سوليوود «خاص»
قبل 34 يومًا من دخول «Elizabeth Holmes» السجن، فتحت منزلها أمام فريق تصوير يقوده «Nathan Fielder» و«Lance Oppenheim»، وسمحت له بتوثيق الأيام الأخيرة من حياتها خارج السجن، كان من الممكن أن ينتهي الأمر ببورتريه قصير عن امرأة تنتظر تنفيذ حكم طويل، لكن المشروع استمر ثلاث سنوات، وتحول إلى فيلم وثائقي مدته 174 دقيقة يحمل عنوان «You Can See Everything»، وعندما أطلقت «A24» إعلانه الكامل في سبتمبر 2026 بدا أن القصة لم تعد فقط ما ستقوله «Holmes» عن نفسها، بل ما إذا كان بإمكان الكاميرا أصلًا أن تعرف متى ترى الإنسان ومتى ترى الصورة التي يريد هذا الإنسان تقديمها.
ولفهم لماذا يصبح هذا السؤال مهمًا، يجب العودة قليلًا إلى المرأة التي تقف أمام الكاميرا، «Elizabeth Holmes» هي مؤسسة شركة «Theranos»، إحدى أشهر قصص الصعود والسقوط في تاريخ وادي السيليكون الحديث، أسست الشركة عام 2003 وهي لا تزال طالبة جامعية، وقدمت فكرة بدت قادرة على تغيير عالم التحاليل الطبية، جهاز صغير يستطيع وفق وعود الشركة إجراء عدد كبير من الفحوص باستخدام كمية ضئيلة جدًا من الدم تؤخذ من وخزة إصبع، بدل سحب أنابيب كاملة وإرسالها إلى مختبرات تقليدية، الفكرة جذبت مستثمرين كبارًا ورفعت قيمة الشركة في ذروتها إلى نحو 9 مليارات دولار، وأصبحت «Holmes» واحدة من أشهر الوجوه الشابة في عالم التكنولوجيا الأميركي.
لكن الصورة انهارت عندما ظهرت مشكلات جوهرية في قدرات التقنية ودقتها، واتهم الادعاء الأميركي «Holmes» بتقديم معلومات زائفة أو مضللة للمستثمرين بشأن أداء أجهزة «Theranos» ومدى اعتمادها من شركات أدوية كبرى وعلاقات الشركة التجارية والعسكرية، وفي يناير 2022 أدانتها هيئة محلفين بتهمة التآمر للاحتيال على المستثمرين وثلاث تهم بالاحتيال الإلكتروني عليهم، بينما برأتها من تهم أخرى مرتبطة بالمرضى ولم تتوصل إلى حكم في بعض التهم الأخرى المتعلقة بالمستثمرين، وفي نوفمبر من العام نفسه حكم عليها بالسجن 11 عامًا وثلاثة أشهر، وأيدت محكمة استئناف اتحادية الإدانة والعقوبة في 2025.
هذه الخلفية هي التي تجعل «You Can See Everything» أكثر من وثائقي جديد عن قضية سبق أن رويت مرات كثيرة، فالقصة ليست فقط قصة مؤسسة شركة فشلت وواجهت القضاء، بل قصة شخص كانت صناعة الصورة العامة جزءًا أساسيًا من صعوده، شخص عرف كيف يقف أمام المستثمرين ووسائل الإعلام ويقدم رواية مقنعة عن نفسه وشركته، ثم سمح بعد انهيار تلك الصورة لفريق سينمائي متشكك بالدخول إلى حياته في أكثر لحظاتها حساسية، وهنا يصبح الوصول إلى المنزل ليس نهاية البحث عن الحقيقة، بل بدايته.
