سوليوود «خاص»
لو كانت قواعد «الأوسكار» الجديدة موجودة في 2023، لما كان قرار اللجنة الفرنسية عدم اختيار «Anatomy of a Fall» نهاية طريق الفيلم إلى جائزة «أفضل فيلم دولي»، فالفيلم الذي فاز بالسعفة الذهبية في «كان» كان سيملك طريقًا ثانيًا يسمح لصناعه بالتقدم إلى الأكاديمية حتى لو اختارت فرنسا فيلمًا آخر، وهو ما حدث بالفعل عندما فضلت اللجنة الفرنسية «The Taste of Things»، قبل أن يواصل فيلم «جوستين ترييه» موسمه ويحصل على خمسة ترشيحات للأوسكار في فئات أخرى ويفوز بجائزة السيناريو الأصلي، وهي حالة تختصر المشكلة التي حاولت الأكاديمية معالجتها هذا العام، من يملك حق اختيار الفيلم الذي يمثل سينما بلد كامل.
ففي الدورة الـ99 من جوائز «الأوسكار»، المقرر إقامتها في 14 مارس 2027، لم يعد الطريق إلى فئة «أفضل فيلم دولي» يمر حصريًا عبر الفيلم الذي تختاره لجنة كل دولة، بل أصبح هناك للمرة الأولى مساران للتقديم، الأول هو الطريق المعروف عبر لجان الاختيار الوطنية، والثاني يسمح لفيلم غير ناطق بالإنجليزية بالدخول إذا فاز بإحدى الجوائز المحددة في ستة مهرجانات، وهي «كان» و«فينيسيا» و«برلين» و«تورونتو» و«صندانس» و«بوسان»، وهو تغيير يبدو إجرائيًا في ظاهره، لكنه ينقل جزءًا من سلطة الاختيار من المؤسسات الوطنية إلى المهرجانات الدولية.
عندما كان فيلم واحد يحمل بلدًا كاملًا
لأعوام طويلة، سمحت الأكاديمية لكل دولة أو منطقة بفيلم رسمي واحد فقط، ما يعني أن عشرات الأعمال قد تستوفي الشروط الفنية للفئة، لكنها تخرج من السباق بمجرد اختيار اللجنة الوطنية لفيلم آخر، والعنوان الشائع عن «اختيار الدولة» يخفي هنا تفصيلًا مهمًا، فاللجان لا تكون حكومية بالضرورة وتختلف تركيبتها من سوق إلى أخرى، لكنها تملك في النهاية سلطة واحدة، تحديد الفيلم الوحيد الذي يعبر البوابة.
ولهذا كانت حالة «Anatomy of a Fall» لافتة، فالفيلم فاز بأكبر جوائز «كان» وحقق حضورًا نقديًا وتجاريًا واسعًا، لكنه لم يدخل سباق «أفضل فيلم دولي» لأن فرنسا اختارت عملًا آخر، وقد أثار القرار وقتها جدلًا واسعًا حول معايير الاختيار وما إذا كانت الاعتبارات الفنية والتجارية والمؤسسية والسياسية تتداخل أحيانًا في تحديد الفيلم الرسمي، من دون أن يعني ذلك وجود دليل على أن سببًا بعينه حسم القرار الفرنسي.
المهرجان أصبح طريقًا ثانيًا
القاعدة الجديدة لا تلغي اللجان الوطنية، لكنها تنهي قدرتها على إغلاق الباب بالكامل في بعض الحالات، فإذا فاز فيلم بالسعفة الذهبية في «كان» أو الأسد الذهبي في «فينيسيا» مثلًا، ولم تختره دولته، يستطيع صناع الفيلم التقدم عبر المسار المهرجاني الجديد، وإذا اختارته الدولة يصبح هو تقديمها الرسمي، أما إذا لم تفعل فيظل الباب مفتوحًا أمامه من خلال جائزته.
ولا يعني ذلك أن الفوز في مهرجان يساوي ترشيحًا للأوسكار، فالفيلم ما زال مطالبًا باستيفاء شروط الفئة، ثم المرور بعملية التصويت للوصول إلى القائمة المختصرة ثم الترشيحات النهائية، والمهرجان لا يمنحه مكانًا في القائمة، بل يمنحه حق الدخول إلى السباق أصلًا.
أول موسم يختبر القاعدة
الأثر ظهر سريعًا، فالفيلم الفائز بالسعفة الذهبية في «كان» هذا العام يستطيع دخول السباق حتى لو لم يصبح الاختيار الرسمي لبلده، كما يمكن لأفلام فائزة في «برلين» أو «صندانس» أن تستخدم الطريق نفسه، وهو ما يخلق للمرة الأولى احتمال وجود أكثر من فيلم مرتبط بالدولة نفسها داخل سباق «أفضل فيلم دولي».
وهذه النتيجة تمس فكرة قديمة رسختها الجائزة نفسها، وهي أن هناك فيلمًا واحدًا يستطيع تمثيل سينما بلد كامل، بينما الواقع السينمائي أصبح أكثر تعقيدًا، فالأفلام تُنتج عبر عدة دول، والمخرجون والممثلون وشركات الإنتاج والتمويل تتحرك بين الأسواق، وقد يصعب أحيانًا اختزال كل هذا التنوع في اختيار وطني واحد.
