سوليوود «خاص»
الممر يبدو أطول مما ينبغي، والغرفة تقود إلى مكان لا يفترض أن يكون خلفها، والنهاية التي يظن المشاهد أنه اقترب منها تكشف عن مساحة جديدة. هذا الإحساس الذي يقوم عليه «Backrooms» لم يُصنع داخل الحاسوب وحده، ولم يعتمد أيضًا على ديكورات حقيقية فقط، بل على مزج الاثنين، فقد بنى فريق الفيلم نحو 30 ألف قدم مربعة من الممرات والغرف على أربع منصات تصوير، بينما كان المخرج «كين بارسونز» قد صمم عالمًا أوسع بكثير داخل برنامج «Blender»، ثم جاءت المؤثرات البصرية (Visual Effects – VFX) لتمحو الحدود بين ما بُني فعلًا وما لم يكن موجودًا أمام الكاميرا.
عاد هذا الجانب من صناعة الفيلم إلى الواجهة يوم 10 أكتوبر، عندما نشرت شركة «روكسل كرييتف» تفكيكًا بصريًا لعملها على «Backrooms»، شمل افتتاحية «اللقطات المكتشفة» (Found Footage)، وبعض الممرات والمساحات الخارجية و«Vertigo Room»، وكشف كيف تحولت تصميمات «بارسونز» الرقمية إلى لقطات قادرة على الاحتفاظ بالشكل الغريب الذي عرف به المشروع منذ ظهوره على الإنترنت. الفيلم من إخراج الأميركي «كين بارسونز»، وكتابة «ويل سوديك»، وبطولة البريطاني «تشيويتل إيجيوفور»، والنرويجية «ريناته راينسفه»، والأميركي «مارك دوبلاس»، ومن إنتاج عام 2026.
لماذا بنى «Backrooms» متاهة حقيقية؟
كان من الممكن نظريًا تصوير الممثلين أمام شاشات ثم بناء عالم «Backrooms» رقميًا، خصوصًا أن «بارسونز» صنع شهرته أصلًا من خلال فيديوهات أنشأ مساحاتها باستخدام «Blender»، لكن الفيلم الطويل اختار أن يمنح الممثلين والكاميرا مكانًا حقيقيًا يتحركون داخله. قال «بارسونز» إن الإنتاج بنى نحو 30 ألف قدم مربعة من مساحات «Backrooms»، إلى درجة أن بعض أفراد الفريق ضلوا طريقهم داخل الديكورات أثناء العمل، وحدث الأمر معه شخصيًا أكثر من مرة.
وجود الجدران والسجاد والإضاءة الفلورية فعليًا أمام الكاميرا منح المكان شيئًا يصعب الحصول عليه إذا كان كل شيء مولدًا رقميًا، فالممثل يسير فوق الأرض نفسها التي يراها المشاهد، والضوء يسقط على وجهه من مصادر موجودة حوله، والكاميرا تستطيع الاقتراب من الزوايا والجدران من دون أن تحتاج في كل مرة إلى محاكاة المساحة كاملة.
وأكد «بارسونز» لاحقًا أن معظم ما يلمسه الممثلون حقيقي، موضحًا أنه عندما يظهر شخص وهو يسير فوق السجاد، فإن السجاد موجود فعلًا تحت قدميه، بينما تُستخدم المؤثرات حيث يحتاج العالم إلى تجاوز ما يمكن بناؤه داخل الاستوديو.
100 ألف قدم بدأت داخل «Blender»
قبل أن تُبنى المتاهة، كانت موجودة على جهاز المخرج. صمم «بارسونز» مساحات ضخمة داخل «Blender»، ووصل حجم النموذج الذي قدمه إلى فريق الإنتاج إلى نحو 100 ألف قدم مربعة، وكان الملف ثقيلًا إلى درجة أنه تسبب في تعطل حاسوب مصمم الإنتاج عند فتحه للمرة الأولى.
ولم يستخدم «بارسونز» البرنامج لرسم شكل الجدران فقط، بل خطط داخله للقطات وحركة الكاميرا قبل التصوير، أي أن النسخة الرقمية من المكان عملت أيضًا بوصفها تصورًا مسبقًا (Previsualization – Previs) للفيلم. وقال في حوار رسمي مع «A24» و«جيمس وان» إنه صمم الديكورات في «Blender» وكان الفريق يبنيها بما يتناسب مع اللقطات التي خطط لها مسبقًا داخل البرنامج.
هذه الطريقة صنعت علاقة غير معتادة بين النسخة الرقمية والديكور، فلم يكن الحاسوب يأتي في النهاية لإصلاح ما صورته الكاميرا، بل كان المكان يبدأ رقميًا، ثم ينتقل جزء منه إلى العالم الحقيقي، ثم يعود مرة أخرى إلى المؤثرات عندما يحتاج الفيلم إلى مساحة لا يمكن للاستوديو استيعابها.