الوصول الحصري لا يعني الوصول إلى الحقيقة
في صناعة الأفلام الوثائقية يبدو «الوصول» واحدًا من أثمن الأشياء التي يمكن أن يحصل عليها المخرج، أن يدخل المنزل، ويقضي ساعات مع الشخصية، ويرى تفاصيل لا تظهر في المؤتمرات الصحفية أو المقابلات المرتبة، وكلما اقتربت الكاميرا من الحياة الخاصة بدا أن المسافة بينها وبين الحقيقة تقل، لكن الاقتراب الجسدي من الإنسان لا يعني بالضرورة الاقتراب من حقيقته، خصوصًا عندما يعرف هذا الإنسان طوال الوقت أن ما يقوله وما يفعله قد يشاهده ملايين الأشخاص لاحقًا.
دخل «Fielder» و«Oppenheim» إلى حياة «Holmes» وشريكها «Billy Evans» في الأسابيع السابقة لدخولها السجن، وصور الفريق الحياة المنزلية والعلاقة اليومية والأسرة من مسافة نادرًا ما يحصل عليها فيلم عن شخصية عامة محاطة بهذا القدر من الجدل، ووفق ما ظهر في الفيلم ومراجعات عرضه الأول، كان الزوجان يأملان في أن تسمح هذه الشفافية لصناع الفيلم ثم للجمهور برؤية صورة مختلفة عن الصورة التي استقرت عنها بعد المحاكمة، ومن هنا بدأت المواجهة الحقيقية بين شخص يريد أن يُرى بطريقة معينة وصناع فيلم يعرفون أن السماح لهم بالدخول لا يعني بالضرورة أنهم أصبحوا يرون كل شيء.
المشكلة أن الشخص أمام الكاميرا لا يتحول إلى مادة خام لمجرد أنه وافق على التصوير، فهو يختار الكلمات والصمت، ويعرف أي جزء من حياته يظهر وأي جزء يبقى خارج الإطار، وقد يضبط نبرة صوته وطريقة جلوسه وردود أفعاله من دون أن يكون ما يفعله تمثيلًا واعيًا بالضرورة، لأن البشر أصلًا يقدمون نسخًا مختلفة من أنفسهم في العمل والمنزل وأمام الغرباء والأصدقاء، والكاميرا تضيف ببساطة موقفًا اجتماعيًا جديدًا يصبح الإنسان داخله أكثر وعيًا بكيف سيبدو.
ولهذا تصبح حالة «Holmes» أكثر تعقيدًا من شخصية لم تعش طويلًا أمام الإعلام، فقد كان ظهورها العلني جزءًا من بناء «Theranos» نفسها، وكانت صورتها بوصفها رائدة أعمال شابة صاحبة مشروع يغير الطب عنصرًا متكررًا في المقابلات والمؤتمرات والمواد الإعلامية، وبالتالي فإن دخول الكاميرا إلى منزلها لا يعني أنها انتقلت فجأة من عالم الأداء العام إلى منطقة خالية من صناعة الصورة، بل ربما يعني فقط أن المسرح أصبح أكثر حميمية.
هل تكفي ثلاثة أعوام حتى يسقط الأداء؟
هناك اعتقاد جذاب في بعض الأفلام الوثائقية يقول إن الشخصية تستطيع السيطرة على صورتها فترة قصيرة، لكنها إذا عاشت أمام الكاميرا وقتًا كافيًا ستنسى وجودها في النهاية، وعندها سيظهر الإنسان «الحقيقي»، لكن سنوات التصوير الثلاث في «You Can See Everything» تجعل هذا الافتراض نفسه جزءًا من السؤال، لأن الاعتياد على الكاميرا قد يجعل الشخص أكثر تلقائية، لكنه قد يجعله أيضًا أكثر براعة في التعايش معها، ولا يوجد سبب علمي أو إنساني يجعلنا نفترض أن هناك لحظة محددة يتوقف فيها الإنسان عن إدراك أنه يُرى.
البشر لا يحملون نسخة أصلية واحدة يمكن للمخرج الوصول إليها بعد إزالة عدد كاف من الطبقات، فالإنسان نفسه الذي يبدو واثقًا أمام الغرباء قد يكون مختلفًا مع أسرته، وقد يتصرف بطريقة ثالثة عندما يشعر بأنه مراقب أو محكوم عليه، وكل هذه النسخ يمكن أن تكون حقيقية في الوقت نفسه، لذلك لا تصبح مهمة الوثائقي العثور على لحظة يسقط فيها «القناع» بقدر ما تصبح فهم الطريقة التي تتغير بها الشخصية عندما تتغير الظروف المحيطة بها.
