خمسون عامًا من جريندايزر.. بمناسبة احتفال المسلسل باليوبيل الذهبي
عبدالرحمن الهاشم
صديقي العزيز جريندايزر – بطل الفضاء – أكتب إليكم رسالتي هذه في هذا اليوم مهنئًا إياكم بمناسبة يوبيلكم الذهبي حيث كانت انطلاقتكم إلى هذا العالم عبر أثير الشاشة الصغيرة قبل خمسين عامًا، وبالتحديد 5 أكتوبر 1975م. كما يسعدني أن أستغل هذه المناسبة لتجديد عهد الصداقة التي تربطني بك لأكثر من أربعة عقود والتي هي أقدم صداقاتي وأهم الصداقات التي أعتز بها، إذ لم تشبها أي قطيعة أو خصام أو غدر، وانتقلت إلى إخواني الأصغر سنًا وابني الذي يبلغ اليوم 19 عامًا تقريبًا.
أتعرف، لقد كنت الصديق الوحيد الذي لم تخيب ظني بك، أو تكون دون مستوى عشمي بك، فلم ألجأ إليك يومًا من الأيام إمّا لحزنٍ عصف بي أو مللٍ تسلّل إليّ إلّا وقد استمتعت بقضاء الوقت معك وتركتك وأنا في حالٍ أفضل، بل ربما أكون قد نسيت الحزن الذي دفعني للجوء إليك. كنت أغادرك وأنا أتغنّى بالألحان العذبة التي كانت تزين خلفيات مشاهد المسلسل، أو أحاول تقليد أصواتٍ وعباراتٍ لشخصياته، بل وحتى صوت تحركاتك وأسلحتك وصوت وقع قدميك على الأرض، ولعلي أنسلّ إلى غرفة نومي وأسارع بإخراج قلم الرصاص وكراسة الرسم لأبدأ برسمك ورسم شخصيات المسلسل، فلقد كان إعجابي بك وبتفاصيلك المحرّك والدافع الأول لي لتعلّم وحب الرسم. تلك الهواية التي ومع الأسف اندثرت مع الانشغال في هذه الحياة والتقدّم في العمر.

إن صداقتي بك مكسبٌ تعلّمت منه الكثير، فقد سمعت وتعلّمت وأنا ابن الخمس سنواتٍ مع أقراني ممّن نشؤوا على متابعتكم النطق والتحدّث باللغة العربية الفصحى بثقةٍ وطلاقة من خلال الحوارات التي كانت تدور بين أعضاء فريق الدبلجة والذين هم من روّاد عصرهم في الإذاعة والإلقاء، ومن خلال أغنيتي شارتي البداية والنهاية اللتين صدح بهما الراحل سامي كلارك وما زالتا إلى اليوم تحرّكان فينا الحنين إلى ماضٍ جميل وتقدحان فينا مشاعر الحماسة والشجاعة.
لقد تعلّمت عددًا من المظاهر الكونية كالكسوف الشمسي، وتأثيره على أجهزة البث والإرسال على الأرض، وظاهرتي المد والجزر ودور القمر فيهما، وخطورة ارتفاع منسوب مياه البحر على الحياة على كوكب الأرض، إضافةً إلى ذلك سرعتي الضوء والصوت. تعرّفت على اليورانيوم والطاقة النووية والأقمار الاصطناعية وأهمية مشاريع الفضاء في خدمة الحياة على الأرض وحمايتها.
ولكن الأجمل يا صديقي كانت تلك القيم والمثل الإنسانية العليا والتي كما كانت تؤكد على أهمية التقدّم العلمي فهي تؤكد على أهمية تسخيره لأغراض الخير كخدمة البشر وحماية الحياة على الأرض، وتحذّر من وقوع تلك العلوم بأيدي قوى الشر والضلال. تعلّمت مبدأ الإيثار وأهمية تضحية الفرد لحماية الجماعة وتأمين سلامتهم وأمنهم. فمن منّا لا يتذكر دورك في حماية تلك البلدة الصغيرة المكسوّة بالثلوج والواقعة أمام جبلٍ ضخم كان وحش فيغا يحفر طريقًا بداخله وكنت تقف أمام الجبل ثم تغطيه بجسدك في مشهدٍ مهيب لتصد الوحش عندما يخرج وتمنعه من اجتياح البلدة وتدميرها. وبعد ذلك قاتلته ودمرته في معركةٍ ملحمية من أجمل معاركك.
ولكن تلك الحادثة لا تمثّل شيئًا أمام تضحيتك بحياتك مرتين، أجل! مرتين من انفجارين نوويين! ففي الواقعة الأولى حملت القنبلة التي وُضعت وسط مدينة طوكيو بغرض نسفها وخلال أقل من خمس دقائق طرت بها إلى خارج مجال الأرض الجوي حيث انفجرت في الفضاء الخارجي. والواقعة الثانية كانت عندما حملت صاروخًا نوويًا وطرت به بسرعتك القصوى إلى الفضاء الخارجي موجهًا إياه نحو ذلك القمر المظلم الذي وجّهته قوات فيغا المتحالفة نحو الأرض والمشبّع بالإشعاعات والمخلفات النووية الضارة، لينسف ذلك الصاروخ القمر المظلم قبل دخوله المجال الجوي الأرضي ويتسبب بالقضاء على الحياة فيها بشكلٍ كامل. في كلا الحادثتين لم يسعفك الوقت للخروج من مجال الانفجارين مما تسبب في دفعك نحو الأرض والسقوط بسرعةٍ هائلة مرة على الأرض ومرة في البحر.
ولا يمكن الحديث عنك يا صديقي الحديدي بدون التحدّث عن شجاعتك وصلابتك في مواجهة الأعداء، فعندما تواجه خصمًا فإنك تواجهه بلا خوفٍ ولا تردد بل تنطلق بالسرعة القصوى نحو أرض المعركة لمواجهة الخصوم مهما كثر عددهم وعتادهم، ومهما قلّ عتادك وعدّتك. لقد كانت إحدى أبسل معاركك وبطولاتك عندما احتل القائد بلاكي مركز الأبحاث بجيشٍ تقوده العربة الأم وثلاثة من وحوش يوفو وعدد لا يُحصى من مركبات مينيفو، بينما أصبت أنت بعطلٍ وتم إخفاؤك وإصلاحك داخل كهفٍ لتخرج بشكلٍ مفاجئ وتنقذ الآنسة هيكارو وتبيد ذلك الجيش الضخم عن آخره وتسجل بطولاتٍ جديدة بتدمير العربة الأم التي كانت رمزًا لقوةٍ وهيمنة قوات فيغا المتحالفة ومقتل القائد بلاكي، وإلحاق ضررٍ بالغ بالقائد غندال.
ومن لا يذكر مواجهتك مع القائد غورمان – من حرس فيغا الخاص – التي كان خوضها بمثابة موتٍ محقّق نجوت منه بأعجوبةٍ كشفت خبث وخياناتٍ وأنانية العدو المتغلغلة حتى بين قياداته. ذلك العدو الذي لا يشبهك بشيء في روح القيادة لديك والتفاني والعمل بروح الفريق الواحد، والذي تعلّمت منه أن لكل عضوٍ من أعضاء الفريق دورًا حيويًا في زيادة قدراته وتمكين انتصاره، وألا تستقلّ من هو أقل منك قوةً وإمكانية لأنه قد يكون سببًا رئيسيًا في عملية انتصار قد لا يستطيع تحقيقها الأكبر والأقوى. وهذا ما نراه جليًا عندما اتحدت مع سبيرز الفضائي، والملاحي، والثاقب فكل منها مختصّ بمجال دعمك بقدراته القتالية المتخصصة بشكلٍ أكثر فتكًا وفعالية. لم تكن تستأثر بلحظة الانتصار لنفسك فلقد رأينا في العديد من المعارك كيف كنت تعطي المجال لأعضاء فريقك الفرصة للإجهاز على العدو حتى يعيش الجميع لحظة الانتصار ويعيش نشوتها.
والحقيقة فإن من أجمل اللحظات الإنسانية التي قلما رأيتها في أعمالٍ أخرى هي استخدامك لراحتي يديك لتتلقّف عددًا من السيارات بينما كانت تسقط من الفضاء وتضعها بعنايةٍ ولطف على الأرض لئلا يتأذى ركابها. راحتا يديك اللتان اجتمع فيهما الأصدقاء وأخذوا يرقصون زهوًا وفرحًا بانتصارهم على العدو. راحتا يديك الحديديتين حملتا عاشقين التقيا عليهما أمام غروب الشمس لتسجلا لحظاتِ حبٍّ لا تُنسى وتكون أنت وحدك الشاهد عليها.