لماذا احتاج الفيلم إلى 600 لقطة مؤثرات؟
رغم حجم الديكورات، بقي «Backrooms» فيلمًا يعتمد بكثافة على المؤثرات البصرية، إذ يحتوي على نحو 600 لقطة مؤثرات من أصل قرابة 830 لقطة في الفيلم كله، بما يعادل نحو 78 دقيقة تتضمن أعمال مؤثرات، منها قرابة عشر دقائق مولدة بالكامل بالحاسوب. وشارك في العمل 11 مزودًا خارجيًا للمؤثرات إلى جانب الفريق الداخلي.
لكن هذه الأرقام قد تعطي انطباعًا مضللًا إذا تخيلنا أن كل تلك الدقائق مليئة بالمخلوقات أو المشاهد الاستعراضية، فجانب كبير من وظيفة المؤثرات في «Backrooms» هو جعل المكان نفسه غير قابل للفهم بسهولة، امتداد ممر بعد نهايته الحقيقية، مساحة تظهر خلف فتحة لم تكن موجودة، أو انتقال بين ديكور فعلي وعالم رقمي من دون أن يشعر المشاهد بموضع التحول.
وهذا تحديدًا ما احتاجه الفيلم، لأن خوف «Backrooms» لا يعتمد على ظهور شيء مخيف في كل زاوية، بل على أن المكان نفسه لا يتصرف بالطريقة التي يتوقعها العقل، وكلما حاول المشاهد فهم حدوده اكتشف أن هناك شيئًا لا يستقيم.
كيف صُنعت افتتاحية «اللقطات المكتشفة»؟
المشهد الافتتاحي من أكثر الأمثلة وضوحًا على الطريقة التي يعمل بها الفيلم، فهو يبدو كتسجيل قديم عُثر عليه، مواصلًا أسلوب سلسلة «بارسونز» الأصلية على «يوتيوب»، لكنه في الحقيقة أحد الأجزاء التي اعتمدت بكثافة على العمل الرقمي، وتشير بيانات فريق المؤثرات إلى أن الدقائق المولدة بالكامل بالحاسوب تشمل افتتاحية «اللقطات المكتشفة».
الهدف هنا لم يكن الوصول إلى صورة رقمية شديدة النظافة، بل العكس، فبعد بناء البيئة وحركة الكاميرا والمكونات المطلوبة، كان على الصورة أن تبدو كأنها خرجت من تسجيل قديم محدود الجودة، لأن الكمال البصري كان سيقتل الإحساس الذي صنعت به فيديوهات «Backrooms» الأصلية جمهورها.
وهذه إحدى المفارقات في صناعة الفيلم، فالتقنية الأكثر تقدمًا استُخدمت أحيانًا لإنتاج صورة تبدو أقل تقدمًا، لأن ما يهم ليس إظهار قوة المؤثرات، بل الحفاظ على شعور أن شخصًا دخل مكانًا لم يكن يفترض أن يدخله وترك وراءه تسجيلًا لما شاهده.
من فيديو على «يوتيوب» إلى إنتاج سينمائي كامل
بدأ ارتباط «بارسونز» بهذا العالم قبل الفيلم بسنوات، عندما نشر وهو في السادسة عشرة من عمره فيديو «The Backrooms (Found Footage)» عام 2022، مستخدمًا «Blender» لصناعة الممرات الصفراء والمساحات الخالية التي تبدو مألوفة ومزعجة في الوقت نفسه، وحقق الفيديو عشرات الملايين من المشاهدات قبل أن يتوسع المشروع إلى سلسلة ثم إلى فيلم من «A24».
وكان التحدي في الانتقال إلى السينما أن الميزانية الأكبر والطاقم الأكبر لا يعنيان بالضرورة أن العالم سيصبح أفضل إذا بدا أكثر صقلًا، لأن جزءًا أساسيًا من جاذبية النسخة الأصلية كان الإحساس بأن الصورة ليست فيلمًا أصلًا. ولهذا حافظ «بارسونز» على «Blender» داخل خط العمل بدل التخلي عن الأدوات التي استخدمها في بداياته، لكنه وضعها هذه المرة إلى جانب ديكورات بالحجم الحقيقي وفرق مؤثرات متخصصة وتصوير سينمائي وإنتاج كامل.
كيف جعل «Backrooms» المكان نفسه مصدرًا للرعب؟
أهم ما تكشفه كواليس «Backrooms» أن صناعة المساحة المستحيلة لم تحتج إلى اختيار بين الديكور الحقيقي والمؤثرات الرقمية، بل إلى معرفة أين ينتهي دور كل منهما. بُنيت الممرات التي تحتاج إليها حركة الممثلين والكاميرا، وصُممت المساحات الأوسع مسبقًا داخل «Blender»، ثم تولت المؤثرات وصل العالمين وإخفاء الحدود بينهما.
والنتيجة أن المشاهد لا يحتاج إلى معرفة أين ينتهي الجدار الحقيقي وأين يبدأ الممر الرقمي، لأن الحيلة تنجح تحديدًا عندما يتوقف عن البحث عن الفرق، ويبدأ بدلًا من ذلك في التساؤل عن شيء آخر: إلى أين يقود هذا المكان؟