هنا تصبح مدة المشروع مهمة، ليس لأنها تمنح الفيلم شهادة بأن ما سجله أكثر صدقًا، بل لأنها تسمح للعلاقة نفسها بالتطور، الفيلم بدأ قبل السجن ثم استمر بعد أن تغير عالم الشخصية الأساسي، ومع مرور الوقت أصبح صناع الفيلم جزءًا من هذه العلاقة، ولم يعد السؤال فقط ماذا تقول «Holmes» عندما تسألها الكاميرا، بل كيف يتغير ما تقوله عندما تعرف من يسألها، وكيف يتغير المخرج نفسه بعدما يقضي شهورًا وسنوات مع الشخص الذي دخل المشروع وهو يشك فيه.
اختيار «Nathan Fielder» تحديدًا يجعل هذه الطبقة أكثر إثارة، لأن جزءًا أساسيًا من أعماله السابقة يقوم على اختبار الحدود بين الواقع والأداء، وعلى وضع أشخاص في مواقف تجعل المشاهد نفسه غير متأكد من أين ينتهي السلوك الطبيعي ويبدأ الوعي بوجود الكاميرا، وفي هذا الفيلم يجد أمامه شخصية تعرف هي الأخرى أن الصورة ليست أمرًا محايدًا، لذلك لا تصبح المواجهة بين مخرج يبحث عن حقيقة بسيطة وشخص يخفيها، بل بين طرفين يعرف كل منهما أن ما سيظهر على الشاشة يُصنع منذ لحظة تشغيل الكاميرا.
المخرج نفسه جزء من الوثائقي
تحاول بعض الأفلام الوثائقية إخفاء صانعها حتى تبدو الكاميرا كأنها عين محايدة لا تؤثر فيما يحدث، لكن المخرج موجود حتى عندما لا نراه، فهو الذي اختار الشخصية، وهو الذي طرح السؤال، ووضع الكاميرا في هذا المكان لا مكان آخر، وقرر متى يبدأ التسجيل ومتى ينتهي، ثم امتلك بعد ذلك سلطة أكبر في غرفة المونتاج، حيث يمكنه الاختيار من عشرات أو مئات الساعات ما سيصبح في النهاية ساعتين أو ثلاثًا يراهما الجمهور.
«You Can See Everything» لا يحاول إخفاء هذه العلاقة تمامًا، بل يدخل «Fielder» إلى داخل القصة نفسها، ويظهر شكه وحيرته ومحاولته تحديد ما إذا كان ما يراه أمامه عفويًا أم جزءًا من محاولة للتأثير فيه، ووفق ما كُتب بعد العرض المفاجئ للفيلم في مهرجان «Telluride»، يتغير شكل الوثائقي تدريجيًا ويدخل في إعادة تمثيل وتجارب تخلط أكثر بين الواقع والأداء، بحيث يصبح ارتباك المخرج نفسه جزءًا من التجربة بدل أن يتظاهر الفيلم بأنه يملك منذ البداية الإجابة.
هذه الصراحة تكشف تفاوتًا مثيرًا في السلطة بين الطرفين، «Holmes» تملك الوصول إلى حياتها ولا يستطيع الفيلم أن يحصل على هذه المادة من دون موافقتها، لكنها لا تملك الفيلم النهائي، فبعد أن تعطي المخرج الساعات والصور والجمل يستطيع هو أن يقرر كيف ترتب، وأي إجابة تأتي قبل أخرى، وأي نظرة تستمر ثانية أطول، وأي صمت يبقى داخل النسخة النهائية، ولذلك فإن السيطرة على التصوير والسيطرة على المعنى ليستا الشيء نفسه.
