سوليوود «خاص»
دخل فيلمان جديدان عطلة نهاية الأسبوع الأميركية وهما يحملان أسماء كبيرة، «Verity» بطولة «آن هاثاواي» و«داكوتا جونسون»، و«Digger» بطولة «توم كروز»، لكن شباك التذاكر صنع بينهما مسافة واسعة، فالتقديرات المنشورة يوم 4 أكتوبر وضعت «Verity» في الصدارة بافتتاح يقارب 33 مليون دولار في أميركا الشمالية، بينما دار «Digger» حول 8 ملايين فقط، رغم أن الفيلمين حصلا على الدرجة نفسها، C+، في استطلاع «سينما سكور» لجمهور ليلة الافتتاح.
حتى النقد لا يفسر هذا الفارق بالطريقة المعتادة، فقد حصل «Verity» على نحو 34% من المراجعات الإيجابية على «روتن توميتوز»، مقابل نحو 51% لـ«Digger»، أي أن الفيلم الذي تلقى الاستقبال النقدي الأضعف هو الذي جذب الجمهور بأكثر من أربعة أضعاف تقريبًا في البداية، أما تقييم الجمهور الموثق على الموقع فاقترب من 70% للفيلمين، وهو ما يجعل القول إن المشاهدين ذهبوا ببساطة لأنهم أحبوا أحدهما أكثر تفسيرًا غير كافٍ أيضًا.
القصة الأهم ربما بدأت قبل أن يدخل أي من هؤلاء إلى صالات السينما، لأن «Verity» لم يصل إلى السوق باعتباره فيلمًا جديدًا يبحث عن جمهوره، بل وصل وفي انتظاره جمهور يعرف العنوان والكاتبة والشخصيات والنهاية، وبعضه انتظر سنوات ليرى الرواية التي قرأها تتحول إلى فيلم، وهنا يصبح السؤال أقل ارتباطًا بقوة المراجعة نفسها، وأكثر ارتباطًا باللحظة التي تصل فيها هذه المراجعة إلى قرار شراء ربما اتُّخذ أصلًا.
بعض الأفلام تبدأ حياتها قبل أن تصبح أفلامًا
صدرت رواية «Verity» لـ«كولين هوفر» للمرة الأولى عام 2018، ثم تحولت مع السنوات إلى واحد من أشهر أعمالها، وبقيت حاضرة في قوائم المبيعات لفترات طويلة، وحتى قبل طرح الفيلم مباشرة كانت نسخ منها لا تزال تحتل مواقع متقدمة في قوائم «بابليشرز ويكلي»، بينما تشير التغطيات المصاحبة للفيلم إلى أن الرواية قضت أكثر من 160 أسبوعًا على قوائم الأكثر مبيعًا.
هذه ليست مجرد شهرة للعنوان، بل علاقة سابقة بين الجمهور والعمل، القارئ يعرف الشخصيات قبل اختيار الممثلين، ولديه صورة متخيلة للأماكن، ورأي في الأحداث، وقد يكون مختلفًا أصلًا مع قراء آخرين حول تفسير النهاية، لذلك لا يدخل الفيلم إلى السوق باعتباره أول لقاء بين القصة والمشاهد، بل باعتباره مرحلة جديدة في علاقة موجودة بالفعل.
هنا تتغير وظيفة المراجعة النقدية، فالناقد يكون أكثر قدرة على التأثير حين يقف المشاهد أمام فيلم لا يعرف عنه سوى الإعلان ويسأل نفسه إن كان يستحق التذكرة، أما قارئ انتظر تحويل كتاب يحبه إلى السينما فقد يذهب مهما قيل عن الفيلم، ليس لأنه يرفض النقد، بل لأن لديه سببًا آخر أقوى من المراجعة في تلك اللحظة، يريد أن يرى بنفسه ماذا فعلت السينما بشيء يعرفه من قبل.
