سوليوود «خاص»
نشأ «جيل زد» في زمن لم تعد فيه مشاهدة الفيلم مرتبطة بموعد أو مكان، فالمحتوى متاح عند الطلب، والشاشة موجودة في الهاتف والتلفزيون والحاسوب، ويمكن للمشاهد أن يبدأ الفيلم ويتوقف ويعود إليه متى شاء. لذلك كان من السهل افتراض أن هذا الجيل سيكون الأقل حاجة إلى صالات السينما، لكن بيانات أميركية حديثة ترسم صورة مختلفة، فالصالة لم تختف من عاداته، بل تغيرت الوظيفة التي تؤديها لديه، ولم تعد قيمتها في الشاشة الأكبر وحدها، بل في الخروج مع الأصدقاء، ومشاركة الفيلم مع جمهور آخر، وتحويل المشاهدة إلى مناسبة لها وقت ومكان محددان.
هذا ما يظهر بوضوح في دراسة «فاندانغو» السنوية لاتجاهات ارتياد السينما لعام 2026، التي شملت أكثر من 7 آلاف أميركي بين 18 و70 عامًا، بينهم 5,091 شخصًا شاهدوا فيلمًا واحدًا على الأقل في صالات السينما خلال العام السابق، وأُجريت بين يومي 8 و21 يناير. ووفق نتائجها، شاهد 87% من أفراد «جيل زد» الذين شملهم القياس فيلمًا واحدًا على الأقل في صالات السينما خلال 2025، وهي أعلى نسبة مشاركة سنوية بين الأجيال التي عرضتها الدراسة. لكن هذه النتيجة لا تعني أن «جيل زد» هو الأكثر ذهابًا إلى السينما من حيث عدد الزيارات، فمتوسط عدد الأفلام بلغ نحو 7 أفلام للفرد، مقابل 7.2 لجيل الألفية، وهو فرق صغير لكنه مهم عند قراءة الأرقام بدقة.
لماذا يذهب «جيل زد» إلى صالات السينما؟
الإجابة الأهم في الدراسة لا تتعلق بعدد الزيارات، بل بسببها. تصف «فاندانغو» التجمع الاجتماعي بأنه أحد أبرز دوافع «جيل زد» للذهاب إلى السينما، وتضع زيادة اللقاءات الاجتماعية ضمن أهم العوامل التي تدفع هذا الجيل إلى الحضور أكثر، بينما يظهر لدى جيل الألفية دافع مختلف نسبيًا يتمثل في الهروب من الروتين اليومي.
وتدعم الأرقام هذا الاتجاه، إذ قال 92% من رواد السينما في الدراسة إنهم يفضلون المشاهدة برفقة آخرين، لكن «جيل زد» كان أكثر ميلًا إلى الذهاب مع الأصدقاء، بينما مال جيل الألفية بدرجة أكبر إلى الشريك أو الأطفال. هنا تصبح الصالة مكانًا اجتماعيًا قبل أن تكون مجرد وسيلة للوصول إلى الفيلم، وهي نقطة يصعب تجاهلها عند محاولة فهم سبب استمرار جاذبيتها لدى جيل يستطيع مشاهدة آلاف الأعمال من منزله.
وتظهر الصورة نفسها في تقرير آخر أعدته «ناشيونال ريسيرش غروب» بالتعاون مع «TheWrap»، اعتمادًا على استطلاع شمل 3,500 مستهلك أميركي للترفيه بين 13 و64 عامًا خلال نوفمبر 2025، فقد قال 61% إن التجارب الواقعية أكثر معنى وقابلية للتذكر من التجارب الرقمية، وقال 56% إنهم يشعرون باتصال أكبر بالآخرين عندما يكونون معهم في العالم الحقيقي. وعند سؤال «جيل زد» تحديدًا عن مشاهدة الأفلام، قال 48% إنهم يستمتعون بالمشاهدة في صالات السينما أكثر، مقابل 33% يفضلون المنزل، بينما لم يبدِ 19% تفضيلًا واضحًا.
الصالة ليست شاشة أكبر فقط
الاختلاف يظهر أيضًا في السبب الذي يجعل الجمهور الأصغر يفضل الصالة. فالأجيال الأكبر سنًا تشير أكثر إلى جودة الصورة والصوت، بينما يميل الأصغر إلى ذكر قضاء الوقت مع الأصدقاء والعائلة والطاقة التي يصنعها وجود جمهور آخر في المكان نفسه. حتى ازدحام الصالة، الذي قد يكون مصدر إزعاج لبعض المشاهدين، يحمل لدى شرائح أصغر سنًا قيمة مختلفة لأنه يجعل الحدث أكثر حيوية.
