سوليوود «خاص»
منذ عام 1926، يعمل استوديو «Paramount Pictures» في موقعه على شارع «ميلروز» في قلب «هوليوود»، وهو اليوم آخر استوديو سينمائي كبير ما يزال قائمًا داخل الحي الذي منح صناعة السينما الأميركية اسمها الأشهر، لكن بعد قرن تقريبًا أصبح احتمال مغادرة الشركة كاليفورنيا نفسها جزءًا من معركة قانونية مرتبطة باستحواذ «Paramount Skydance» على «Warner Bros. Discovery»، بعدما أبلغ الرئيس التنفيذي «ديفيد إليسون» كبار المديرين بأنه مستعد لبدء نقل الشركة خارج الولاية في 1 أكتوبر 2026 إذا لم يحدث تقدم نحو تسوية الدعوى التي تقودها كاليفورنيا و11 ولاية أخرى لوقف الصفقة، مع تصور يمتد خمس سنوات لنقل معظم الوظائف، فيما طُرحت جورجيا وتكساس وتينيسي بين الوجهات المحتملة.
قد يكون التهديد ورقة ضغط في معركة تفاوضية، ولم تتخذ الشركة قرارًا نهائيًا بشأن وجهتها، كما أن خروجها المحتمل لا يعني بالضرورة اختفاء حضورها الإبداعي من لوس أنجلوس، لكن مجرد وصول النقاش إلى هذه النقطة يحمل مفارقة يصعب تجاهلها، فالاستوديو الأخير الباقي داخل «هوليوود» نفسها يناقش إمكانية الرحيل عنها، وفي الخلفية كانت الصناعة التي يحمل المكان اسمها قد بدأت منذ سنوات تتحرك جغرافيًا بعيدًا عنه، وهو ما يجعل السؤال أكبر من مستقبل شركة واحدة، ماذا يبقى من «هوليوود» إذا استمرت الأفلام والوظائف والإنفاق، وربما المؤسسات نفسها، في الانتقال إلى أماكن أخرى؟
الرحيل بدأ قبل تهديد «Paramount»
الإنتاج الأميركي لم ينتظر انتقال مقر استوديو حتى يبدأ في الابتعاد عن كاليفورنيا، فالشركات أصبحت تختار مواقعها وفق مزيج من الحوافز والتكاليف والبنية التحتية وتوافر فرق العمل، ووفق بيانات نقلتها «Los Angeles Times»، صُوّر نحو 45% من الأفلام والمسلسلات الأميركية المكتوبة خارج الولايات المتحدة في 2025، مقارنة بنحو 33% في 2022، وهي نسبة تكشف أن ما كان يسمى تقليديًا «الإنتاج الهارب» لم يعد استثناءً تلجأ إليه الشركات عندما تحتاج قصة معينة إلى موقع خارجي، بل أصبح جزءًا من اقتصاد الصناعة نفسها.
وتظهر الصورة بوضوح داخل لوس أنجلوس، إذ تراجعت حصتها من الإنتاج الأميركي المكتوب من 21.9% في 2022 إلى 18.3% في 2024، ثم انخفض نشاط التصوير في المواقع الخارجية خلال 2025 بنسبة 16.1% عن العام السابق، واستمر التراجع خلال الربع الثاني من 2026، وهذه الأرقام لا تعني أن التصوير اختفى من المدينة، لكنها تؤكد أن لوس أنجلوس لم تعد الموقع الافتراضي الذي تُصنع فيه الأفلام الأميركية قبل التفكير في البدائل، بل أصبحت واحدة من أسواق عديدة تتنافس على المشروع نفسه.
أين تُصنع «هوليوود» الآن؟
بريطانيا تقدم أحد أوضح الأمثلة على هذا التحول، ففي 2025 بلغ الإنفاق على إنتاج الأفلام والتلفزيون عالي التكلفة هناك 6.8 مليارات جنيه إسترليني، وجاء نحو 5.8 مليارات منها من استثمارات وافدة، بينما سجلت الأفلام وحدها إنفاقًا قياسيًا بلغ 2.8 مليار جنيه، ومن بين الأعمال التي صُورت هناك مشروعات تقع في قلب الصناعة الأميركية مثل «Avengers: Doomsday» و«The Odyssey» وأفلام «The Beatles» الأربعة التي يخرجها «سام ميندز»، أي أن شركات «هوليوود» لم تعد تحتاج بالضرورة إلى كاليفورنيا كي تصنع أكثر إنتاجاتها طموحًا.