المونتاج ربما يكون هنا أقوى من الكاميرا نفسها، فالشخص يستطيع اختيار الكلمات التي يقولها، لكنه لا يختار دائمًا الصورة التي ستأتي بعدها أو المعلومة التي سيعرفها الجمهور قبل سماعها، ويمكن لجملة صادقة بالكامل أن تكتسب معنى مختلفًا إذا تغير موضعها داخل الفيلم، وهذا لا يعني أن المونتاج تلاعب بالضرورة، بل يذكر بأن الوثائقي لا يعرض الواقع كما وقع حرفيًا، وإنما يحول قدرًا هائلًا منه إلى قصة محدودة لها بداية وترتيب وإيقاع ووجهة نظر.
الفيلم الوثائقي تفاوض أكثر منه مراقبة
كل فيلم وثائقي عن إنسان حي يحمل قدرًا من التفاوض، الشخصية تمنح الوصول والمخرج يريد مزيدًا منه، الشخصية تريد أن يُفهم جانب معين من قصتها والمخرج قد يرى أن الجانب الذي تحاول إخفاءه أكثر أهمية، وكلما طالت العلاقة نشأت ثقة تسمح بصور أفضل، لكنها قد تجعل المسافة بين المخرج وموضوعه أكثر تعقيدًا.
هذه المفارقة شديدة الوضوح في حالة «Holmes»، لأن الاقتراب منها يعني رؤية الأسرة والأطفال والحياة اليومية والخوف من السجن، وهي عناصر إنسانية لا تظهر في ملفات المحاكم ولا في الأرقام التي خسرها المستثمرون، ويمكن لهذه التفاصيل أن تجعل الصورة أكثر تعقيدًا من الشخصية العامة التي عرفها العالم، لكن تعقيد الصورة لا يعني إلغاء الوقائع التي سبقتها، وهنا يقع أحد أصعب اختبارات الوثائقي، أن يسمح للإنسان بأن يبدو إنسانًا من دون أن يجعل القرب العاطفي بديلًا عن السياق.
من ناحية أخرى، ليس من الضروري أن يمنع المخرج الشخصية من محاولة إدارة صورتها، لأن هذه المحاولة نفسها قد تكون جزءًا من القصة، فإذا دخل شخص إلى الوثائقي وهو يعتقد أن الفيلم فرصة لتصحيح صورته أو تقديم روايته، فإن الطريقة التي يفعل بها ذلك قد تكون أكثر كشفًا من الإجابات ذاتها، وما على الفيلم أن يفعله ليس إسكات الرواية، بل وضعها بجوار الوقائع والسياق ومنح المشاهد القدرة على رؤية المسافة بين الاثنين.
الكاميرا لا ترى كل شيء
عنوان الفيلم نفسه «You Can See Everything» يبدو مع مرور الوقت أقل شبها بوعد وأكثر شبها بمفارقة، تستطيع الكاميرا أن تدخل المنزل وتبقى ساعات، ويمكن للمشروع أن يستمر ثلاثة أعوام بدل أسابيع، لكن زيادة كمية ما نراه لا تعني أن الحقيقة أصبحت كاملة، لأن الكاميرا لا تعرف ما الذي حدث قبل تشغيلها، ولا ما الذي قيل في الغرفة بعد مغادرة الفريق، ولا كيف كان الشخص سيتصرف لو لم تكن العدسة أمامه.
حتى ما تسجله الكاميرا لا يحمل تفسيره معه، فهي تستطيع تسجيل دمعة لكنها لا تعرف سببها، وتستطيع تسجيل الصمت لكنها لا تعرف ما إذا كان خوفًا أو تفكيرًا أو محاولة لضبط الإجابة، ويمكن للمشاهد والمخرج والشخص الموجود في الصورة أن يقدم كل منهم تفسيرًا مختلفًا للحظة نفسها، وهنا تصبح قوة الفيلم الوثائقي أيضًا مصدر ضعفه، لأنه يمنحنا إحساسًا قويًا بأننا كنا موجودين في المكان، بينما لا نملك في الحقيقة إلا الجزء الذي سمح لنا الفيلم برؤيته.