وهذا يغير قليلًا الطريقة التقليدية التي تنظر بها الصناعة إلى تجربة العرض، فالفيلم يظل هو السبب الرئيسي للحضور، لكن التجربة المحيطة به أصبحت جزءًا من القيمة نفسها، من قرار الخروج من المنزل إلى اختيار من سيذهب معك، وما الذي سيحدث قبل العرض وبعده.
«تيك توك» و«يوتيوب» لا يقفان دائمًا ضد صالات السينما
هنا تظهر المفارقة الأكثر إثارة، فقد قُدمت العلاقة بين المنصات الرقمية وصالات السينما لسنوات كما لو أن الطرفين يتنافسان على الوقت نفسه، لكن سلوك الجمهور الأصغر يكشف أن المسافة بينهما ليست بهذه البساطة. فدراسة «فاندانغو» تضع وسائل التواصل الاجتماعي في مقدمة مصادر اكتشاف الأفلام لدى «جيل زد» وجيل الألفية، مع حضور قوي لـ«يوتيوب» و«تيك توك» و«إنستغرام» بين المنصات التي يتعرف من خلالها الجمهور إلى الأفلام والمقاطع والمراجعات والمحتوى المرتبط بها.
وهذا يعني أن الهاتف الذي يوفر الفيلم في المنزل قد يكون الجهاز نفسه الذي يبدأ منه قرار الذهاب إلى الصالة، فالمشاهد يرى مقطعًا أو مراجعة أو نقاشًا، ثم يقرر أن الفيلم يستحق أن يشاهده مع أصدقائه. لا تثبت هذه البيانات أن وسائل التواصل هي السبب المباشر في كل زيارة، لكنها تؤكد أنها أصبحت جزءًا من رحلة اكتشاف الفيلم لدى الجمهور الأصغر، ومن هنا لا تعود المنصات الرقمية خصمًا لصالات السينما في كل الحالات، بل يمكن أن تكون إحدى الطرق التي تقود إليها.
ماذا يعني ذلك لتسويق الأفلام؟
إذا كانت الصالة تؤدي وظيفة اجتماعية لدى الجمهور الأصغر، فقد لا يكون كافيًا دائمًا أن يُسوَّق الفيلم باعتباره محتوى جيدًا يجب مشاهدته، بل يصبح السؤال أيضًا: لماذا ينبغي مشاهدته الآن ومع آخرين؟
تظهر دراسة «فاندانغو» أن «جيل زد» وجيل الألفية أكثر ميلًا من الجمهور العام إلى ربط زيارة السينما بالطعام أو الشراب أو أنشطة أخرى، كما يظهر لديهما اهتمام أكبر ببعض أشكال العروض المميزة وإعادة عرض الأفلام والفعاليات والمحتوى الذي يتجاوز العرض التقليدي. وهذه المؤشرات لا تعني أن كل فيلم يحتاج إلى التحول إلى حدث، لكنها توضح أن قيمة الزيارة قد تتجاوز الفيلم نفسه إلى المناسبة التي تحيط به.
وهنا يصبح التسويق أكثر تعقيدًا من الإعلان عن القصة والنجوم وموعد العرض، لأن الصناعة لا تتنافس فقط على وقت المشاهد، بل على رغبته في مغادرة المنزل أصلًا.
هل أصبح «جيل زد» الأكثر ارتيادًا للسينما؟
لا تسمح البيانات المتاحة بهذا الاستنتاج بهذه الصيغة. دراسة «فاندانغو» أميركية، ودراسة «ناشيونال ريسيرش غروب» و«TheWrap» تقيس هي الأخرى جمهورًا في الولايات المتحدة، ولذلك لا يمكن استخدام نتائجهما للقول إن «جيل زد» أصبح الأكثر ارتيادًا لصالات السينما في السعودية أو العالم العربي أو بقية الأسواق.
كما أن الاستطلاعات تقيس السلوك المعلن والتفضيلات والدوافع، وليست بديلًا عن بيانات مبيعات التذاكر وسجلات الحضور الفعلية، وحتى داخل الدراسة نفسها سجل «جيل زد» أعلى نسبة مشاركة سنوية، بينما ظل جيل الألفية متقدمًا قليلًا في متوسط عدد الأفلام التي شاهدها الفرد.
لكن ما تقوله البيانات بوضوح أكبر هو أن الجيل الذي نشأ مع «المشاهدة عند الطلب» لا يرى صالات السينما مجرد نسخة أكبر من شاشة المنزل، بل مكانًا يؤدي وظيفة مختلفة، فالمنصات تساعده على اكتشاف الفيلم ومناقشته، بينما تمنحه الصالة فرصة مشاهدة لا يعيشها بالطريقة نفسها عندما يكون وحده.
وربما تكون هذه هي المفارقة الأهم لصناع السينما، فكلما أصبح الوصول إلى الفيلم أسهل، أصبحت قيمة التجربة التي لا يمكن الحصول عليها من المنزل أكثر وضوحًا.

