نور هشام السيف
لطالما ارتبط الشعور بالوحدة لدى الفرد مع مرور الزمن بفكرة كونه سلوكًا معاديًا للمجتمع؛ وهو ما يفاقم الميل نحوها كخيار مجاني للعيش بوصفه تعبيرًا أحاديًا، ومشاعر داخلية، وانعزالاً مقبولاً في محيط يكاد يكون مكتظًا بالتساؤلات والانحدارات الذاتية عن الواقع، وعن موقع الفرد في فضائه.
فالفردانيون في محيطهم يركنون إلى زاوية الظل، لأنهم يخشون ألا يتقنوا اللعبة الاجتماعية، والخوض في هذه اللعبة قد يحيلهم إلى نزع الاعتراف الوجودي بهم؛ لذا تراهم يختزلون الآخر ويحصرونه في إثبات هذا الدور المعز.
وهذه التركيبة النفسية تعدُّ الركيزة الأساسية في العديد من الأفلام السعودية التي تم عرضها، مؤخرًا، الأمر الذي يتحوَّل بنا إلى تفسيرها وقراءة دلالتها ومقاصدها، والبحث في تكاثفاتها التعبيرية التي قد تؤثر في تركيبة الأفلام التقنية والفنية.
الوحدانية بين الواقع والسينما
شخصية «الفرد المأزوم» وإحساسه بالاغتراب، هي شخصية ذات جاذبية سحرية في السينما لمساحتها الشاسعة في نقاط التحول، ومفاتيح لخبايا الإشارات والتحولات النفسية والشعورية والتواصلية.
بينما على مستوى كتابة سرديتها الداخلية تظهر على العكس تمامًا، فهي ترى نفسها أقل شأنًا وكفاءة وجاذبية من الشخصيات المحيطة بها.
وقد أفرزت السينما العربية في الثمانينيات والتسعينيات، أهم الأعمال السينمائية في تقديم صورة الفرداني المأزوم لعلَّ أبرزها ثلاثية «وحيد حامد، عادل إمام، شريف عرفة».
استحضار هذا المثال هو تأكيد على أن الخلطة قد لا يكتمل توازنها دون صبغها بالفكاهة السوداوية، وسنلحظ هذا التقاطع مع ملامح الفيلم السعودي الجديد.
في المقابل نستدل أيضًا على المستوى العالمي بالفرد المتوحد في أفلام المخرج الأميركي «مارتن سيكوريزي»؛ إذ نستطيع التقاط ذلك التأثُّر بشكل جلي على تجارب بعض المخرجين السعوديين.
شخصية فردانية أم وحدوية أحادية؟
شاركت السينما السعودية، بدعم من هيئة الأفلام السعودية، في النصف الأول من هذا العام، في مهرجانات دولية ومحلية بشكل متوالٍ، قدَّمت خلالها أعمالاً سينمائية منوعة في الطرح سلَّطت الضوء عليها كتجارب سينمائية خاصة وذات خصوصية.
عرض بعضها في مهرجان مالمو السينمائي في السويد، الذي أقيمت دورته 13 في شهر أبريل الماضي، تمَّ فيها عرض الأفلام الطويلة، ضمن برنامج «ليالٍ عربية”، في مدينة كبنهاجن، بينما عُرضت البقية ضمن برنامج الأفلام القصيرة. ثم يليه مهرجان الأفلام السعودية في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء” في دورته التاسعة. ويعدُّ هذا المهرجان، منذ نشأته، الحاضن الأكبر للتجارب السعودية الوليدة.
ثمة فارق في هوية الأفلام بين المهرجانين بالطرح والصورة والسرد والإيقاع، لكنها تتشابك وتنصهر في فكرة الاغتراب الداخلي وسط غمرة العالم الصاخب.
من أبرز هذه الأفلام المشاركة نذكر: عثمان، رقم هاتف قديم، المدرسة القديمة، شريط فيديو تبدل، أغنية الغراب، عبد.
وبعيدًا عن الهنات ونقاط الضعف وجدلية الترشيح وحصر الجوائز، نحاول أن نفكك في السطور التالية ملامح الشخصية الوحدانية في هذه الأفلام، وهل هي حقًّا هم موحَّد بين المخرجين.
«عبد”.. الوحدانية في إطار خيال علمي
«عبد» هو فيلم روائي طويل للمخرج منصور أسد. العرض الأول له كان في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، والعرض الثاني في مهرجان الأفلام السعودية في دورته الأخيرة. عنوان الفيلم يخلو من فخ التلاعب بين مزدوجي «الاسم والمعنى» كما درجت العادة في تاريخ الأفلام العربية، فلا يوجد بطل يُدعى «عبد»؛ لكن انتقالاته الشخصية في أحداث الفيلم تحيلنا إلى الفكرة المباشرة نحو هوس نيل الرضا من المجتمع، فيتحول بلا إدراك منه إلى عبد يعيش دون أن يحيا. العمل يدور في زمن الرقمنة، وهذا عامل رئيسي في أزماتنا الوجودية في عصرنا الحالي. البطل «صقر» يقتات على عبارات الإعجاب والشكرانيات لاكتمال النواقص، ويقع بسرعة في هوَّة الكآبة أمام مواجهة النقد والهجوم العشوائي.
شخصية «صقر» رغم زواجه وارتباطه العائلي، شخصية وحدانية بحكم الدوامة التي يعيش فيها، ونما معها السخط والتململ والاحتجاج. ولكونه مرتبطًا بالتعلق نحو هدف واحد، فلا يمكن التنبؤ بأفعاله التي قد تصل إلى العنف مع شخصية مرادفة له في الوحدة، لم تعد تلبي احتياجاته الوهمية من خلال السفر عبر الزمن؛ فتصل ذروة الوحدانية بانتفاء أسباب الحياة حتى تسيطر عليه فكرة الانتحار. الوحدانية هنا مضحكة مبكية لا تتوقف عن تكرار المشهد مرارًا، والهوس في بلوغ الهدف، وكيفية إخفاقه.