«كولين هوفر» جربت هذه المعادلة من قبل
«Verity» ليس الحالة الأولى التي تكشف قوة الجمهور المحيط بأعمال «كولين هوفر»، فقد افتتح «It Ends With Us» عام 2024 بنحو 50 مليون دولار في أميركا الشمالية، ثم وصل إلى أكثر من 351 مليون دولار عالميًا، رغم أن تقييم النقاد على «روتن توميتوز» استقر عند 55% فقط، وهي نتيجة كبيرة لفيلم درامي رومانسي لا يعتمد على عالم خارق أو سلسلة سينمائية قديمة.
الفيلم لم ينجح لأن المراجعات لم تعد مهمة، وإنما لأنه دخل السوق محمولًا باسم أدبي كان قد أصبح بالفعل ظاهرة جماهيرية، وهو الفارق بين فيلم يحتاج إلى إقناع الناس بأهمية قصته، وفيلم لديه أشخاص ينتظرون معرفة ما إذا كان سيحافظ على القصة التي أحبوها أو يغيرها.
ويمكن رؤية النمط نفسه في أعمال أخرى جاءت من ظواهر نشر كبيرة، فقد حصل «Where the Crawdads Sing» عام 2022 على 34% فقط من النقاد على «روتن توميتوز»، لكنه افتتح بأكثر من 17 مليون دولار في أميركا الشمالية ووصل لاحقًا إلى نحو 144 مليون دولار عالميًا، بعد أن سبقه كتاب واسع الانتشار خلق معرفة بالقصة قبل وصولها إلى الشاشة.
هذه الأمثلة لا تصنع قانونًا يقول إن الرواية الناجحة تحمي أي فيلم من النقد، لكنها تكشف ميزة واضحة، الفيلم المقتبس من ظاهرة نشر لا يبدأ من الجمهور صفر، فجزء من التسويق تم بالفعل خلال السنوات التي سبقت شراء الحقوق.
لماذا لم يفعل اسم «توم كروز» الشيء نفسه؟
هذه النقطة تجعل المقارنة مع «Digger» أكثر إثارة، فالفيلم لا يفتقر إلى الشهرة، بل يحمل اسم «توم كروز»، أحد أكبر نجوم السينما في العالم، ويأتي بإخراج «أليخاندرو غونزاليس إيناريتو»، ومع ذلك اتجه إلى أضعف افتتاح لـ«كروز» منذ «Lions for Lambs» عام 2007 تقريبًا.
الفارق أن شهرة النجم ليست الشيء نفسه الذي يعنيه وجود جمهور ينتظر هذا العمل بعينه، فهناك ملايين يعرفون «توم كروز»، لكنهم لم يعيشوا مع شخصية «Digger» قبل الفيلم، ولم يقرأوا قصتها، ولم يناقشوا نهايتها، ولا توجد علاقة سابقة بينهم وبين هذا العالم تجعل التذكرة خطوة شبه تلقائية.
هذا يكشف فارقًا مهمًا بين الوعي والطلب، فالاسم الكبير يستطيع ضمان أن يسمع الجمهور بالفيلم، لكنه لا يضمن أن يشعر الناس بأن عليهم مشاهدته فورًا، أما العنوان الذي يصل محمولًا بمجتمع سابق فيمتلك شيئًا أكثر تحديدًا، أشخاصًا لديهم بالفعل سبب شخصي للدخول إلى القاعة.
ولهذا لا تقول المقارنة إن «كولين هوفر» أقوى جماهيريًا من «توم كروز»، بل تقول إن الشهرة العامة والارتباط بعمل معين قوتان مختلفتان تمامًا في شباك التذاكر.
الملكية الفكرية لم تعد تعني «Marvel» و«Star Wars» فقط
لفترة طويلة ارتبط مفهوم الملكية الفكرية في هوليوود بالسلاسل الضخمة، بطل معروف، عالم يمكن تمديده، أجزاء متتالية وشخصيات قادرة على العودة مرارًا، لكن السوق الرقمي وسّع الفكرة، فالكتاب الواحد قد يأتي ومعه مجتمع هائل، والبودكاست قد يبني جمهورًا شديد الولاء، وصانع المحتوى قد يطور شخصيات يعرفها الملايين قبل انتقالها إلى أي وسيط آخر.
