سوليوود «متابعات»
احتاج فريق إنتاج في بانكوك إلى تصوير مشهد تدور أحداثه في لندن، لكنه لم يرسل الممثلين أو طاقم التصوير إلى العاصمة البريطانية، بل استعان بفريق تقني تمكن من مسح موقع حقيقي خلال أقل من عشر دقائق، قبل تحويل بياناته إلى بيئة رقمية استُخدمت خلفية للمشهد داخل استوديو في تايلاند، في تجربة تكشف جانبًا من وظيفة تتوسع داخل صناعة السينما، يتولى صاحبها التقاط المواقع الحقيقية وتحويلها إلى نسخ رقمية يمكن استخدامها قبل التصوير أو أثناءه.
وتظهر ملامح هذه المهنة في إعلانات توظيف متخصصة بدأت تنشرها جهات تعمل في الإنتاج الافتراضي والمسح ثلاثي الأبعاد، بحثًا عن أشخاص يجمعون بين الخبرة الميدانية في توثيق المواقع والقدرة على التعامل مع البيانات الرقمية، وهي مهارات كانت تُستخدم سابقًا في أعمال المؤثرات البصرية، لكنها أصبحت تؤدي دورًا أكبر في التحضير للمشاهد وتنفيذها داخل الاستوديوهات.
كيف تتحول مواقع التصوير إلى نسخ رقمية؟
تبدأ المهمة بوصول متخصص التقاط البيئة إلى الموقع الذي اختاره فريق الإنتاج، حاملًا أجهزة مسح ليزري وكاميرات ومعدات قياس، لجمع المعلومات اللازمة لإعادة بناء المكان رقميًا، بما يشمل أبعاده وتوزيع العناصر الموجودة فيه وتفاصيل الأسطح، بدلًا من الاعتماد على الصور التقليدية أو القياسات اليدوية وحدها.
وتُعد تقنية «LiDAR» من الأدوات الأساسية في هذا العمل، إذ تستخدم أشعة الليزر لقياس المسافات وتكوين بيانات ثلاثية الأبعاد تصف شكل الموقع، بينما تتيح تقنية التصوير المساحي «Photogrammetry» استخراج المعلومات الهندسية والبصرية من مجموعة صور متداخلة، ويمكن الاستعانة بتقنيات أخرى لإعادة إنتاج مظهر المكان بحسب طبيعة المشروع.
ولا تنتهي المهمة بمجرد جمع البيانات، إذ تخضع لعمليات معالجة وتصحيح قبل تحويلها إلى بيئة رقمية قابلة للاستخدام، وقد يتطلب الأمر استكمال أجزاء لم تتمكن الأجهزة من التقاطها، أو تحسين تفاصيل معينة حتى تظهر بصورة مناسبة أمام الكاميرا، ثم نقل النموذج إلى برامج الإنتاج الافتراضي التي تتيح لفرق العمل استخدامه في التخطيط للمشاهد أو تصويرها.
وتمنح هذه العملية المخرج ومدير التصوير إمكانية استكشاف موقع حقيقي داخل بيئة رقمية، ودراسة بعض زوايا التصوير وحركات الكاميرا قبل الانتقال إليه، أو الاستعانة بنسخته الرقمية خلفية للممثلين داخل استوديو مجهز بشاشات «LED»، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن الموقع الحقيقي في جميع مراحل الإنتاج.
موقع في لندن يصل إلى استوديو في بانكوك
قدمت شركة «Mo-Sys» البريطانية بالتعاون مع استوديو «Studio X Beyond» التايلاندي تجربة عملية لهذه الإمكانات، حين احتاج فريق الإنتاج إلى بيئة واقعية من لندن لتصوير مشهد يجمع شخصين على مائدة عشاء، فاختار استخدام موقع رقمي مأخوذ من العاصمة البريطانية بدلًا من نقل فريق التصوير إليها.
اعتمدت التجربة على نظام «Scan-to-Shoot»، الذي يجمع بين المسح الليزري وتقنية «3D Gaussian Splatting»، وهي تقنية تعيد تمثيل البيئات الحقيقية بصورة ثلاثية الأبعاد، مع الاحتفاظ بتفاصيلها البصرية وإمكانية عرضها في الزمن الحقيقي، وقد استُخدمت بيانات المسح لتحديد أبعاد المكان، بينما ساعدت البيانات البصرية على إعادة إنتاج مظهره.
واستغرق مسح الموقع في لندن أقل من عشر دقائق، ثم جرى دمج بياناته وصوره ومعالجتها قبل نقلها إلى محرك «Unreal Engine»، ليستخدمها فريق بانكوك في عرض البيئة الرقمية على شاشات الاستوديو، وتصوير المشهد خلال يوم واحد، دون سفر الممثلين أو طاقم التصوير إلى بريطانيا.
ووفق ما أعلنته «Mo-Sys»، أُنجز المشروع من الفكرة إلى التسليم خلال أيام بدلًا من أسابيع، وعُرض العمل الناتج عنه في معرض «NAB Show 2025» بمدينة لاس فيغاس الأميركية، قبل أن تنشر الشركة دراسة تفصيلية للتجربة في 28 أكتوبر 2026.
وتوضح التجربة طبيعة العمل الذي يؤديه متخصص التقاط المواقع، وإن كانت الدقائق العشر لا تمثل المدة الكاملة لإنشاء البيئة الرقمية، إذ تتطلب البيانات مراحل أخرى من المعالجة والتجهيز، وقد تختلف مدة هذه المراحل باختلاف حجم الموقع وتفاصيله ومستوى الجودة المطلوب.
