سوليوود «متابعات»
حين يبحث منتج مستقل عن المال، يكون المعتاد أن يبدأ الحديث عن مشروع، قصته وميزانيته والممثلين المرتبطين به وما حصل عليه من دعم أو توزيع، لكن تجربة جديدة في اسكتلندا تبدأ من مكان مختلف قليلًا، مستثمرون اعتادوا وضع أموالهم الخاصة في شركات ناشئة يتعلمون كيف تعمل صناعة السينما والتلفزيون، ومنتجون يتعلمون في المقابل كيف يعرضون فرصهم أمام هؤلاء المستثمرين، وبين الطرفين يظهر سؤال ظل حاضرًا على أطراف الصناعة لأكثر من عقدين، هل يستطيع «المستثمر الملائكي» أن يصبح مصدرًا طبيعيًا لرأس المال في السينما، لا مجرد شخص ثري يدخل استثنائيًا عندما يحتاج مشروع إلى المال.
أعلنت الجهة الوطنية الاسكتلندية المعنية بتطوير قطاع الشاشة «Screen Scotland» في 20 أغسطس 2026 برنامج «Lights, Camera, Capital»، بعد تقديمه خلال «مهرجان إدنبرة السينمائي الدولي» في 18 أغسطس، ويجمع البرنامج منتجين لديهم مشروعات نشطة قيد التطوير بمستثمرين ملائكيين، مع تدريب كل طرف على فهم اقتصاد الآخر، ثم يعمل المنتج مع مستثمر بصورة مباشرة على تطوير مقترح يمكن تقديمه للاستثمار، قبل عرض نهائي في 28 يناير 2027 يستطيع خلاله المستثمرون الالتزام بما يصل إجمالًا إلى 50 ألف جنيه إسترليني لكل مشروع، والمبلغ محدود إذا قورن بميزانيات الأفلام، لكن أهمية التجربة تكمن في محاولة تحويل علاقة ظلت غالبًا فردية وعشوائية إلى مسار منظم يمكن تكراره.
الفكرة لم تبدأ في اسكتلندا
الاستثمار الملائكي نفسه أقدم من الشركات التقنية التي ارتبط بها المصطلح لاحقًا، فـ«Screen Scotland» تعيد أصل كلمة «angel» إلى ممولي عروض «برودواي» الأثرياء في مطلع القرن العشرين، أشخاص كانوا يضعون أموالهم الخاصة في إنتاج عالي المخاطر مقابل فرصة الربح، لكن السينما الحديثة بنت بمرور الوقت منظومة تمويل أكثر تعقيدًا، من الاستوديوهات والدعم العام إلى المبيعات المسبقة والموزعين والبنوك، وبقي المستثمر الفرد حاضرًا من دون أن يتحول في معظم الأسواق إلى طبقة تمويل مستقرة.
واحدة من الحالات البريطانية المبكرة ظهرت في 2001، عندما حصل الفيلم القصير «Royalty» على دعم من مجموعة وصفها منتجاه «راشيل روبي» و«آل كلارك» لاحقًا بأنها مجموعة من «business angels»، وعندما انتقلا إلى الفيلم الطويل «London to Brighton» حصل المشروع أيضًا على تمويل أولي من المستثمرين أنفسهم، قبل أن يصدر الفيلم في 2006 بميزانية بلغت نحو 265 ألف جنيه إسترليني، أي أن العلاقة بدأت في مرحلة مبكرة وامتدت مع صانعيه إلى مشروع أكبر.
«وادي السيليكون» حاول تحويلها إلى شبكة
في الولايات المتحدة أخذت الفكرة شكلًا أكثر تنظيمًا مع تأسيس «Film Angels» عام 2005، وهي شبكة أنشئت على نموذج مجموعات المستثمرين الملائكيين في «وادي السيليكون»، بحيث يقدم صناع الأفلام مشروعاتهم أمام أفراد معتمدين يقرر كل منهم بصورة مستقلة ما إذا كان يريد وضع ماله فيها، وتقول الشبكة إن أعضاء فروعها في «سان فرانسيسكو» و«سيليكون فالي» و«لوس أنجلوس» و«نيويورك» و«لندن» استثمروا في عشرات الإنتاجات منذ تأسيسها.
