سوليوود «خاص»
على امتداد ستة عقود من الإبداع المتواصل، لم تكن «حياة الفهد» مجرد فنانة خليجية بارزة، بل واحدة من رواد الدراما في المنطقة، ومؤلفة وكاتبة سيناريو وشاعرة تركت بصمتها في أكثر من مجال. تنقّلت بين التمثيل والكتابة والتأليف الدرامي، لتصنع لنفسها هوية فنية متكاملة، جعلتها واحدة من أكثر الأسماء تأثيرًا في تاريخ الفن الخليجي، وواحدة من العلامات التي لا يمكن تجاوزها في الذاكرة العربية.
وخلال هذه المسيرة الطويلة، لم يكن حضورها مقتصرًا على الشاشة فقط، بل امتد إلى الورق أيضًا، حيث كتبت القصة والسيناريو، وقدّمت نصوصًا درامية عكست وعيها الفني وقراءتها العميقة للمجتمع، إلى جانب تجربتها الشعرية التي تجسدت في ديوانها «عتاب»، الذي صدر في نهاية سبعينيات القرن الماضي.
كما ارتبط اسمها عبر العقود بالتحول الكبير الذي شهدته الدراما الخليجية، حيث ساهمت في تأسيس ملامحها الأولى، ثم تطويرها، لتصبح جزءًا من صناعة كاملة، لا مجرد ممثلة داخلها، بل أحد أعمدتها المؤثرة.
البدايات.. فيلم غيّر المصير وقرار لا رجعة فيه
وُلدت «حياة الفهد» في ابريل 1948، وكانت نقطة التحول الأولى في حياتها بعد مشاهدتها فيلمًا للفنان فريد الأطرش، الذي فتح أمامها باب الحلم. لم تكمل تعليمها، لكنها صنعت تعليمها بنفسها، فتعلّمت القراءة والكتابة بالعربية والإنجليزية، لتبدأ بناء وعيها الفني مبكرًا.عملت في مستشفى الصباح، وهناك ظهرت الفرصة الحقيقية حين التقت بـ«فرقة أبو جسوم». لم يكن الطريق سهلاً، إذ قوبل حلمها برفض عائلي شديد، لكنها واجهت ذلك بإصرار لافت، حتى وصلت إلى الموافقة، لتبدأ رحلتها من مسلسل «عائلة بو جسوم» عام 1962، ثم «الضحية» على المسرح عام 1963.
من التأثر إلى اللقب.. فاتن حمامة بوصلتها الفنية
لم تُخفِ «حياة الفهد» تأثرها الكبير بالفنانة فاتن حمامة، التي اعتبرتها مدرسة فنية متكاملة. راقبت تفاصيل أدائها، واستلهمت منها البساطة والعمق، لتصنع لاحقًا أسلوبها الخاص.
ومع مرور الوقت، لم تعد مجرد متأثرة، بل أصبحت نموذجًا قائمًا بذاته، واستحقت لقب «سيدة الشاشة الخليجية».
ثنائيات ذهبية.. شراكات صنعت النجاح
نجاح «حياة الفهد» لم يكن فرديًا فقط، بل تعزز عبر ثنائيات فنية مميزة، أبرزها مع سعاد عبد الله، حيث قدّمتا أعمالًا خالدة مثل «رقية وسبيكة»، «خالتي قماشة»، و«على الدنيا السلام» عام 1987، وقدمت خلاله أداءً إنسانيًا جمع بين الألم والكوميديا. كما جمعتها شراكة قوية مع غانم الصالح، وقدّما معًا أعمالًا مثل «الدردور»، «الخراز»، «إليكم مع التحية»، و«زوجة بالكمبيوتر».
الدراما الاجتماعية.. قضايا وجوائز
مع تطور مسيرتها، قدّمت أعمالًا ناقشت قضايا إنسانية عميقة، منها مسلسل «الدردور»، قدمت أحد أدوارها اللافتة، والذي حصدت عنه جائزة الدولة التشجيعية في مجال الفنون من الكويت عام 2000.
كما حققت حضورًا قويًا في مسلسل «ثمن عمري»، الذي نالت عنه جائزة أفضل ممثلة من مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عام 2003. وفي «الفرية» 2006، تناولت التحولات الاجتماعية، وقدّمت شخصية مليئة بالتناقضات عكست نضجها الفني.
الدراما الحديثة.. استمرار التألق
في السنوات الأخيرة، واصلت حضورها من خلال أعمال مثل «أم هارون»، «مع حصة قلم»، و«حدود الشر»، مقدمة شخصيات مركبة وقضايا جريئة.
وكان آخر ظهور لها في «أفكار أمي» 2025، حيث جسدت شخصية امرأة قوية ومتحكمة داخل عائلتها. كما برزت في أعمال أخرى مثل «سنوات الجريش»، «قرة عين»، «الملقوفة»، «الداية»، و«الحريم غنيمة».
السينما.. حضور محدود وتأثير كبير
شاركت الفنانة الراحلة في «بس يا بحر» 1972، أحد أهم الأفلام الكويتية. كما ظهرت في فيلم «الصمت» 1976، الذي وثّق الحياة قبل النفط.
وفي «نجد» 2020، خاضت تجربة في السينما السعودية، حيث تناول الفيلم الحياة الاجتماعية في الخمسينيات، وشارك فيه عدد كبير من النجوم منهم ميساء مغربي، وماجد مطرب فواز، إبراهيم الحربي، محمد الكنهل. وحصد الفيلم السعودي جائزة «الصقر الخليجي الطويل».
المسرح.. محطات وجوائز على الخشبة
كان للمسرح حضور مهم في مسيرتها، حيث قدمت أعمالًا بارزة مثل «ضاع الديك» و«باي باي عرب» و«قناص خيطان».
كما قدمت مسرحية «إذا طاح الجمل»، التي حصدت عنها جائزة أفضل ممثلة دور أول من مهرجان الكويت المسرحي عام 1989، لتؤكد مكانتها المسرحية إلى جانب التلفزيون.