إعلانات وظائف تكشف طبيعة التخصص
في 25 أغسطس 2026، أعلن مركز «CAMERA» التابع لجامعة باث البريطانية حاجته إلى مهندس استوديو متخصص في التقاط البيئات وإنشاء التوائم الرقمية، مشترطًا الخبرة في المسح الليزري والتصوير المساحي والالتقاط الحجمي «Volumetric Capture»، إلى جانب القدرة على التعامل مع المشكلات التقنية التي تظهر أثناء جمع البيانات من المواقع الحقيقية.
وشملت مسؤوليات الوظيفة تطوير أنظمة التقاط وعرض المحتوى ثلاثي الأبعاد، والإشراف على مرافق المسح وتشغيلها، وتنظيم البيانات وتسليمها إلى الجهات المشاركة في المشروعات، ويضم المركز تجهيزات للإنتاج الافتراضي والتقاط الحركة والمسح ثلاثي الأبعاد، ويعمل في مجالات متعددة تشمل السينما والتلفزيون والألعاب.
وفي الولايات المتحدة الأميركية، نشرت شركة «Global Objects»، التي تعمل في المسح ثلاثي الأبعاد وإنتاج النسخ الرقمية، إعلانًا لوظيفة فني التقاط ثلاثي الأبعاد «Capture Technician» في شمال هوليوود، ضمن فريق متخصص في تحويل المواقع والعناصر الحقيقية إلى أصول رقمية تُستخدم في الإنتاج الافتراضي وغيره من المجالات.
وتضمنت متطلبات الوظيفة تشغيل أجهزة «LiDAR» والتصوير المساحي والطائرات المسيّرة، لمسح المواقع والإكسسوارات والأزياء، مع التأكد من دقة البيانات وتنظيمها وتقديمها إلى فرق المعالجة، فضلًا عن امتلاك معرفة بمبادئ الرسوم الحاسوبية والقياسات والخامات المستخدمة في النماذج ثلاثية الأبعاد.
وتكشف طبيعة هذه المسؤوليات أن العمل لا يقتصر على استخدام أجهزة التصوير والمسح، بل يحتاج إلى فهم متطلبات الإنتاج الرقمي، والقدرة على معالجة المشكلات التي قد تؤثر في دقة النموذج، والتنسيق مع الفرق التي تتولى تجهيزه للاستخدام داخل المشاهد.
ما الجديد في هذه المهنة؟
استخدمت صناعة السينما تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد منذ سنوات، خصوصًا في المؤثرات البصرية، حيث كانت الفرق المتخصصة تجمع بيانات المواقع والديكورات لمساعدة الفنانين على إعادة بناء المشاهد أو إضافة عناصر رقمية إليها خلال مرحلة ما بعد الإنتاج، ولذلك فإن إنشاء النسخ الرقمية للمواقع ليس ممارسة ظهرت للمرة الأولى مع الإنتاج الافتراضي.
لكن التطور الحالي يرتبط باتساع نطاق استخدامها وانتقال جزء من هذه العمليات إلى المراحل التي تسبق التصوير، إلى جانب ظهور وظائف تجمع مسؤوليات كانت موزعة بين متخصصي المسح والرسوم الحاسوبية والإنتاج الافتراضي، وهو ما تعكسه إعلانات التوظيف التي تحدد مهارات التقاط البيئة وإنشاء التوأم الرقمي ضمن اختصاصات مهنية واضحة.
ويختلف التوأم الرقمي المستخدم في هذه المشروعات بحسب الغرض منه، فقد يكون نموذجًا هندسيًا يساعد على فهم أبعاد المكان وتخطيط المشهد، أو بيئة رقمية ذات تفاصيل بصرية عالية تصلح للعرض خلف الممثلين، ولا يعني استخدام المصطلح أن جميع النماذج تتطابق مع المواقع الحقيقية في كل التفاصيل أو تتطلب المستوى نفسه من المعالجة.
كما تظل بعض المواقع أكثر صعوبة في الالتقاط من غيرها، خصوصًا عندما تحتوي على أسطح عاكسة أو شفافة أو عناصر تحجب أجزاء من المكان، وقد تستدعي هذه الحالات استخدام وسائل إضافية للتصوير والقياس، أو تدخل متخصصين لاستكمال البيانات ومعالجتها.
وتفتح هذه الإمكانات خيارات مختلفة أمام فرق الإنتاج، إذ يمكن توثيق موقع بعيد والاستفادة من بياناته في التحضير للتصوير، أو نقله رقميًا إلى استوديو في دولة أخرى عندما تسمح طبيعة المشاهد بذلك، بينما يتولى المتخصصون تحويل المكان الحقيقي إلى بيئة قابلة للاستخدام داخل منظومة صناعة الفيلم.
وبينما اعتادت فرق الإنتاج الانتقال إلى المواقع المختارة لتحديد تفاصيل المشاهد وتنفيذها، أصبح بإمكان بعضها الوصول إلى تلك المواقع بصورة رقمية قبل السفر إليها، بل وتصوير مشاهد معينة دون مغادرة الاستوديو، وهو ما يمنح متخصص التقاط البيئة دورًا يتجاوز توثيق المكان إلى المشاركة في إعداد أحد العناصر الأساسية للعمل السينمائي.
