سوليوود (قراءة خاصة)
غالبًا ما تتداخل الأيديولوجيا والسياسة في السينما بشكل متعمد، رغم أن كلاهما يبدو منفصلاً عن الآخر في الواقع، ولكن الأمر كثيرًا يتعلق بقطاع من صانعي الأفلام من ذوى الميول السياسية، فإن أفلامهم تهدف إلى إظهار كيف تتشابك الأيديولوجيا والسياسة في حياه الناس، وكيف تؤثر على أسلوب حياتهم، لكن صناع أفلام آخرون يرفضون هذا الربط ولا يقبلونه. وشوهد على كل من المستويين العالمي والإقليمي، وجود محاولة من جانب الكثيرين للهروب من السياسة، إمَّا بسبب حالات الفوضى والإرهاب، التي يعيشها عالم اليوم، أو بسبب الشعور بالظلم وازدواج المعايير الواقع على منطقتنا.
بملاحظة التاريخ والسير الذاتية لبعض كبار رجال ونساء السياسة، تبين أن العلاقة الوثيقة بين السياسة والتمثيل ليست بالحالة الفردية، ولكنها تتكرر بطريقة كبيرة بحيث تصبح تقريبًا ظاهرة اجتماعية. كمثال لعلاقة وثيقة بين السينما والسياسة، حيث ظاهرة الرئيس الأميركي الأسبق، رونالد ريجان، ليست حالة فردية، ولكنها “تجسيم” أو حتى تتويج لهذه العلاقة الوثيقة بين السينما والسياسة، حيث شارك ريجان خلال 28 عامًا في تمثيل 53 فيلمًا قبل أن تمتزج حياته السياسية بأروقة الحزب الجمهوري سنة 1966 ويقوم بحملة ضارية لتطهير الحزب. وكان ريجان الذي اتجه إلى السياسة بعد اشتراكه في التمثيل السينمائي خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، في الحقيقة أصبح في سنة 1947 رئيس نقابة الممثلين الأميركيين، وكان نجاحه في هذا المضمار بالدرجة التي مكنته من الفوز برئاسة النقابة ست مرات.
وفي نفس السياقات، يمكن القول بأن السينما والسياسة بينهما غزل رفيع المستوى، فمنذ أن عرفها العالم باتت أهم وسائل الجذب والتأثير الجماهيري. ويشار هنا إلى السبق الذي حققه “أيزنشتاين” مخرج فيلم “المدرعة بوتمكين”، و”شارلي شابلن” بفيلميه (العصر الحديث – الديكتاتور العظيم) في دفع السينما إلى مسار النقد السياسي وأيضًا الاجتماعي والأخلاقي.
والانبهار الذي أحدثته السينما في المشاهدين من الإحساس بالحقيقة، كان يعد سببًا أوليًا في انطلاق واقعية روما، من خلال المخرجين الإيطاليين (فيلليني، وأنجلو أنطونيوني، وروسيلليني، وفيسكونتي، وفيتوريودي سيكا)، ويتبعها ظهور موجة جديدة في فرنسا، وإنجلترا، والبرازيل، ويوغوسلافيا، وبولندا، وألمانيا، وتركيا، واليونان، وإسبانيا، وعبر هؤلاء بزغ النقد السينمائي للواقع السياسي والحياتي، حينما كانت السينما تساعد القوى السياسة في تغيير العقل البشري من التفكير إلى الانشغال بأفلام غزت العالم.
وبتراجع إنتاج الأفلام السياسية، ظهرت أفلام الخيال العلمي التي تتوقع أحداثًا لم يكن لأحد أن يفكر فيها، فتعطي أفكارًا جاهزة بكل تفاصيلها لمن يريد أن يقلدها، ولن نبالغ إن قلنا إن هذه الأفلام نجحت – جزئيًا – في استمالة قوى سياسية لكي تقلدها في الواقع. ففي الماضي، كان المخرجون عندما تحيط بهم أزمات الرقابة والسياسة يهربون إلى السينما التسجيلية، ودخلت في تنافس مع الأفلام الروائية في الإقبال الجماهيري والإيرادات، لتبدو العلاقة بين السينما والسياسة غرامية لنرى “السينما تقلد السياسة وتساعدها.. والسياسة تقلد السينما وتتفوق عليها”.
وعند الحديث عن السينما والسياسة، يجوز لنا أن نتحدث عمَّا تقدمه السينما للقضايا الوطنية، وهو حديث مشروع يستمد مشروعيته من اعتبارين: أولهما الاعتبار الوطني الذي يجعل للوطن حقوقًا على كل الفاعلين مهما تنوعت انشغالاتهم وتعددت مجالات فعلهم وتأثيرهم فيما يتعلق بالقضايا المصيرية التي يدور حولها الوجود والمصير، وتدور حولها كرامة المواطنين داخل الوطن وخارجه. والاعتبار الثاني مؤسس على أهمية الفعل السينمائي في عرض القضايا بأسلوبه الخاص، وصناعة الوعي وبناء الشعور الوطني، ورفع معنويات الناس للتعاطي مع القضايا التي يعرضها عليهم تجنيدًا وتحفيزًا، مقاومة أو اقتحامًا.
