منيرة الحمادي
السماء تمطر أدمغة.. وهكذا تتوالى الهلوسة إلى نهاية الفيلم في سياق كل جزء منه يتبرأ من الجزء الذي يسبقه، حتى نصل إلى صوت المطرقة وصمت الأشخاص وروحانية المطر وسراب امرأة وهلوسة مريض. كل جزء منه يمثل لوحة رمزية يتوقف عندها الذهن، في حين أنه كان يفترض أن نكون أمام قصة تعالج قضايا فكرية وثقافية في مرحلة تاريخية محددة، وهذا موضوع كبير جدًا بالنسبة للشكل الذي تم طرح الفيلم من خلاله، لكن كان – على الأقل – يجب أن يظل في مستوى معين لقراءة المشهد الاجتماعي، ولم يكن الأمر بحاجة لكل هذه الرمزية المبالغ بها للتحايل على غياب القصة «الحدث الحقيقي»، حتى الحوار كان بسيطًا وموجزًا ولا تتكئ عليه الرموز المنثورة طوال وقت الفيلم. «أغنية الغراب» عبارة عن سديم رمزي، تتكاثف الرمزية في مركزه بطريقة مبهرة وجذابة لوهلة، لكن سرعان ما يحجب هذا السديم الرؤية، ويبقى السؤال: ما شكل الرمزية الناجح؟
في رمزية الفيلم لا نبحث عن أحجية أو سر أو هذيان، نبحث عن فن إخفاء المعنى خلف شيء لا علاقة واقعية أو مباشرة به. في الحقيقة نبحث عن تدرجات المعنى للأفكار غير المجسدة، كالحرية والعبودية مثلاً! هناك عنصران رئيسيان للرمز: المحتوى والشكل، لكي يكون الرمز ذا معنى، يجب أن يكون المحتوى الخاص به مرتبطًا بالفيلم وأن يكون ذا صلة به. أما بالنسبة للشكل، فما هو الرمز نفسه؟ لكي يكون الرمز «جميلًا»، بمعنى متعلقًا بالفن «حتى يكون جذابًا»، يجب أن يكون الرمز شيئًا غامضًا بعض الشيء بحيث لا نفهم العلاقة من أول مرة، وليس واضحًا جدًا بحيث نلتقطه مباشرة.
يقول تاركوفسكي: أعتقد أن الرمز والحكاية يسرقان الفنان. المبدع يُوَّلِد الصور التي تقوم بالتعبير وتكشف عن الحياة في حقيقتها وما هي عليه بالفعل. هذه الصور ليست «خرافات أيسوب». هذا الأسلوب في العمل سيبدو بدائيًا ليس فقط بالنسبة للفن المعاصر، لكن لأي فن عبر العصور. تتوفر الصورة الفنية على معانٍ لا نهائية تمامًا مثل الحياة التي تحمل معاني لا نهائية. والصورة عندما تتحول إلى رمز تصبح غير قابلة للتحليل.. لذلك، يجب أن يحتوي الفيلم على حكاية، الحكاية التي تمثل الإبداع الحقيقي الذي يكون الرمز مظهرًا من مظاهره، لا أن يكون الرمز هو كل الحكاية. وعنصر مهم آخر هو السياق، وهو تنفيذ الرمز بالطريقة الحقيقة التي يظهر بها على الشاشة. إن عرضته في سياق عشوائي، فهذا الرمز قد لا يعني شيئًا عند الكثير من المشاهدين، والأمر ليس ممتعًا على الإطلاق.
فبالطبع من المستحيل تحليل العمل الفني فكريًا أو عقليًا فقط؛ لأن الحدس وليس العقل هو الذي يستوعب جمال العمل الفني أولاً.. لكن يجب أن يظل على مستويات متفاوتة من الترابط المعنوي حتى لا يفقد الرمز قيمته، ويصبح وكأن الأمر يحتاج للوصول إلى معنى مختلف تمامًا عن المقصود وفي لحظة لاحقة، ويأخذ المعنى الرئيسي يفر أو يحيد تمامًا عن مكانه الصحيح، وهذه تخلق فوضوية وتشتت عند المخرج ويشعر بمأزق رمزي لا يقوده إلا إلى رمز آخر.
على كل حال، لسنا بحاجة لقلم روجر إيبرت لننقد الفيلم، فالمشاهد العادي يرى بوضوح عدم قدرة الفيلم على تجسيد عناصر الرمزية بشكل سينمائي إبداعي، وإن العمل لم يبدو كشبكة متماسكة وصلبة، كان مهلهلًا وضعيفًا. هناك الكثير من المقالات التي تُشبه أسلوب المخرج اليوناني لانثيموس، التشبيه من ناحية الرمزية العالية طبعًا والغموض، وهذا صحيح، لكن شتان بينهما. لانثيموس ليس مخرجًا عظيمًا، لكن كانت بين يديه قصص نشاهدها، أشخاص وحوارات. أستطيع، مثلاً، أن أخبركم ببساطة عن قصة فيلم «ناب الكلب» أو «مقتل الغزال المقدس»، لكن في «أغنية الغراب» لا شيء أحدثك عنه غير أن البطل وكأنه تناول عقار هلوسة وأخذ يهيم على وجهه.