ما تشتريه شركة الإنتاج في هذه الحالات لا يقتصر على القصة، بل يشمل الاهتمام المتراكم حولها، المناقشات، الحسابات المتخصصة، المقاطع التي تتناول الشخصيات، الجدل حول اختيار الممثلين، وحتى الخلافات بين الجمهور حول ما يجب تغييره وما يجب الحفاظ عليه.
هذه كلها أشكال من الطلب تسبق الإعلان السينمائي التقليدي، ولذلك أصبح أحد الأسئلة المهمة أمام المنتج ليس فقط ما إذا كانت القصة جيدة، بل ما إذا كان هناك بالفعل أشخاص ينتظرونها.
لكن الحالة الأكثر إثارة تبدأ عندما لا يرث الفيلم هذا الجمهور جاهزًا، ويحاول صناع العمل بناءه بأنفسهم.
وأحيانًا لا يرث الفيلم جمهوره.. بل يصنعه
قدم الفيلم المصري «ريد فلاج» خلال 2026 نموذجًا مختلفًا، فهو ليس اقتباسًا من رواية واسعة الانتشار ولا جزءًا من سلسلة قديمة، لكنه دخل إلى السوق بعد حملة تعاملت مع الفترة السابقة للعرض باعتبارها فرصة لبناء مجتمع حول فكرة الفيلم، لا مجرد وقت لنشر البوسترات والإعلانات.
بدأت الحملة قبل طرح الفيلم عبر سلسلة من الفيديوهات الطريفة المرتبطة بفكرة العلامات التحذيرية في العلاقات، وكان من أبرزها محتوى «روحي على بيت أبوكي» الذي ظهر فيه «أحمد حاتم» في مواقف قصيرة قابلة للمشاركة والتعليق، وأكد «حاتم» نفسه بعد العرض أن الفكرة جاءت من المسؤول عن الدعاية «خالد جوهر»، وأن الفريق قرر مواصلة الفيديوهات بعدما وجد أن الجمهور فهمها وتفاعل معها، حتى أصبحت المقاطع تحقق انتشارًا قبل نزول الفيلم.
المهم هنا أن الحملة لم تطلب من الجمهور طوال الوقت أن يشتري تذكرة، بل قدمت له شيئًا يستطيع استهلاكه حتى لو لم يعرف كثيرًا عن الفيلم، مواقف عن العلاقات يمكن إرسالها إلى صديق أو مناقشتها أو تحويلها إلى مزحة، وبذلك بدأت الصفحة والحملة تكتسبان حياة تتجاوز الإعلان التقليدي.
وبعد طرح «ريد فلاج» يوم 9 سبتمبر، كشف «حاتم» أن النساء يمثلن 81.6% من متابعي صفحة «روحي على بيت أبوكي»، مقابل 18.4% للرجال، ثم استثمر الفريق هذه المعلومة نفسها في خطوة تسويقية جديدة بتنظيم عرض خاص للسيدات، أي أن المجتمع الذي نشأ حول المحتوى لم يبق مجرد رقم للمتابعين، بل بدأ يؤثر في طريقة استمرار الحملة بعد دخول الفيلم إلى الصالات.
هذه ليست حالة مطابقة لـ«Verity»، وهذا تحديدًا ما يجعلها مفيدة، «Verity» ورث جمهورًا من كتاب موجود قبل الفيلم بسنوات، أما «ريد فلاج» فحاول أن يخلق علاقة مسبقة مع الجمهور من خلال محتوى بُني حول فكرته قبل العرض.
