكويل» و«أليك بالدوين»، ومن إنتاج عام 1988.
المشكلة أن الخروج من «المافيا» لا يحدث بمجرد الانتقال إلى منزل آخر، فزعيم العصابة «توني روسو» يلاحقها، وفي الوقت نفسه يدخل حياتها رجل جديد يتضح أنه عميل فيدرالي متخفٍ يراقب صلاتها بالعائلة. وهكذا تصبح العلاقة الجديدة جزءًا من محاولتها بناء حياة عادية، لكنها تبدأ هي الأخرى فوق سر.
ما يميز الفيلم أنه يعكس الاتجاه المعتاد، فالرومانسية هنا لا تجذب البطلة إلى عالم «المافيا»، بل تأتي أثناء محاولتها الهرب منه. وحتى «Criterion» يضع الفيلم ضمن أعمال الرومانسية، بينما وصفه بأنه معالجة ساخرة لفيلم العصابات، وهي المفارقة التي تمنحه موقعه المختلف داخل هذه القائمة.
«Bugsy».. عندما تتداخل قصة الحب مع طموح رجل العصابات
في «Bugsy» لا تأتي الرومانسية بعد عالم الجريمة أو خارجه، بل تدخل مباشرة في حياة رجل العصابات «بنجامين باغسي سيغل» خلال المرحلة التي ارتبط فيها بمشروع لاس فيغاس. محور العلاقة هو «فيرجينيا هيل»، وتتحرك القصة بين طموحه التجاري وحياته مع «المافيا» والعلاقة التي تصبح جزءًا من قراراته الشخصية. الفيلم من إخراج «باري ليفنسون»، وبطولة «وارن بيتي» و«أنيت بينينغ» و«هارفي كيتل» و«بن كينغسلي»، ومن إنتاج عام 1991.
لا يقدم الفيلم الحب بوصفه وسيلة لإنقاذ «سيغل» من عالم الجريمة، بل باعتباره قوة إضافية تدخل إلى حياته المعقدة أصلًا. حتى الوصف الرسمي لـ«سوني بيكتشرز» يضع العلاقة في قلب العمل، ويصنف الفيلم بين الدراما والرومانسية والتشويق، وهو أمر يوضح المسافة التي قطعها فيلم «المافيا» هنا عن النموذج الذي تكون فيه المرأة مجرد شخصية تقف خارج اجتماعات الرجال وأعمالهم.
وقوة «Bugsy» في هذه المادة أنه يقدم نموذجًا مختلفًا عن «Prizzi’s Honor»، فهناك كان الحب في مواجهة أوامر العائلة، أما هنا فإنه يدخل في شبكة أكبر من الطموح والمال والمكانة، فلا يمكن فصل العلاقة عما يريد «سيغل» أن يصبحه.
«A Bronx Tale».. الحب خارج الحدود التي رسمها الحي
تدور «A Bronx Tale» حول «كالوجيرو»، الفتى الذي يكبر في حي يسيطر عليه حضور رجل «المافيا» المحلي «سوني»، بينما يحاول والده «لورينزو» إبعاده عن طريق الجريمة. ومع بلوغه سن المراهقة تدخل «جين» حياته، لتفتح القصة خطًا آخر يضع اختياراته الشخصية أمام القواعد والأحكام الموجودة حوله. الفيلم من إخراج «روبرت دي نيرو»، وبطولة «روبرت دي نيرو» و«تشاز بالمينتيري» و«ليلو برانكاتو» و«تارال هيكس»، ومن إنتاج عام 1993.
«جين» ليست ابنة رجل «مافيا»، ولا تقوم العلاقة على مؤامرة إجرامية، لكن أهميتها تأتي من أن «كالوجيرو» يحاول بناءها داخل بيئة تعلم فيها أن الانتماء إلى الجماعة يسبق الاختيار الفردي. وتصف المصادر قصة الحب بينه وبين زميلته باعتبارها واحدة من العناصر التي تزيد التوتر داخل الحي، بينما يبقى الشاب ممزقًا أصلًا بين نفوذ «سوني» وقيم والده.
وهذا يجعل «A Bronx Tale» من أكثر الاختيارات اختلافًا في القائمة، لأن «المافيا» لا تدخل العلاقة من خلال رجل يهدد الحبيبين مباشرة، بل من خلال الثقافة التي نشأ فيها البطل وما تعلمه عن القوة والرجولة والانتماء، ثم يكتشف أن حياته الشخصية قد تتطلب منه التفكير خارج تلك القواعد.