أهمية التجربة أنها نقلت طريقة عرض المشروعات على المستثمرين من عالم الشركات الناشئة إلى السينما، وأثبتت أن رأس المال الملائكي يمكن أن يعمل داخل قطاع الشاشة أيضًا، لكن من دون أن يتحول ذلك إلى قناة تمويل واسعة بالحجم نفسه الذي عرفته التكنولوجيا.
الأردن قدّم سابقة عربية مع «Theeb»
وفي العالم العربي ظهرت حالة واضحة خلال التحضير للفيلم الأردني «Theeb»، إذ واجه فريق الفيلم ارتفاع الميزانية عما كان متوقعًا، فدعا مجموعة من المستثمرين الأردنيين إلى مكتب في عمّان وعرض عليهم المشروع باستخدام صور ومواد بصرية تساعدهم على تصور عالمه، وكان العمل لا يزال في جوهره سيناريو ورؤية لم تتحول إلى منتج مكتمل، ومع ذلك وافق عدد من هؤلاء المستثمرين على الدخول وأخذوا حصصًا فيه، إلى جانب التمويل الذي جاء لاحقًا من مؤسسات سينمائية مختلفة.
حدث ذلك قبل التصوير في وادي رم عام 2012، أي أن رأس المال الخاص دخل قبل نجاح الفيلم في المهرجانات، ثم وصل «Theeb» إلى «فينيسيا» في 2014، وحقق توزيعًا دوليًا، وأصبح لاحقًا أول فيلم أردني يصل إلى الترشيحات النهائية لجائزة «الأوسكار» لأفضل فيلم بلغة أجنبية، وهي سابقة عربية مهمة لأنها تثبت أن المستثمر الملائكي وصل فعلًا إلى السينما العربية، وإن ظل حضوره مرتبطًا بمبادرات متفرقة ولم يتحول إلى شبكة متخصصة أو برنامج دوري.
المستثمر الفرد بقي حاضرًا أيضًا
وفي 2026 ظهر نموذج آخر مع المنتج والممول «ماركو بيريغو» عبر «Leaf Entertainment»، بعدما شارك في دعم أفلام لـ«كريستيان مونجيو» و«أندريه زفياغينتسيف» و«جيمس غراي» و«كانتيمير بالاغوف»، ووصفت «Screen Daily» دوره بأنه حالة نادرة لمستثمر ملائكي داخل سينما المؤلف الدولية.
تكشف هذه الحالة جانبًا مختلفًا من النموذج، فالمستثمر لا يدخل بالضرورة بحثًا عن أعلى عائد ممكن فقط، بل قد يجمع بين المصلحة المالية والرغبة في الاقتراب من الصناعة ودعم مخرج أو نوع من الأفلام يؤمن بقيمته، وهي سمة صاحبت الاستثمار الملائكي في الفنون منذ بدايات المصطلح نفسه.
اسكتلندا تحاول تنظيم العلاقة
حتى التجربة الاسكتلندية لم تظهر من فراغ، ففي 2025 حصل مشروع «Spaghetti Western» للمخرجة «جيسيكا فوكس» على تمويل للتطوير من مستثمرات ملائكيات، وبينهن «لين كادنهد»، التي أصبحت لاحقًا من الأصوات المشاركة في إطلاق «Lights, Camera, Capital»، وهو ما يوضح أن البرنامج جاء بعد تجارب فعلية أظهرت أن رأس المال موجود، لكن الوصول إليه يعتمد بدرجة كبيرة على العلاقات الفردية.
ولهذا يركز البرنامج على تدريب الطرفين، فالمستثمر يحتاج إلى فهم الحقوق والتطوير والتوزيع والمخاطر الخاصة بصناعة الشاشة، بينما يحتاج المنتج إلى معرفة كيف يقدم مشروعه أو شركته بلغة تتحدث عن الملكية والقيمة والعائد، ثم يُقرن كل منتج بمستثمر يقدم له الإرشاد خلال البرنامج، أي أن التجربة تحاول معالجة فجوة معرفة بقدر ما تحاول معالجة فجوة تمويل.