«المدرسة القديمة”.. الوحدانية في المسافة ما بين قبل وبعد
الفيلم من إخراج عبدالله خميس. العرض الأول كان في مهرجان مالمو في دورته الأخيرة، حيث شارك في مسابقة الأفلام القصيرة في مهرجان الأفلام السعودية.
يعود البطل بعد انقطاع طويل عن عمله ليصطدم بنمط جديد في نظام بيئة العمل، وتغيير شامل في التوظيف، إذ يظهر خليط من فتيات وسيدات يترأسن مناصب تنفيذية.
الصورة المشهدية لا تُظهر لك «ما قبل»، لكنها أسقطت كل آثارها وتراكماتها في شعور الوحدانية السلبية المتذبذبة لدى الموظف الخجول، وهو يخشى مواجهة اختلاط اجتماعي في عمله، ويخاف من هذا الخوف أيضًا. يتخطى الذبذبة، يُقدم على أسلوب المجاراة الحديثة؛ فلا تسعفه وحدانيته في رفع الدرجات المنخفضة من الانفتاح والوئام والحداثة. وقد شعر بتكرار المواقف وغرابتها أنه الأقل شأنًا وجاذبية وكفاءة، فكانت صرخة الاحتجاج الكبرى في غرفة الاجتماعات هي ختام المشهد كردة فعل على اللافعل.

«عثمان».. الرسائل الذهنية الصامتة
الفيلم من كتابة وإخراج خالد زيدان، وبطولة أحمد يعقوب. «عثمان» شارك في محطات متنقلة أبرزها العرض الأول في مهرجان أفلام السعودية، ثم مهرجان البحر الأحمر السينمائي، ومهرجان مالمو ضمن برنامج عروض الأفلام القصيرة، وصولاً للمحطة الأخيرة في فعالية «ليالي الفيلم السعودي» في أربع مدن فرنسية.
«عثمان» الشخصية المحورية في الفيلم، رجل أمن يعمل في مستشفى في مدينة جيزان. في «عثمان» وحدانية ممزوجة بإحساس المزاجية والعدم، لكنها تخلو من النظرة الدونية للذات. له طقوسه الخاصة، فلا شيء يساوي لحظة امتلاء ثلاجته بعصير المانجا، علاوة على ذلك في عيني «عثمان» رسائل ثابتة يقضي معظم وقته في تأليفها ذهنيًا كلَّما صادف موظفي المبنى.
تلك الرسائل تستطيع أن تقرأها أيضًا في الواقع من خلال سائق التاكسي، وموظف السكك الحديدية المختص بتحصيل تذاكر الركاب، وقاطع تذاكر السينما، وكل من يعيش على هامش المجتمع ويلتقي مجبرًا بالأجناس المتباينة.
منذ بداية الفيلم والمخرج يمضي فوق مسار محمي من الثرثرة، بهدف شرح مآلات ما حدث لعثمان وما سيحدث بعد ذلك، وكأنه لا يريدنا أن ننفصم عن وحدته التي ألفناها كما هي وتوحدنا معها؛ فيختزل معطيات المشهد الآتي بنصوص قصيرة تسبقه مثل: – مكيدة: ما يدبر للآخرين خفية -. وفي نص تعريفي آخر يقترب من النهاية – الهجرة: خروج من أرض إلى أخرى سعيًا وراء العمل -.