ولسنوات بدت جورجيا المستفيد الأميركي الأكبر من هذه الحركة حتى اكتسبت لقب «هوليوود الجنوب»، لكنها وجدت نفسها بدورها أمام منافسة دولية متصاعدة، ما يكشف أن السباق لم يعد بين لوس أنجلوس وأتلانتا أو نيويورك فقط، بل بين منظومات إنتاج موزعة حول العالم، تتحرك بينها الكاميرات والميزانيات بحثًا عن المعادلة الأفضل.
ما زال في لوس أنجلوس ما يصعب نقله
هذا لا يعني أن «هوليوود» أصبحت مجرد اسم، فلوس أنجلوس ما تزال تمتلك شبكة يصعب تكرارها في مكان آخر، من الاستوديوهات والوكالات والمواهب وشركات المؤثرات وما بعد الإنتاج إلى المحامين والممولين والموردين والمديرين التنفيذيين، كما تشير بيانات «FilmLA» إلى وجود نحو 8.3 ملايين قدم مربعة من مساحات الاستوديوهات الصوتية في المنطقة حتى مارس 2026، وهي بنية تراكمت على مدى أكثر من قرن ولا يمكن لدولة أو ولاية أن تبني بديلًا كاملًا لها بمجرد تقديم حافز ضريبي أكبر.
المشكلة أن امتلاك هذه البنية لا يضمن تشغيلها بالمستوى نفسه، فالنشاط داخل الاستوديوهات تراجع خلال السنوات الأخيرة، بينما وسعت أسواق منافسة مساحاتها وراكمت خبراتها وفرقها الفنية، لذلك لم يعد الفارق بين لوس أنجلوس ومنافسيها بالاتساع الذي كان عليه سابقًا، ومع كل مشروع كبير يذهب إلى سوق أخرى تصبح البنية البديلة هناك أكثر قوة وقدرة على جذب المشروع الذي يليه.
لماذا يختلف خروج شركة عن انتقال فيلم؟
انتقال تصوير فيلم إلى لندن أو تورونتو لا يساوي انتقال استوديو كامل، فالمشروع قد يذهب ثم يعود آخر مكانه، بينما يحمل انتقال المؤسسة معه طبقة مختلفة من الاقتصاد، الوظائف التنفيذية والإدارية والتقنية، والعقارات، والموردين، والشركات الصغيرة، والأهم مركز اتخاذ القرار نفسه، أي أن القضية لا تتعلق فقط بالمكان الذي تقف فيه الكاميرا، بل بالمكان الذي تُتخذ فيه القرارات قبل أن تصل الكاميرا أصلًا إلى موقع التصوير.
لهذا درست مقاطعة لوس أنجلوس الآثار المحتملة لصفقة «Paramount Skydance» و«Warner Bros. Discovery»، وقدّر تقرير صدر في 19 أغسطس 2026 أن عملية الدمج قد تعرض نحو 4,500 وظيفة مباشرة في السينما والتلفزيون للخطر خلال ثلاث سنوات، وأن التأثير قد يصل إلى 10,360 سنة عمل عند احتساب الوظائف غير المباشرة والمستحدثة، إضافة إلى 1.26 مليار دولار من الأجور و4.06 مليارات دولار من النشاط التجاري و547 مليون دولار من الإيرادات الضريبية المعرضة للتأثر، وهي تقديرات لدرجة الانكشاف الاقتصادي وليست توقعًا مؤكدًا بأن هذه الوظائف ستختفي.