واستنادًا على هذين الاعتبارين، نشير إلى طرح الأول ملف الحقوق التاريخية للشعوب في أراضيها، تحت أي مسمى كان، أنتجه الفاعل السينمائي تجلية للحقائق التاريخية، وتعزيزًا للذاكرة الوطنية وحفظًا لها من التلاشي والضمور، ومن ثم فإن إنتاج عمل سينمائي ضخم يجعل أجيال الشباب المتعاقبة على أمانة تدبير شؤون هذا الوطن، يعيشون الحدث من مدخل الفعل السينمائي، بعد أن فاتهم معاينته والتفاعل معه لحظة إنجازه.
فمن غير السينما اليوم، يستطيع استرجاع الحدث في تفاصيله وشموخه ومجده وعنفوانه، وتحديدًا الأعمال السينمائية ذات العيار الثقيل، لتكون مادة لبناء الوعي الوطني المترهل ورفع الهمم الهابطة، وتكون أسلوبًا غير مباشر في انتقاد إيجابي بناء وتربوي تأهيلي للمعنويات والأنانيات والرداءة التي تعم سياستنا وثقافتنا وتعليمنا؟
ما يهمنا هنا، ويجب أن نضعه نصب أعيننا أولًا، أن الانطباعات الشخصية كثيرًا ما تتداخل في القضايا الأيديولوجية، عندئذ فإنه يكون لدينا أمران يستحقان التوقف عندهما: أولهما هو المنظور الشخصي، والثاني هو المنظور التاريخي. ولكى نستطيع فهم دلالة ما هو أيديولوجي وما هو سياسي، فإن ثمة فروقًا بينهما قد تساعدنا في التعريف، ويشمل ذلك السينمات التي تظهر فيها الأيديولوجيا كشيء ضمني في مقابل السينمات التي تظهر فيها الأيديولوجيا بشكل دعائي، لكون الذاتية تختلف عن الموضوعية، كما أن الإطار السياسي يختلف عن المحتوى السياسي.
وأصحاب هذا الاتجاه، يفسرونه، مثلًا، بمجرد ظهور ثلاجة ممتلئة بالطعام في فيلم أميركي، من الممكن أن يراها المشاهد السوفييتي كنوع من الدعاية السياسية، فملء الثلاجة يشير إلى الوفرة الرأسمالية، في مقابل سياسة التقشف الشيوعية، كمثال يوضح ما يعني بالأيديولوجيا الضمنية، والتعبير عن ملمح سياسي من وجهة نظر معينة، لكن هذه الأيديولوجيا الضمنية تظهر بصورة عفوية، لا يمكن الجزم بأنها متعمدة وتمثل دعاية سياسية.
على سبيل المثال، دعونا نتخيل، لو أن فيلمًا مثل “قلب شجاع” لميل جيبسون، الذي يتميز بميله العدائي للإنجليز، أصبح إطارًا أيديولوجيًا لحركة قومية متشددة، وأن آلاف الإنجليز قد تعرضوا إلى الذبح جراء هذا الفيلم، فإنه إذن لن يكون مجرد فيلم كليشيهات تافه يتسبب في الإساءة إلى الجمهور الإنجليزي شديد الحساسية، أو إلى الجمهور الواعي أيديولوجيًا أو النقاد أي النظرة الشخصية، لكن العنصرية في الفيلم سيتم تضخيمها وسوف تصبح إطارًا لحركة قومية بما يعني النظرة الجمعية.
وبناء عليه، فإن فيلمًا مثل “هب مع الريح” يمكن اعتباره بين وبين، حيث مساندة الجنوب أثناء الحرب الأهلية الأميركية، على حساب الشمال الأميركي الذي كان يُطالب بتحرير العبيد، لكنه لم يكن دعاية أيديولوجية مثل الأفلام الأيديولوجية الأخرى. ومن المثير أن فيلم “قلب شجاع”، كان يحتوي على أيديولوجيا مُعلنة لدرجة أن الحزب القومي الإسكتلندي اعتبره معبرًا عن مشاعر القوميين. ولكن إذا كانت أفلام “مولد أمة”، و”انتصار الإرادة”، و”المدرعة بوتمكين”، و”قلب شجاع”، هي أفلام أيديولوجية مُعلنة، فإن هذه الأيديولوجيا المُعلنة لا تحتاج إلى تصنيفها في نفس الدرجة، فثمة أمران على الأقل يمكن أن يجعلا سينما الأيديولوجيا المُعلنة مثيرة للمشاكل نوعًا ما، أولهما تأثيرها، والثاني محتواها التاريخي، وربما الاثنان قد يتداخلان معًا.