حتى معنى «تمثيل الدولة» بدأ يتغير
ويتفق هذا التحول مع تعديل آخر أدخلته الأكاديمية، فابتداء من الدورة الـ99 سيكون الفيلم نفسه هو المرشح رسميًا في فئة «أفضل فيلم دولي» وليس الدولة أو المنطقة، وسيتسلم المخرج الجائزة نيابة عن الفريق الإبداعي، وهي خطوة صغيرة في الشكل لكنها مهمة في المعنى، لأن الفئة تتحرك تدريجيًا من كونها مسابقة بين الدول إلى كونها مسابقة بين أفلام دولية.
وهذا لا يعني اختفاء البعد الوطني، لكنه يخفف من الفكرة التي كانت تجعل الفيلم أشبه بممثل رسمي للدولة، ففيلم واحد قد يكون إنتاجًا مشتركًا بين ثلاث أو أربع دول، وقد يأتي تمويله من أكثر من سوق، ويشارك في صناعته فريق دولي، ومع ذلك كان يختزل في اسم دولة واحدة عندما يدخل السباق.
«كان» و«فينيسيا» لا يحلان محل الدول
لكن النظام الجديد يخلق بدوره سؤالًا مختلفًا، فإذا كانت الأكاديمية تريد تخفيف سلطة اللجان الوطنية، فهي تمنح في المقابل وزنًا أكبر لستة مهرجانات فقط، أي أن جزءًا من سلطة الاختيار ينتقل من لجنة داخل البلد إلى لجنة تحكيم في مهرجان دولي، وهو ما يثير سؤالًا مشروعًا حول سبب امتلاك هذه المهرجانات تحديدًا لهذا الامتياز دون عشرات المهرجانات الأخرى حول العالم.
الأكاديمية تتعامل مع الدورة الحالية باعتبارها بداية يمكن تقييمها لاحقًا، ولذلك لا تبدو القائمة مغلقة إلى الأبد، لكن الاختيار الحالي يمنح «كان» و«فينيسيا» و«برلين» و«تورونتو» و«صندانس» و«بوسان» تأثيرًا مباشرًا لم يكن موجودًا من قبل في الطريق إلى «أفضل فيلم دولي».
سبتمبر يقدم أول اختبار حقيقي
يأتي التغيير في توقيت يجعل موسم 2026 أول اختبار مباشر له، فـ«فينيسيا» يقام في الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر، بينما يقام «تورونتو» من 10 إلى 20 سبتمبر، وآخر موعد لتقديم أفلام «أفضل فيلم دولي» هو 30 سبتمبر 2026، ما يعني أن الأفلام الفائزة في هذه الفترة تستطيع استخدام الطريق الجديد خلال الموسم نفسه.
وهنا ستظهر قيمة القاعدة عمليًا، فإذا اختارت لجنة وطنية فيلمًا وظهر في الوقت نفسه فيلم آخر من البلد نفسه فاز بإحدى الجوائز المؤهلة، فلن يعود على الثاني أن ينتظر الفئات العامة مثل «أفضل فيلم» أو «أفضل سيناريو» حتى يبقى داخل موسم الأوسكار، بل سيملك طريقه المستقل إلى الفئة الدولية.
من يمثل سينما البلد؟
السؤال في النهاية ليس ما إذا كانت الأكاديمية أضعفت الدول أو قوّت المهرجانات فقط، بل ما إذا كان مفهوم «فيلم واحد يمثل البلد» ما زال قادرًا على التعبير عن السينما العالمية كما تُصنع اليوم، فالنظام القديم منح الدول صوتًا واضحًا لكنه جعل قرار لجنة واحدة كافيًا لاستبعاد أي فيلم آخر، أما النظام الجديد فيحافظ على هذا الصوت ويضيف إليه استثناءً محدودًا للأعمال التي تحقق أعلى الجوائز في مجموعة من أكبر المهرجانات الدولية.
لن تختفي الخلافات بسبب القاعدة الجديدة، وقد تنتقل من سؤال «لماذا اختارت الدولة هذا الفيلم؟» إلى سؤال «لماذا تعترف الأكاديمية بهذه المهرجانات دون غيرها؟»، كما ستظل الأفلام التي لا تمر بهذه الدائرة معتمدة على لجانها الوطنية، لكن شيئًا أساسيًا تغير بالفعل، لم يعد هناك في كل الحالات باب واحد فقط إلى «أفضل فيلم دولي».
وربما تكون هذه هي الدلالة الأهم في التغيير، فـ«الأوسكار» لم يلغ اختيار الدول، لكنه أنهى احتكارها الكامل للطريق، ومنح بعض الأفلام فرصة ثانية عندما تقول عنها المهرجانات الكبرى شيئًا مختلفًا عما تقوله لجانها الوطنية، وبين القرارين تبدأ الفئة للمرة الأولى في الاعتراف بأن سينما بلد واحد قد يكون لها أكثر من صوت يستحق الوصول إلى السباق.