السينما ليست شركة ناشئة
مع ذلك، فإن استعارة نموذج الشركات الناشئة لها حدود واضحة، فالشركة التقنية تستطيع في بعض الحالات الوصول إلى ملايين المستخدمين من دون زيادة التكلفة بالنسبة نفسها، بينما يحتاج كل عمل سينمائي أو تلفزيوني جديد إلى تطوير وتصوير وفريق وتسويق وتوزيع، كما أن الإيرادات قد تستغرق سنوات قبل أن تظهر وتظل شديدة التقلب.
لهذا يبدو منطق شركة الإنتاج أكثر قابلية للتقريب من الاستثمار الملائكي، فالشركة تستطيع تطوير عدة أعمال، وامتلاك حقوق، وبناء فريق وعلاقات ومكتبة محتوى، وهو ما يمنح المستثمر فرصة للنظر إلى قدرة المنتج على الاستمرار والنمو، لا إلى نتيجة مشروع بعينه فقط.
وهذا لا يعني أن «Lights, Camera, Capital» سيفرض نموذج شراء حصص في شركات الإنتاج، فالبرنامج يتحدث عن «مشروع ومقترح استثماري» ويمكن أن تختلف الهياكل، لكن اشتراط وجود مجموعة نشطة من المشروعات لدى المنتجين يكشف أن الاهتمام يمتد إلى قدرتهم على بناء نشاط مستمر.
الضرائب تمنح السوق البريطانية ميزة إضافية
ويملك المستثمر البريطاني حافزًا آخر عبر نظامي «SEIS» و«EIS»، اللذين يمنحان تخفيضات ضريبية للأفراد عند الاستثمار في أسهم شركات تستوفي شروطًا محددة، وتبلغ نسبة تخفيض ضريبة الدخل 50% للاستثمارات المؤهلة تحت «SEIS» و30% تحت «EIS»، وهي ميزة تقلل جزءًا من المخاطرة المالية لكنها لا تجعل أي شركة إنتاج مؤهلة تلقائيًا.
وتكتسب هذه النقطة أهمية لأن قواعد الضرائب البريطانية نفسها تميز بين الاستثمار في شركة تريد بناء نشاط مستدام وتطوير عدة مشروعات، وبين كيان أنشئ لإنجاز عمل محدد فقط، وهو ما يجعل البيئة البريطانية أكثر ملاءمة لاختبار نموذج يقترب من الاستثمار في شركة الإنتاج بوصفها أصلًا قابلًا للنمو.
لماذا بقي «الملائكي» نادرًا؟
بعد أكثر من عقدين على تأسيس «Film Angels»، ما زال الاستثمار الملائكي صغيرًا مقارنة بمصادر التمويل الأخرى في السينما، والسبب لا يعود إلى نقص المستثمرين فقط، بل إلى طبيعة الصناعة نفسها، فالعائد غير متوقع، وفترة الانتظار طويلة، والسيولة محدودة، ومسار الخروج من شركة إنتاج أقل وضوحًا من بيع حصة في شركة تقنية بعد جولة تمويل أكبر أو استحواذ.
لهذا ظل المستثمر الملائكي في السينما أقرب إلى الاستثناء، يظهر عندما توجد علاقة شخصية أو ثقة قوية بالمخرج أو فرصة يراها المستثمر مختلفة، بدل أن يكون قناة تمويل يقصدها المنتج كما يقصد صندوقًا أو موزعًا أو منصة.
هل تتغير القاعدة؟
هذا هو الاختبار الحقيقي الذي تحمله تجربة اسكتلندا، وليس مبلغ الخمسين ألف جنيه، فالسوابق من بريطانيا والولايات المتحدة والأردن إلى التجارب الأحدث تثبت أن المستثمر الملائكي يستطيع العمل داخل السينما، لكن ما لم يثبت بعد هو أن هذه العلاقة يمكن أن تصبح جزءًا مستقرًا من بنية التمويل.
إذا نجح «Lights, Camera, Capital» في جعل المنتجين والمستثمرين يعودون إلى هذه القناة بعد التجربة الأولى، فسيكون قد نقل الاستثمار الملائكي من سلسلة حالات متفرقة إلى نموذج يمكن تكراره، وعندها لن يكون الجديد أن فردًا ثريًا وضع ماله في السينما، بل أن الصناعة أصبحت تعرف كيف تستقبله وتبني معه علاقة استثمارية مستمرة.