والأروع من كل ما ذكر، هو وقارٌ وجلال يتوجهما هدوؤك وصمتك. أنت تذهب إلى ساحات النزال، ومناطق الكوارث، تقاتل وتنقذ وتساعد، وبعد إتمامك مهمتك بنجاح تنطلق إلى داخل سبيزر لتحملك نحو غروب الشمس بصمتٍ دون أن تلتفت إلى الخلف بانتظار مديحٍ أو ثناءٍ وشكرٍ من أحد، تنطلق نحو الغروب في مشهدٍ مهيب معلنًا به نهاية خطرٍ وواعدًا بغدٍ مشرق أكثر أمنًا وتفاؤلًا.
أنت حقًا نموذجٌ خالد للفارس النبيل لكل الأجيال في مختلف الأزمان والثقافات.
تحياتي القلبية لك، ويوبيل ذهبي سعيد.
عبدالرحمن الهاشم


مقال رائع رجعت بنا إلى زمان وعشنا اجمل لحظاته
رائع ومعبر 😍😍
ابني عبدالرحمن : استمتعت بقراءة مقالك الجميل وتشوقت لإعادة مشاهدة المسلسل بعد حديثك عن مضمونه وأهدافه الخيرة. فتصويرك للشخصيات وأدوارها جاء واضحاً ومشوقاً وكنت اتخيل كل حركة فيه وكأنه معروض أمامي ولن يكون كذلك لولا صدق المشاعر ودقة التصوير وانتقاء الألفاظ. دام قلمك سيالا وننتظر المزيد.
بأسلوبك المميز قدرت تنقل لنا روح شخصية قراندايزر ليس فقط كرمز بطولي، بل كقصة تلهم جيل كامل عن القوة، الشجاعة، والولاء.
استمتعت بكل سطر، وكأننا عدنا لأيام الطفولة الجميلة ونحن نتابع البطل الذي لا يُقهر،قلمك فعلاً أبدع في إبراز المعاني العميقة خلف هذه الشخصية الأسطورية
أخذتني هذه المقالة في جولة جميلة اعادة ذكرى الطفولة و كل ما صاحب فتره إنشار و شهرة قراندايز .
بلاشك بعد هذا السرد الرائع من الكاتب و إحياءه لأهم المحطات و الأحداث و الإضافة الثقافة، ثبت لدي شيء مهم و هو دور هذه الشخصية في تشكيل جزء مهم ذاكرتي و ذاكرة جيلي، و خلق الشغف بالثقافة العلمية.
شكراً للكاتب و متشوق اكثر لمعرفة الخلفية لهذا المسلسل و تحديداً اثر الحرب العالمية الثانية.