أما الرقم الأشد دلالة في التقرير فلا يتعلق بالصفقة وحدها، إذ خسرت كاليفورنيا 52,016 وظيفة في السينما والتلفزيون منذ 2022، وتركز 99.6% من هذه الخسائر في مقاطعة لوس أنجلوس، ما يعني أن تهديد «Paramount» جاء في لحظة كانت فيها المدينة تخسر بالفعل جزءًا من القوة العاملة التي بنت مكانتها التاريخية.
كاليفورنيا تحاول استعادة ما تفقده
دفعت هذه الخسائر الولاية إلى توسيع برنامج الحوافز السينمائية والتلفزيونية، وخلال السنة المالية الأولى للنسخة الجديدة حصل 170 مشروعًا على الدعم، تقول الولاية إنها تمثل نحو 6.6 مليارات دولار من الإنفاق الإنتاجي المباشر وأكثر من 34 ألف وظيفة للممثلين وأطقم العمل، لكن المشكلة لم تعد تخص كاليفورنيا وحدها، لأن منافسيها الحقيقيين لم يعودوا ولايات أميركية فقط، بل بريطانيا وكندا وأستراليا وغيرها من الأسواق التي تقدم بدورها حوافز ومرافق وفرقًا ذات خبرة.
لهذا وصل النقاش إلى فكرة الحافز الفيدرالي للإنتاج الأميركي، وهي الفكرة التي دعمها «ديفيد إليسون» خلال 2026، قبل أن يدعو الرئيس الأميركي في 31 أغسطس إلى حوافز فيدرالية تساعد على إعادة الإنتاج إلى الولايات المتحدة، كما ظهرت حملة «Stay in LA» بمشاركة عاملين وصناع أفلام وشركات صغيرة ونقابات تطالب بجعل المدينة أكثر قدرة على المنافسة، فبالنسبة إلى العامل الذي يبحث عن مشروعه التالي لا تكفي رمزية «هوليوود» إذا كانت الوظيفة نفسها تنتقل إلى مكان آخر.
هل تستطيع «هوليوود» فعلًا أن تغادر؟
الإجابة تتغير بحسب المقصود بكلمة «هوليوود»، فإذا كان المقصود المكان الذي تُصوَّر فيه الأفلام الأميركية، فإن جانبًا كبيرًا من الصناعة غادر بالفعل، فالكاميرات تعمل في لندن وأتلانتا وفانكوفر وسيدني وبودابست، ويمكن لفيلم يحمل شعار استوديو أميركي كبير أن ينفق معظم ميزانيته الإنتاجية في اقتصاد آخر، أما إذا كان المقصود مركز القرار ورأس المال والمواهب والشبكة المهنية التي تدير الصناعة، فلا تزال لوس أنجلوس تحتفظ بكتلة يصعب تفكيكها أو نقلها دفعة واحدة.
ولهذا قد لا يأتي التغيير في صورة مشهد درامي تغلق فيه الاستوديوهات أبوابها وتغادر المدينة، بل بصورة أبطأ، فيلم يُصوَّر في بريطانيا، ومسلسل ينتقل إلى كندا، ووظائف تنمو في ولاية أخرى، ومراحل تصوير جديدة تُبنى بعيدًا عن كاليفورنيا، ثم يصبح السؤال عن جدوى بقاء المقر نفسه أقل غرابة مما كان عليه قبل سنوات، وعندما يصل هذا السؤال إلى «Paramount»، صاحبة آخر استوديو كبير داخل حي «هوليوود»، يتحول ما كان اتجاهًا اقتصاديًا إلى أزمة هوية أيضًا.
قد يبقى اسم «هوليوود» مرادفًا للسينما الأميركية مهما ابتعد الإنتاج عن لوس أنجلوس، مثلما بقي اسم «وول ستريت» مرادفًا للمال الأميركي رغم أن الصناعة المالية لا تعيش كلها في شارع واحد، لكن المكان لا يحتفظ بمكانته بالاسم وحده، فإذا استمرت الوظائف والإنفاق ومراكز القرار في التحرك بعيدًا عنه، فقد تبقى «هوليوود» عاصمة السينما في اللغة والثقافة، بينما تصبح أقل فأقل المكان الذي تُصنع فيه «هوليوود» فعلًا.