«أغنية الغراب”.. الوحدانية كتجريب فلسفي
كتابة وإخراج محمد سلمان، وبطولة عاصم عواد. تم العرض الأول في مهرجان البحر الأحمر، وانطلق بعد ذلك في جولة من المهرجانات الدولية، وصولاً إلى مهرجان الأفلام السعودية في دورته المنقضية.
في حين أن التجارب المذكورة – آنفًا – لا تتعاطى مع الحب والوله كحالة شفائية من الوحدة نراها هنا كخيط درامي رئيسي في محرك الأحداث يظهر البطل «ناصر” في تجريب فلسفي تتزامن فيه الوحدانية مع المرض، مع صفة البلاهة؛ فتصبح المسألة أكثر تعقيدًا في التعاطي مع ما يدور حولها، وما يدور داخلها. الوحدانية التي تنشد الخلاص في طيف فتاة على هيئة ملاك حالم، هي ذاتها مرادف بصري لمعنى الحب! والشعور الأكثر امتلاء هو أنك – تحتاج أن يحتاجك الآخر – شعور يطيب الخاطر ويعيد للروح مهجتها وطاقتها الكاملة؛ لأجل هذا كله يؤسس البطل لمسافة فاصلة بين الوهم واليقين. ولكن كلَّما اقترب تعذَّب في انسلاخه من وحدته واضطرابه من فردانيته، وتخبط بسبب بلاهته.
الوحدانية هنا بأشكالها المتطرفة يرافقها صديق البطل؛ لتوازن تلك الصفات بتطرف مضاد من إقدام وشجاعة وعشوائية وثرثرة ورعونة، وروح وهّاجة ساخرة تدفعه نحو الأفعال، بينما يستأنس في خيالاته لحالة الحب الأفلاطونية المتجانسة.

«شريط فيديو تبدل».. الوحدانية في صورة مبهجة
تأليف وإخراج مها الساعاتي. العرض الأول في مهرجان البحر الأحمر ومهرجان أسوان لأفلام المرأة، ثم مهرجان الأفلام السعودية هذا العام.
لا سوداوية قاتمة في فكرة تتسم بالطرافة والبهجة. الوحدانية هنا تنحصر في أزمة العامل الشكلي؛ البطل «إياد» يرغب في بناء ثقته بنفسه المهزوزة بسبب لون بشرته، ويرنو إلى كسب إعجاب صديقة شقيقته «مشاعل»، وهي تكاد تكون الفتاة المتاحة في روتينه الاجتماعي تبعًا للسياق الزمني والعرف السائد في فترة الثمانينيات.
الحكاية ببساطة هي لعبة لاصطياد «القبول»، ولكن حتى في قوانين اللعبة ثمة انسحاب تلقائي قد يحدث عندما يضعف الخيال. فكان مفتاح كلمة السر «المغني كروان» معشوق المراهقات.
لأجل هذا تولد المغامرات، ولأجل هذا يخرج المرء من وحدته وخيبته، فلا يكتفي أن يرتدي ملابس الآخر، بل يرتدي الآخر كله! «من إياد إلى كروان» بشكل لا يخلو من الاحتيال يعرض ذاته المصطنعة في شريط فيديو، فيتبدل الشريط وتنتهك وحدانيته بطريقة مباغتة مصاحبة بتنمر وتهكم شاسعين. بينما تشكل الوحدانية انتماء طبيعيًا لشاب مهزوز الثقة، لا ينفك يتقمص شخصية أخرى بنتائج قاسية تفضي لاحقًا إلى وحدة مضاعفة.

«رقم هاتف قديم».. وحدانية منتصف العمر
كتابة وإخراج علي سعيد، وبطولة يعقوب الفرحان. العرض الافتتاحي لمهرجان الأفلام السعودية العام الماضي، ثم انتقل إلى محطات عدة منها: مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية، ومهرجان مالمو السويدي، وصولاً إلى سينما الصندوق الأسود لمؤسسها نواف الجناحي، على هامش معرض الكتاب في أبوظبي.
على عكس الشائع في ملامح البطل المأزوم في التجارب السابقة، يبقى «رقم هاتف قديم» الاستثناء الوحيد خارج إطار مجموعة الكوميديا السوداء.
قدَّم المخرج نصًا شعريًا عن حالة الالتباس القصوى التي انتابت البطل «حامد»، وتمركزت المشاهد في إظهار تفصيلات مبنية على عزلة اختيارية حادة؛ إذ لا أصدقاء، ولا أهل، ولا أنيس في رحلة الطريق الخوف المغلف بالأمان السطحي، بينما في باطنه هو سلاح لذكرى منسية أخرى، تتحكم به شخصية مسكونة بالقلق والاكتئاب يعقد لسانها عندما تسمع صوتًا أنثويًا عبر جهاز جرس البناية: من الطارق؟.. فيسود الصمت حيث الكلمات المنطوقة، وإن كانت تتضمن إجابة محددة وقصيرة، فهي تولِّد إحساسًا طفيفًا بالالتزام، كفيلاً بهدم حطام العزلة.
قياسًا على نماذج الأفلام السعودية التي طرحناها، يبدو العامل النفسي الداخلي، عاملاً مشتركًا في التعبير الجوَّاني الذي يبدو مزيجًا متكاملاً في النسق التصعيدي للأحداث والعلاقات التي تترك للمتلقي دوره الشاسع في الحكم بين المشاركة في التعاطف والتساؤل والرغبة، وفي كسر حواجز تلك الوحدة من خلال الانفعال.