في الحالتين يصل الفيلم إلى صالات السينما ومعه شيء أكثر من الإعلان، مجتمع لديه لغة مشتركة مع العمل، وفي حالة الرواية جاءت هذه اللغة من القراءة، بينما جاءت في «ريد فلاج» من المحتوى والتفاعل الاجتماعي.
الافتتاح لا يعني أن الجمهور أحب الفيلم
هنا يجب العودة إلى C+ التي حصل عليها «Verity»، لأنها تمنع قراءة افتتاحه القوي باعتباره انتصارًا بسيطًا للجمهور على النقاد، فهذه الدرجة لا تعبر عن حماس كبير لدى من شاهدوا الفيلم في ليلته الأولى، ومع ذلك كانوا قد اشتروا التذاكر بالفعل.
شباك التذاكر في الأيام الأولى يقيس إلى حد كبير حجم الرغبة التي استطاع الفيلم تكوينها قبل المشاهدة، أما الاستطلاعات وردود الفعل فتبدأ في قياس ما حدث بعد دخول القاعة، ولهذا يستطيع جمهور جاهز أن يصنع افتتاحًا قويًا حتى لفيلم لا يخرج الناس منه بالقدر نفسه من الرضا.
لكن هذه القوة لها حدود، فبعد عطلة الافتتاح يتحول المشاهد نفسه إلى ناقد صغير، يخبر أصدقاءه، يكتب على وسائل التواصل، يقرر إن كان سينصح الآخرين أم لا، وهنا تبدأ مرحلة لا تكفي فيها شهرة الرواية أو قوة الحملة وحدهما.
إذا كانت الكلمة المنقولة بين الجمهور جيدة، يمكن للفيلم أن يتجاوز قاعدة المعجبين الأولى ويصل إلى أشخاص لم تكن لديهم علاقة سابقة به، أما إذا كانت ضعيفة فقد يصبح الجمهور نفسه الذي صنع الافتتاح سببًا في أن يبقى النجاح محصورًا في أيامه الأولى.
متى تفقد المراجعات تأثيرها؟
ربما الأدق أنها لا تفقد التأثير بالكامل، وإنما يتغير توقيت تأثيرها ومكانه داخل قرار المشاهدة.
حين يكون الفيلم مجهولًا نسبيًا ولا يمتلك جمهورًا سابقًا، يمكن للمراجعة أن تكون واحدة من أهم الأدوات التي تساعد المشاهد على تحديد ما إذا كان سيذهب أصلًا، أما عندما يأتي الفيلم محمولًا برواية معروفة أو مجتمع تشكل حول فكرته أو جمهور انتظر العمل مسبقًا، فقد تصبح المراجعة مجرد صوت آخر يصل بعد أن اقترب القرار من الحسم.
لكن ذلك لا يعني أن النقاد أصبحوا بلا قيمة، ولا أن الجمهور المسبق يضمن النجاح، فهو يستطيع أن يملأ المقاعد الأولى، لكنه لا يستطيع وحده أن يجعل الناس يعودون أو يقنع جمهورًا جديدًا بالمجيء.
ولهذا تبدو مقارنة «Verity» و«Digger» أهم من مجرد 33 مليون دولار مقابل 8 ملايين، كلاهما خرج بدرجة C+ من جمهور ليلة الافتتاح، لكن أحدهما وصل إلى الصالات وفي انتظاره مجتمع تكون حول كتاب وكاتبة على مدى سنوات، بينما كان الآخر يبدأ علاقته مع الجمهور من الصفر تقريبًا رغم وجود واحد من أشهر نجوم العالم في مقدمته.
وقد يكون هذا هو السؤال الذي سيزداد أهمية أمام صناعة السينما في السنوات المقبلة، ليس فقط من هو النجم، وما حجم الحملة، وهل أعجب النقاد بالفيلم، بل ماذا كان موجودًا قبل الفيلم نفسه، وهل هناك مجتمع ينتظره بالفعل، وإذا لم يكن هذا المجتمع موجودًا، فهل يستطيع صناع الفيلم بناءه قبل أن تضاء الشاشة؟
