سوليوود «متابعات»
تشهد أفلام الرعب في هوليوود مرحلة جديدة تعيد تعريف هذا النوع السينمائي، بعدما كشف صناع وممثلون خلال جلسة «الصوت الجريء لأفلام الرعب المعاصرة» (Bold Voice of Contemporary Horror) في معرض سان دييغو كوميك كون بولاية كاليفورنيا عن أبرز الاتجاهات التي يُتوقع أن تقود الصناعة خلال السنوات المقبلة. ولم يقتصر النقاش على الاحتفاء بمرور عشرة أعوام على انطلاق الجلسة، بل ركز على التحولات الإبداعية التي ستؤثر في شكل أفلام الرعب، من كسر الحدود بين الأنواع السينمائية إلى إعادة بناء التوتر، وتوظيف الفكاهة، وتعزيز الغموض على حساب الوحش التقليدي.
«أفلام الرعب» تكسر الحدود بين الأنواع السينمائية
كان الاتجاه الأول والأبرز هو التخلي عن التصنيفات التقليدية لأفلام الرعب، والاعتماد على المزج بين أكثر من نوع سينمائي داخل العمل الواحد.
واستشهدت الممثلة ديبورا آن وول بفيلم «الهبوط» (The Descent) للمخرج نيل مارشال، مؤكدة أن قوته لا ترتبط بالمخلوقات المرعبة، بل بعدم قدرة المشاهد على تحديد طبيعة الفيلم خلال جزء كبير من الأحداث. فالمشاهد يتنقل بين النجاة والإثارة النفسية والرعب القائم على الكائنات، قبل أن تتكشف ملامح العمل تدريجيًا.
وأضافت أن هذا الأسلوب كان أحد الأسباب التي دفعتها إلى قبول بطولة فيلم «الدائرة» (The Cycle)، لأن السيناريو لا يسمح للجمهور بالاستقرار داخل قالب سينمائي واحد.
ويعكس هذا الطرح تحولًا أوسع داخل هوليوود. فقد اعتادت الصناعة سابقًا تقسيم أفلام الرعب إلى فئات واضحة، مثل الرعب النفسي، والرعب الخارق للطبيعة، وأفلام الزومبي، ورعب الوحوش، وأفلام «السلاشر». أما اليوم، فأصبحت الأعمال الأكثر نجاحًا نقديًا وتجاريًا تمزج الرعب مع الدراما أو الخيال العلمي أو الجريمة أو غيرها، ليصبح الخوف جزءًا من التجربة، وليس العنصر الوحيد الذي يحدد هوية الفيلم.
ويُعد فيلم «الخطاة» (Sinners) للمخرج رايان كوغلر من أبرز النماذج على هذا الاتجاه. فقد جمع بين الرعب القوطي، والدراما التاريخية، وأفلام العصابات، والموسيقى، والنقد الاجتماعي. وخلال جلسة نظمتها «نقابة المخرجين الأميركية» (DGA)، أوضح كوغلر أنه لم يكن يسعى إلى تقديم فيلم رعب تقليدي، بل إلى استخدام الرعب وسيلة لسرد قصة عن التاريخ والهوية والذاكرة والموسيقى.
ويظهر النهج نفسه في فيلم «المادة» (The Substance) للمخرجة كورالي فارجا، الذي يمزج بين الرعب الجسدي (Body Horror) والهجاء الاجتماعي لقيم الجمال والشيخوخة. كما يجمع فيلم «رفيق» (Companion) بين الرعب والخيال العلمي والعلاقات العاطفية، بينما يقدم فيلم «أسلحة» (Weapons) للمخرج زاك كريغر مزيجًا من الرعب والغموض والتحقيق الجنائي، بهدف إرباك توقعات الجمهور وإطالة حالة عدم اليقين.
ويرى الناقد الأميركي ريتشارد برودي، في مجلة «نيويوركر»، أن الرعب الحديث أصبح أقل اهتمامًا بتقديم «وحش» واضح، وأكثر تركيزًا على خلق حالة من عدم الاستقرار السردي. كما يشير المعهد البريطاني للأفلام (BFI) إلى أن عددًا متزايدًا من أبرز أفلام الرعب يعتمد على دمج أكثر من نوع سينمائي بدل الالتزام بالقواعد الكلاسيكية.
ويعكس هذا التحول تغيرًا في علاقة الجمهور بالسينما. فالمشاهد الذي اعتاد التنقل بين الدراما والوثائقي والكوميديا وألعاب الفيديو، أصبح يبحث عن تجربة يصعب التنبؤ بمسارها. لذلك، يرى كثير من صناع السينما أن مستقبل أفلام الرعب يرتبط بابتكار تجارب تتجاوز التصنيفات التقليدية.
البناء البصري أصبح أساس صناعة الخوف
ركز المخرج ديف بويل على تحول آخر يتعلق بطريقة صناعة أفلام الرعب، مؤكدًا أن انتقاله من سينما الأكشن إلى الرعب لم يكن صعبًا، لأن النوعين يعتمدان على الانضباط البصري والدقة في التنفيذ.
وأوضح بويل أن أفلام الحركة تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين حركة الممثلين والكاميرا والإيقاع. كما أشار إلى أن تجربته في اليابان كشفت له أسلوبًا يعتمد على ترك مساحات داخل السيناريو ليضيف المخرج رسومات توضح أماكن القطع والانتقالات البصرية قبل بدء التصوير، بما يمنح تصورًا دقيقًا للفيلم منذ مرحلة الإعداد.
