سوليوود «خاص»
في فيلم يقوم على امرأة لا تستطيع التوقف عن الركض، بحث المخرج «كيفن ماكدونالد» عن موسيقى لا تكتفي بمرافقة حركتها، بل تبدو وكأنها تخرج منها، وكانت النتيجة واحدة من أكثر التجارب الصوتية لفتًا في «The Runner»، إذ سجلت «غال غادوت» أنفاسها بأشكال مختلفة، ثم أخذ المؤلف الموسيقي «توم هودج» هذه التسجيلات وحولها إلى عناصر إيقاعية داخل الموسيقى التصويرية، لتصبح الشهيقات والزفير جزءًا من النبض الذي يدفع الفيلم، لا مجرد أصوات واقعية يسمعها المشاهد لأن الشخصية تركض.
الفكرة مرتبطة مباشرة بالقصة، فـ«غادوت» تؤدي شخصية «مايا مارتن»، المحامية اللندنية التي تتلقى أثناء جولتها الصباحية اتصالًا يخبرها بأن ابنها اختُطف، ويطلب منها الخاطفون الاستمرار في الركض وتنفيذ تعليماتهم إذا أرادت استعادته، ولذلك لا تمثل الحركة مجموعة مطاردات متفرقة، بل تصبح الحالة التي تعيش فيها الشخصية طوال جانب كبير من الفيلم، وكلما ازداد الإجهاد والخوف تسارع النفس، ومن هذه النقطة وجد الفريق مادة يمكن إدخالها إلى الموسيقى نفسها.
كيف تحولت أنفاس «غال غادوت» إلى إيقاع؟
بدأ «ماكدونالد» منذ مرحلة المونتاج بالبحث عن إيقاع يمنح الفيلم طاقة مستمرة، فاستخدم الفريق مؤقتًا تسجيلًا لطبول سريعة ومتواصلة، ثم جاء «توم هودج» لتطوير الفكرة موسيقيًا، وسجل مقاطع مع عازف طبول سنغالي، وأعاد تشكيلها، وأضاف إليها ألحانًا عُزفت على بيانو متهالك، قبل أن يطلب من «غادوت» تسجيل أنفاسها بأنماط مختلفة لتدخل هي الأخرى في هذا البناء.
لم تُستخدم هذه التسجيلات كأصوات إضافية توضع فوق الصورة، بل عولجت بوصفها مادة إيقاعية يمكن تقطيعها وتكرارها ودمجها مع الطبول والبيانو، وهنا انتقل النفس من وظيفته الواقعية داخل الأداء إلى وظيفة موسيقية، من دون أن يعني ذلك أن الجمهور سيستطيع التعرف عليه في كل مرة، لأن الهدف لم يكن استعراض الحيلة، بل إدخال شيء من حركة الشخصية وإجهادها إلى بنية الموسيقى.
ويكتسب هذا الاختيار معنى إضافيًا من طبيعة أداء «غادوت» في الفيلم، فقد قالت إنها تدربت نحو تسعة أشهر استعدادًا للدور، وعملت مع مدرب أولمبي، وكان عليها أن تركض ساعات طويلة أثناء التصوير مع الحفاظ على الحوار والانفعال، حتى انتهت فترة العمل وهي تستخدم العكازات نتيجة الإجهاد، ولذلك لم يكن التنفس تفصيلًا صوتيًا مصطنعًا، بل امتدادًا مباشرًا للمجهود الذي بُني عليه الأداء.
الموسيقى تأخذ سرعتها من الشخصية
كان من السهل أن يحصل فيلم عن امرأة تركض في سباق مع الزمن على موسيقى حركة تقليدية، طبول متسارعة وأوتار متوترة وتصاعدات مألوفة، لكن «The Runner» اتجه إلى بناء صوت أكثر عضوية، فالطبول تمنح الإيقاع قوته، والبيانو المتهالك يضيف خشونة، بينما تأتي الأنفاس لتربط الموسيقى بالشخصية نفسها.
وقال «ماكدونالد» إن الطاقة العضوية لعازف الطبول بدت مناسبة لطبيعة الفيلم، وهو ما يفسر استعانة «هودج» بعازف إيقاع سنغالي بدل بناء النبض كله إلكترونيًا، ثم مزج هذه التسجيلات مع عناصر أخرى حتى أصبحت الموسيقى أقل انفصالًا عن الحركة الجسدية الموجودة على الشاشة.
بهذا يصبح هناك أكثر من مستوى للحركة داخل الفيلم، «غادوت» تركض داخل الصورة، والمونتاج يبني سرعته حول تنقلها، والموسيقى تحمل إيقاع الطبول والبيانو، فتتحول المطاردة من حدث بصري إلى بناء تشارك فيه الصورة والمونتاج والموسيقى في الإيقاع نفسه.
أين تنتهي الموسيقى ويبدأ تصميم الصوت؟
تكشف التجربة أيضًا أن الحدود بين الموسيقى وتصميم الصوت ليست ثابتة دائمًا، فالصوت نفسه يمكن أن يؤدي أكثر من وظيفة بحسب طريقة استخدامه، وقد عمل الفيلم مع مصمم الصوت «غلين فريمانتل» وفريقه في «Sound 24» داخل استوديوهات «باينوود»، بينما تولى «هودج» الموسيقى، وهو ما أتاح التعامل مع الحركة من الجانبين، أصوات المدينة والركض والبيئة من جهة، والموسيقى التي تحمل توتر المطاردة من جهة أخرى.
هذه المساحة المشتركة ليست جديدة على السينما، فقد استخدم المؤلفون ومصممو الصوت عبر عقود الضوضاء الصناعية والأصوات البيئية والمواد التي لم تُصنع أصلًا لتكون آلات موسيقية، لكن قيمة التجربة لا تأتي من غرابة المصدر وحدها، بل من علاقته بالفيلم، وإذا لم يكن لهذا المصدر معنى داخل العالم الدرامي تحولت الفكرة بسهولة إلى حيلة شكلية.
في «The Runner» لا تبدو التجربة منفصلة عن القصة، لأن الفيلم نفسه يقوم على شخصية تتحرك تحت ضغط مستمر، ولذلك تأتي الطبول الحية والبيانو الخشن والأنفاس المسجلة من المنطق نفسه، لا من الرغبة في البحث عن أصوات غريبة بأي ثمن.
موسيقى لا تحتاج إلى شرح أدواتها
أراد «ماكدونالد» الابتعاد عن موسيقى الحركة المصقولة التي يمكن نقلها بسهولة من فيلم مطاردة إلى آخر، ولذلك منح «هودج» مساحة لاستخدام خامات أكثر خشونة وقربًا من حالة البطلة، من الطبول الحية إلى البيانو المتهالك وتسجيلات التنفس، والنتيجة موسيقى تحمل آثار الإجهاد والحركة من دون أن تتحول إلى تعليق مباشر على كل لقطة.
وقد لا يدرك المشاهد أثناء العرض أن بعض الإيقاعات بدأت أصلًا من أنفاس «غال غادوت»، ولا يحتاج إلى ذلك، لأن الفكرة لا تعتمد على التعرف إلى مصدر كل صوت، بل على ما يضيفه إلى الإحساس العام بالمشهد، وهنا تصبح التجربة أبسط وأكثر فاعلية، فيلم عن امرأة مطالبة بمواصلة الركض أخذ واحدًا من الأصوات التي يفرضها هذا الركض وحوله إلى جزء من موسيقاه.