وعلى أية حال، إذا تحدثنا عن الأيديولوجية المُعلنة، فان نماذج كثيرة للأيديولوجيا المُتضمنة سوف تبرز لنا، وأفضل مثال هو أفلام جيمس بوند. ودعونا نطرح – جانبًا لوهلة – أن العديد من هذه الأفلام كان بمثابة أيديولوجيا معلنة، وخاصة تلك التي ارتبطت بالحرب الباردة، فإن أفلام جيمس بوند لا تفرق بين العدو، سواء كان ذلك القابع في الكرملين، أو كان يعيش لاهيًا في منزل منيف في الباهاما ولا شأن له بالسياسة، وأن ما يهمنا في هذه الأفلام، هو ما يدافع عنه جيمس بوند لأسلوب الحياة المليئة بالرفاهية أكثر من دفاعه عن قيم العالم الحر.
السينما الثالثة.. الإطار والمحتوى
الفرق بين الإطار السياسي والمحتوى السياسي، كما تحدثت عن الأفلام التي أرادت التصدي بأشكال شتى لما أنكرته كثير من أفلام الأيديولوجيا، يجعلنا نركز أيضًا على العديد من الأفلام التي تمَّ إنتاجها تحت مسمى “السينما الثالثة” تلك التي جاءت من أميركا اللاتينية، وآسيا، وإفريقيا في الستينيات والسبعينيات، وفيما بعد ذلك، لأننا بالطبع في حاجة لإيجاد إطار قادر على احتواء ما هو سياسي.
أنصار السينما الثالثة، كانوا يُعادون فقط السينمات السائدة أسلوبيًا وأيديولوجيًا، لكنهم لم يوضحوا الأساليب التي يرفضونها، ويمكن أن نجد أمثلة على ذلك في فيلمي “ذكريات التخلف” و”العشاء الأخير” للمخرج جوتيريز اليا من كوبا، وفيلمي “فتاة سوداء” و”زالا” (أو الحوالة) لعثمان سمبين من السنغال، وفيلمي “العصفور” و”إسكندرية ليه؟” ليوسف شاهين من مصر.
إن السياسة في هذه الأفلام لم تكن محض هامش، بل كانت سياقًا، وإن منظرًا مثل جيليس ديليوز، استشهد بكافكا للتعريف ببعض المصاعب التي تواجه صانعي الأفلام الموصوفين كأقلية، فكافكا في يومياته يقرر أن الأدب في الأقلية، البلدان الصغيرة، يواجه الأدب للبلدان الكبيرة، وأن ما هو ذاتي يمكن النظر إليه على أنه سياسي. وبناء عليه، فإن الرجل البرجوازي في البلدان الكبيرة، يمكن أن تكون له أزمة ويشعر بها بمفرده، ولكن هذه الأزمة في السينما الثالثة يمكن أن يكون لها بعد قومي.
وهناك صناع أفلام معينون يريدون أن يربطوا بين ما هو سياسي وما هو ذاتي، وهذا لم يصدق فقط على البلدان الصغيرة، لكن العديد من صانعي الأفلام الغربيين في الستينيات والسبعينيات أرادوا – أيضًا – أن يصنعوا أفلامًا ذات وعي سياسي، وقد يندرج ذلك تحت مقولة “ليس مهمًا أن تعمل أفلامًا سياسية، ولكن أن تعمل أفلامًا بطريقة سياسية”.
السينما.. علاقة جدلية بين الفن والسياسة
ووفقًا للسابق، فيمكننا القول على اعتبار أن العلاقة الجدلية بين السينما والسياسة، من الإشكاليات الفكرية طرحت للنقاش منذ عقود، والتي ما زالت وإلى اليوم، أن شاشة السينما الأيديولوجية تسيل الكثير من المداد، وتؤثث عدة فضاءات للنقاش؛ وذلك بفعل التجدد، والدينامية، والتطورات المتسارعة التي تميز مجال السينما، وكذا عالم السياسة.
واليوم باتت السينما تساعد السياسة، حيث إن الفن السينمائي أصبح سباقًا إلى بلورة الأفكار السياسية، واستشراف المستقبل الإنساني المنشود، الذي تسوده قيم العدالة والتعايش. وفي هذا السياق قد تكون السينما الحقيقية، هي تلك التي لا تهتم بالرسائل السياسية إنما بالفن، ولكنها رغمًا عنها تتحوّل إلى سينما قادرة على لعب دور كبير في ملامستها لشرائح عريضة في مجتمعنا ومحاكاتها لوعي مشاهديها بما يمكن أن يحدث ثورة في الذهنيات، طالما أن الرسائل السياسية ليست مقحمة على القصة، بل من قلب الحكاية.
المراجع:
– السينما والسياسة.. قصة غرام مثيرة- ماجدة حليم –الأهرام – 12 يناير.2005
– http://tonymckibbin.com/course-notes/Film Ideology and Political Theory.
– د.حبيب الشوماني – السينما والسياسة- هسبريس المغرب. https://www.hespress.com/opinions/18573.html