سوليوود «متابعات»
تدخل السينما العالمية عام 2026 على إيقاع موسم كثيف يعيد ترتيب أولويات الصناعة ويؤثر في مسارات الجوائز. لا تتحرك المهرجانات بوصفها مناسبات عرض فقط، بل تعمل كمحطات تصفية مبكرة تحدد ما سيبقى في دائرة الضوء. من شتاء أوروبا حتى خريف الأوسكار، تتشكل دورة تمنح الأفلام حياة أولى ثم تمنحها شرعية ثقافية وصناعية، ما يجعل أجندة المهرجانات مؤثرًا مباشرًا في خريطة السينما العالمية.
شتاء أوروبي يرسم ملامح البداية
انطلقت الشرارة الأولى مع مهرجان روتردام السينمائي الدولي الذي رسخ مكانته كقلعة للسينما المستقلة والتجريبية. لا يركز روتردام على البريق بقدر تركيزه على الاكتشاف، حيث يمنح صناع الأفلام مساحة للتجريب خارج منطق السوق. لذلك خرجت منه أصوات جديدة فرضت حضورها لاحقًا في مهرجانات أكبر، ما جعله منصة مبكرة لرصد اتجاهات العام.
يتبع ذلك مهرجان برلين السينمائي الدولي الذي يحمل طابعًا سياسيًا وثقافيًا واضحًا. لا يُنظر إلى «الدب الذهبي» كجائزة فنية فقط، بل كمؤشر على تفاعل السينما مع قضايا العالم. يحتضن المهرجان كذلك السوق الأوروبي للأفلام، حيث يلتقي الفن بالحسابات الصناعية، وتتحدد مسارات توزيع وتمويل تؤثر في عمر الفيلم لاحقًا.
ربيع يمزج السينما بالتكنولوجيا
مع انتقال الإيقاع إلى الولايات المتحدة، يبرز مهرجان «إس إكس إس دبليو» في أوستن كنموذج هجين يجمع السينما بالموسيقى والتكنولوجيا. لا تُعرض الأفلام هناك كمنتجات مكتملة فقط، بل كجزء من ثقافة رقمية متغيرة، حيث تتجاور التجارب السينمائية مع سرديات الإنترنت والألعاب والوسائط التفاعلية، ما يعكس تحولا في مفهوم المشاهدة.
وفي كندا، يفتح مهرجان «هوت دوكس» أبوابه أمام الوثائقيين من العالم. يمثل الحدث أكبر منصة وثائقية في أميركا الشمالية، وتُطرح فيه تحقيقات بصرية كبرى تناقش قضايا سياسية وثقافية معاصرة. كثير من الوثائقيات التي تبدأ هناك تواصل رحلتها نحو الجوائز، ما يمنح المهرجان وزنًا مؤثرًا في هذا المجال.
«مهرجان كان» يصنع الهيبة الدولية
يصل الموسم إلى ذروة رمزية مع مهرجان كان السينمائي الذي تحول إلى مؤسسة تحدد المزاج السينمائي العالمي. لا تمنح «السعفة الذهبية» تقديرًا فنيًا فقط، بل تضع الفيلم في ذاكرة التاريخ. لذلك يسعى صناع السينما إلى الظهور في كان حتى دون جوائز، لأن مجرد الاختيار يمنح العمل قيمة معنوية وتسويقية كبيرة.
صيف يوسّع دوائر الجمهور
في يونيو، يبرز مهرجان تريبيكا في نيويورك بوصفه مساحة تجمع السينما المستقلة والأعمال الجماهيرية. نشأ المهرجان كاستجابة ثقافية لمدينة تبحث عن استعادة صوتها، لكنه تحول لاحقًا إلى منصة تعكس هوية نيويورك الثقافية المتنوعة. يركز تريبيكا على ربط الفيلم بالمدينة وبجمهور أوسع.
وفي فرنسا، يرسخ مهرجان أنسي مكانته كأهم حدث عالمي للرسوم المتحركة. لا يتعامل أنسي مع الرسوم كمنتج طفولي، بل كلغة سينمائية كاملة. تتحول عروضه إلى مختبر بصري سنوي تظهر فيه تقنيات سرد وحركة جديدة تؤثر في صناعة التحريك عالميًا.
أوروبا الفنية ومحطات الاكتشاف
يحافظ مهرجان «كارلوفي فاري» على تقاليد السينما الفنية في أوروبا الوسطى، جامعًا بين الأناقة الكلاسيكية وروح الاكتشاف. كثير من الأفلام التي تمر عبره تواصل رحلتها إلى سباقات الجوائز، ما يجعله محطة انتقالية مؤثرًا للأعمال الفنية.
أما مهرجان لوكارنو فيمنح مساحة لما يسمى «السينما الجريئة». يشتهر بشاشته المفتوحة في ساحة المدينة، ويمنح الأفلام الفنية مساحة نادرة بعيدًا عن الضغوط التجارية، محافظًا على فكرة السينما كفن قبل الصناعة.
خريف الذروة وبوابة الأوسكار
يمثل سبتمبر القلب الحقيقي للموسم، حيث يبدأ بمهرجان فينسيا السينمائي، أقدم مهرجان في العالم. تحول فينسيا في السنوات الأخيرة إلى منصة رئيسية لإطلاق أفلام الأوسكار. يجمع بين البعد التاريخي والنفوذ الثقافي، ما يمنح المشاركين زخمًا مبكرًا.
يتجه بعدها الاهتمام إلى مهرجان تورونتو السينمائي الدولي الذي يجمع الجمهور والصناعة في آن واحد. تختبر الأفلام أمام جمهور واسع، وتنطلق منه حملات الجوائز الكبرى، لذلك أصبح بوابة رئيسية للأعمال الطامحة إلى الأوسكار.
ويحافظ مهرجان سان سباستيان على موقعه كمحطة للأفلام الأدبية والإنسانية، جامعًا بين الحس الفني والقدرة على مخاطبة جمهور واسع دون التفريط في العمق.
ختام العام برؤية نقدية
يأتي مهرجان نيويورك السينمائي بنهج مختلف يعتمد على الاختيار الفني الصارم بدل المنافسة. يقدم أفلامًا في سياق نقدي وفلسفي يمنحها قراءة أعمق. وتحضر لندن عبر مهرجان «بي إف آي» الذي يوازن بين الصناعة والذائقة العامة.
ويختتم العام مع مهرجان «آي دي إف إيه» في أمستردام، أكبر مهرجان وثائقي عالمي. لا يقتصر دوره على العروض، بل يعمل كسوق ومنصة إنتاج وأرشيف حي للأسئلة السياسية والأخلاقية في السينما غير الروائية.
بهذا الإيقاع المتواصل، تتحرك السينما العالمية بين محطات تمنح الأفلام ولادتها الأولى، ثم تمنحها فرصها الصناعية، وأخيرًا تمنحها الجوائز شرعيتها الرمزية. لذلك تبدو أجندة مهرجانات 2026 خريطة طريق حقيقية تحدد اتجاهات الصناعة الثقافية في العالم.