ويعكس ذلك تحولًا واضحًا في بناء مشاهد الرعب. فلم يعد الخوف يعتمد على ظهور مفاجئ لوحش أو مؤثر صوتي مرتفع، بل أصبح نتيجة تخطيط دقيق للإيقاع والزمن وطريقة توزيع المعلومات داخل الكادر.
ويبرز هذا الأسلوب في أعمال المخرج روبرت إيغرز، مثل «الساحرة» (The Witch)، و«المنارة» (The Lighthouse)، و«نوسفيراتو» (Nosferatu)، إذ أكد أن التحضير البصري يبدأ قبل التصوير بوقت طويل، وأن التحكم في توقعات الجمهور يمثل العنصر الأهم في صناعة الرعب.
وينطبق الأمر أيضًا على المخرج مايك فلاناغان في أعمال مثل «أشباح منزل هيل» (The Haunting of Hill House) و«قداس المنتصف» (Midnight Mass). فقد اعتمد على اللقطات الطويلة وحركة الكاميرا المحسوبة لبناء التوتر تدريجيًا، بدل الاعتماد على قفزات الفزع التقليدية (Jump Scares). وأوضح أن الرعب الحقيقي يبدأ عندما يعرف المشاهد أن شيئًا سيحدث، لكنه لا يعرف متى أو كيف.
كما تعتمد السينما اليابانية والكورية الجنوبية على الفلسفة نفسها. ويُعد كيوشي كوروساوا، مخرج فيلم «نبض» (Pulse)، من أبرز ممثلي هذا الاتجاه، إذ يستخدم الكاميرا الثابتة والمساحات الفارغة والإيقاع البطيء لصناعة شعور دائم بالقلق، حتى في غياب أي تهديد مباشر.
وتؤكد هذه التجارب أن الخوف في السينما الحديثة أصبح يُبنى منذ كتابة المشهد الأول، مرورًا بتصميم اللقطات والإضاءة والمونتاج، وصولًا إلى إدارة الزمن داخل الفيلم.
الفكاهة تتحول إلى أداة فعالة داخل «أفلام الرعب»
طرح الممثل البريطاني دان ستيفنز رؤية مختلفة، مؤكدًا أن توظيف الفكاهة لا يقلل من تأثير الرعب، بل يزيده قوة عندما يُستخدم بصورة مدروسة.
وأوضح ستيفنز أن الدعابة تمنح الشخصيات قدرًا أكبر من الإنسانية، وتجعلها أكثر قربًا من الجمهور. لذلك، تصبح لحظات الخوف أكثر تأثيرًا عندما يشعر المشاهد بارتباط حقيقي مع الشخصيات.
ويظهر هذا الاتجاه في أفلام جوردان بيل، مثل «اخرج» (Get Out)، و«نحن» (Us)، و«كلا» (Nope)، حيث تُستخدم الفكاهة لبناء العلاقة مع الشخصيات قبل تصاعد التوتر. وقد أوضح بيل أن الضحك والخوف يعتمدان على الآلية النفسية نفسها، وهي المفاجأة وكسر التوقعات والتوقيت الدقيق.
كما يتكرر هذا الأسلوب في أفلام «جاهز أم لا» (Ready or Not)، و«أجساد» (Bodies Bodies Bodies)، و«بربري» (Barbarian)، إذ تُستخدم الكوميديا والسخرية الاجتماعية لتضليل توقعات الجمهور قبل لحظات التحول الأساسية.
وأشارت مجلة «فارايتي» إلى أن نجاح الأفلام التي تمزج الرعب بالكوميديا أو السخرية الاجتماعية يعكس تغيرًا في ذائقة الجمهور، الذي أصبح يفضل الأعمال القادرة على الانتقال بين أكثر من حالة شعورية دون فقدان تماسكها.
الغموض يتفوق على الوحش التقليدي
أكد المخرج الأميركي زكريا ويغون أن الرعب في جوهره يرتبط بالغموض أكثر من ارتباطه بالوحوش. وشبّه بناء فيلم الرعب بقطعة قماش مطرزة، تظهر تفاصيلها متفرقة في البداية، ثم تكتمل تدريجيًا حتى تتشكل الصورة النهائية.
ويعكس هذا التصور تحولًا واضحًا شهدته أفلام الرعب خلال العقد الأخير. فبدل الكشف المبكر عن مصدر الخطر، أصبح صناع الأفلام يخفون المعلومات الأساسية، ويجعلون المشاهد شريكًا في اكتشاف الحقيقة.
ويبرز هذا الاتجاه في فيلم «سيقان طويلة» (Longlegs)، الذي يؤخر الإجابات الأساسية ويعتمد على تراكم التفاصيل، وكذلك في فيلم «سكينا مارينك» (Skinamarink)، الذي يحجب أجزاء واسعة من المكان والشخصيات، ويستبدل السرد التقليدي بإحساس دائم بالتيه، ليصبح أحد أبرز نماذج الرعب المستقل في السنوات الأخيرة.
وفي ضوء هذه التحولات، لم تعد أفلام الرعب الأكثر تأثيرًا هي التي تقدم الوحش الأكثر رعبًا، بل تلك التي تزرع الشك داخل عقل المشاهد، وتدفعه إلى إعادة التفكير في الأحداث حتى بعد انتهاء الفيلم.
وتشير هذه الاتجاهات مجتمعة إلى أن مستقبل أفلام الرعب في هوليوود يتجه نحو صناعة خوف أكثر تعقيدًا، يعتمد على مزج الأنواع السينمائية، وإحكام البناء البصري، وتوظيف الفكاهة، وإخفاء الإجابات، بدل الاكتفاء بالمفاجآت والصدمة التقليدية.