«Mickey Blue Eyes».. ماذا لو اكتشفت بعد طلب الزواج أن عائلة خطيبتك هي «المافيا»؟
يبني «Mickey Blue Eyes» فكرته كلها تقريبًا على مفاجأة واحدة، فـ«مايكل فيلغيت»، تاجر فنون بريطاني يعيش في نيويورك، يطلب الزواج من «جينا فيتالي»، ثم يكتشف سبب ترددها: عائلتها مرتبطة بـ«المافيا»، ووالدها «فرانك» جزء من ذلك العالم. الفيلم من إخراج «كيلي ماكين»، وبطولة «هيو غرانت» و«جين تريبلهورن» و«جيمس كان»، ومن إنتاج عام 1999.
لا يريد «مايكل» شيئًا من أعمالهم، لكنه يكتشف سريعًا أن الزواج من «جينا» يعني التعامل مع عائلة لا تفصل حياتها الخاصة بسهولة عن أعمالها، ويبدأ متجره الفني نفسه في الدخول في مخططات لا يريد المشاركة فيها. وهنا تأتي الكوميديا من اصطدام رجل بريطاني شديد البعد عن صورة رجل العصابات التقليدي بعالم يجد نفسه مطالبًا بفهم قواعده.
الرومانسية هي سبب دخوله إلى القصة أصلًا، ولهذا يختلف الفيلم عن معظم أفلام «المافيا» التي تبدأ بالبطل داخل الجريمة ثم تمنحه علاقة عاطفية. «مايكل» موجود خارجها تمامًا، وطلب الزواج وحده هو الذي يفتح الباب.
«Avenging Angelo».. عندما تصبح العلاقة نفسها فخًا
يتعامل «Avenging Angelo» مع «المافيا» والرومانسية بطريقة أقرب إلى الحكاية الخفيفة الممزوجة بالتشويق. تكتشف «جينيفر باريت» بعد مقتل رجل العصابات «أنجيلو أليغيري» أنه والدها الحقيقي، وأن «فرانكي ديلانو» أمضى سنوات في حمايتها من بعيد، ثم يدخل حياتها رجل إيطالي يبدو في البداية فرصة لبداية عاطفية جديدة، قبل أن يتضح أن وراءه سببًا آخر للاقتراب منها. الفيلم من إخراج «مارتن بيرك»، وبطولة «سيلفستر ستالون» و«مادلين ستو» و«أنتوني كوين»، ومن إنتاج عام 2002.
هنا لا يكون الخطر أن تقع البطلة في حب رجل من «المافيا» وهي تعرف حقيقته، بل أن تاريخًا عائليًا لم تكن تعرف بوجوده يدخل حياتها الشخصية فجأة، ويجعل التمييز بين من يقترب منها لأجلها ومن يقترب منها بسبب والدها أكثر صعوبة.
ولهذا يضيف الفيلم صورة أخرى إلى «المافيا الرومانسية»، فالماضي الإجرامي لا يغير حياة الشخص الذي عاشه فقط، بل يمكن أن يصل إلى أبنائه ويصبح جزءًا من علاقاتهم حتى لو حاول الآباء إبقاءهم بعيدًا عنه.
لماذا تبدو الرومانسية مختلفة في أفلام «المافيا»؟
بين «Prizzi’s Honor» و«Avenging Angelo» لا توجد قصة حب واحدة تتكرر، ففي فيلم يصبح الحبيبان قاتلين محترفين قد يضطر أحدهما إلى التخلص من الآخر، وفي آخر تحاول امرأة أن تبدأ علاقة جديدة بعدما خرجت من زواج داخل «المافيا»، بينما يجعل «Mickey Blue Eyes» مجرد التفكير في الزواج بوابة لرجل عادي إلى عالم لم يطلب دخوله.
وهذا ربما يفسر لماذا تعمل الرومانسية جيدًا داخل أفلام «المافيا»، فالعلاقة الطبيعية تقوم على اختيار شخص لشخص آخر، بينما يقوم عالم «المافيا» في هذه الأفلام على فكرة معاكسة تقريبًا: هناك دائمًا «عائلة» أخرى تريد أن تأتي أولًا.