القضية تصبح أكثر وضوحًا عندما نتذكر أن «Holmes» أدينت تحديدًا في قضية كان تقديم المعلومات والصورة للمستثمرين جزءًا أساسيًا منها، فقد قالت وزارة العدل الأميركية إن الأدلة أظهرت تقديمها ادعاءات زائفة للمستثمرين بشأن قدرات أجهزة «Theranos» وعلاقاتها واعتماد تقنيتها، ولذلك فإن الفيلم الجديد يضع الكاميرا أمام شخص لا تأتي مسألة بناء الرواية في قصته من فراغ، بل تقع في قلب الوقائع التي أوصلته إلى السجن.
ومع ذلك سيكون من السهل جدًا على الوثائقي أن يقع في الفخ المعاكس، أن يعتبر كل كلمة تقولها الشخصية محاولة للتلاعب لمجرد تاريخها السابق، فالسينما الجيدة لا تحتاج إلى إصدار حكم مسبق على كل حركة، بل إلى الاحتفاظ بالمسافة التي تسمح بالسؤال، وربما لهذا تبدو تجربة تمتد ثلاث سنوات أكثر قيمة من مقابلة مواجهة واحدة، ليس لأن السنوات تكشف الحقيقة تلقائيًا، بل لأنها توفر عددًا أكبر من اللحظات التي يمكن مقارنة الرواية فيها بنفسها.
عندما يريد الطرفان صناعة صورتين مختلفتين
المفارقة الأساسية في الوثائقي أن الشخصية والمخرج يريدان في الظاهر الشيء نفسه، كلاهما يريد فيلمًا عنها، لكن الفيلم الذي تريده الشخصية ليس بالضرورة الفيلم الذي يريد المخرج صنعه، «Holmes» لديها روايتها عن حياتها وعن صورتها التي استقرت لدى الجمهور، بينما يدخل «Fielder» و«Oppenheim» وهما يعرفان القضية والسجل القضائي والسنوات التي سبقت التصوير، وبين الرغبتين توجد المساحة التي يولد فيها الفيلم.
لهذا فإن القيمة الحقيقية لـ«You Can See Everything» قد لا تكون في كشف معلومة جديدة عن «Theranos»، فقد أُشبعت القضية تحقيقًا وسردًا بالفعل، وإنما في وضع عملية صناعة الصورة نفسها أمام الكاميرا، ماذا يحدث عندما يريد شخص قضى سنوات تحت الضوء أن يستعيد السيطرة على الطريقة التي يراه بها الآخرون، وماذا يحدث عندما يعرف صانع الفيلم منذ البداية أن الحصول على وصول استثنائي يمكن أن يكون فرصة صحفية هائلة، ويمكن في الوقت نفسه أن يكون بالضبط ما تحتاجه الشخصية لبناء رواية جديدة.
ما بدأ قبل السجن بـ34 يومًا واستمر ثلاث سنوات وانتهى إلى فيلم مدته 174 دقيقة يطرح بذلك سؤالًا أكبر من «Elizabeth Holmes» نفسها، الفيلم الوثائقي لا يصبح حقيقة لمجرد أن ما نراه حدث فعلًا أمام الكاميرا، ولا يصبح زائفًا لأن الشخص الموجود أمامها يعرف أنه يُصور، الحقيقة توجد في مكان أصعب، بين ما حدث، وما اختارت الشخصية أن تظهره، وما استطاع المخرج رؤيته، وما قرر في النهاية أن يعرضه علينا.
وربما لهذا يكون السؤال الأهم في الفيلم ليس ما إذا كانت الكاميرا تستطيع كشف شخص بارع في صناعة صورته، بل ما إذا كان الفيلم يستطيع أن يجعلنا واعين بأن الصورة تُصنع أمام أعيننا طوال الوقت، عندها لا تكون مهمة المشاهد أن يصدق كل ما يراه أو يشك فيه كله، بل أن يعرف أخيرًا أن رؤية كل شيء لا تعني بالضرورة فهم كل شيء.
