سوليوود «متابعات»
لم تعد هوليود مركز الثقل الأوحد لصناعة السينما العالمية، بعدما كانت لعقود طويلة مصنع الحكايات الكبرى وصانعة الرموز والنجومية، ومصدرًا لتشكيل المخيال الجمعي العالمي. التحولات التقنية والاقتصادية والثقافية المتسارعة دفعت الصناعة إلى إعادة رسم خريطة التأثير، وكسرت فكرة العاصمة الواحدة للسينما، لصالح نموذج عالمي متعدد المراكز وأكثر تشظيًا وتأثيرًا.
أفول النموذج المركزي لـ«هوليود»
على مدى قرن كامل، لعبت السينما الهوليودية دورًا محوريًا في تشكيل الذائقة العالمية، وقدمت نموذجًا غربيًا متكاملًا للحلم والبطولة والنجاح. غير أن هذا التفرد بدأ يتراجع مع تغير أنماط الإنتاج والتلقي، وتنامي قدرات الدول الأخرى على إنتاج محتوى منافس من حيث الجودة والانتشار. العاملون داخل هوليود أنفسهم يعترفون بأن المدينة تواجه لحظة تاريخية غير مسبوقة، تتراجع فيها عن عرش التفرد دون أن تختفي من المشهد.
«سكورسيزي» يقر بتعدد مراكز السينما
يعترف المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي بأن السينما العالمية لم تعد تدور حول مركز واحد، مؤكدًا في حديثه لمجلة «سايت آند ساوند» أن موجات سينمائية من آسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية باتت تشكل الذائقة العالمية. هذه الموجات تقدم أساليب سرد مختلفة، ونماذج إنتاج وتمويل وتوزيع تتجاوز القالب الهوليودي التقليدي، ما يعكس تحولًا بنيويًا في مفهوم الريادة السينمائية.
الإضرابات تكشف هشاشة الإنتاج الأميركي
تشير بيانات مؤسسة «ProdPro» المتخصصة في تحليل حركة الإنتاج العالمي إلى أن الولايات المتحدة شهدت تراجعًا حادًا في إنتاج الأفلام والمسلسلات بعد إضرابات الكتّاب والممثلين عام 2023. لوس أنجلوس سجلت واحدًا من أضعف مواسمها الإنتاجية خلال أكثر من عشر سنوات، فيما لجأت الاستوديوهات الكبرى إلى تأجيل أو نقل مشاريعها بسبب ارتفاع التكاليف وعدم استقرار سوق العمل.
الهجرة الإنتاجية خارج كاليفورنيا
لم يعد تصوير الأعمال الضخمة داخل كاليفورنيا خيارًا بديهيًا، إذ انتقلت مشاريع كبرى إلى كندا والمملكة المتحدة وأوروبا الشرقية. فيلم «ديدبول وولفرين» 2024، من إنتاج ديزني، جرى تصويره في المملكة المتحدة وكندا بدوافع اقتصادية بحتة. كما اعتمدت «وارنر بروذرز» على استوديوهات «ليفسدن» قرب لندن لإنتاج سلاسلها السينمائية، في مؤشر واضح على أن الحوافز الضريبية باتت المحرك الأساسي للقرار الإنتاجي.
سباق الحوافز يعيد تشكيل الصناعة
أقرت لجنة كاليفورنيا للأفلام بعجز الولاية عن مجاراة الحوافز التي تقدمها مناطق منافسة. تقرير «أولسبرغ إس بي آي» الصادر عام 2024 أشار إلى أن أكثر من 120 دولة تقدم حوافز للأفلام والتلفزيون، ما جعل منطق التمويل يتقدم على اعتبارات الموقع والهوية. الإنتاج بات يتبع المال أولًا، لا الرمزية التاريخية للمكان.
«كندا» نموذجًا للتحول الهيكلي
تقدم كندا مثالًا واضحًا على هذا التحول. تقرير صادر عن مؤسسة «KPMG» عام 2024 كشف أن الاستوديوهات الأجنبية ومنصات البث تستحوذ على أكثر من نصف الإنفاق السمعي البصري في البلاد. هذه الاستثمارات توفر مليارات الدولارات سنويًا وتدعم مستويات توظيف أعلى من المشاريع المحلية وحدها. رئيسة جمعية الأفلام الكندية ويندي نوس أكدت أن الاستوديوهات العالمية أصبحت عنصرًا أساسيًا في نمو الصناعة الكندية واستدامتها.
منصات البث تقود إعادة تعريف النجاح
تتصدر منصات البث الرقمي هذا التحول التاريخي، بعدما أعادت تعريف مفهوم النجاح السينمائي. نتفليكس، على سبيل المثال، تعتمد «ساعات المشاهدة» كمؤشر أداء رئيسي، بدلًا من إيرادات شباك التذاكر. هذا النهج سمح لأعمال مثل «البروفيسور» الإسباني و«لعبة الحبار» الكوري الجنوبي بتحقيق نجاح عالمي دون المرور عبر استوديوهات هوليود، مؤكدًا أن التأثير لم يعد حكرًا على لوس أنجلوس.
تراجع طقوس الذهاب إلى السينما
يرى تيد سارانوس، الرئيس التنفيذي المشارك لنتفليكس، أن الذهاب إلى السينما كطقس جماعي لم يعد الخيار الأول للأغلبية. خلال قمة «TIME100» عام 2025، وصف هذا النموذج بأنه أصبح قديمًا بالنسبة لمعظم الجمهور. المشاهدة المنزلية المدعومة بالخوارزميات وسهولة الوصول أصبحت القاعدة، فيما تحولت دور العرض إلى خيار ثانوي داخل منظومة الترفيه.
شباك التذاكر يفقد بريقه
تشير تقارير المنظمة العالمية للملكية الفكرية إلى أن إيرادات دور العرض لم تستعد مستويات ما قبل الجائحة خلال عام 2024. سلاسل سينما كبرى في الولايات المتحدة أغلقت فروعًا أو أعادت هيكلة ديونها، بينما لجأت الاستوديوهات إلى تقليص فترات العرض السينمائي أو تجاوزها بالكامل لصالح المنصات الرقمية، في تحول كان محظورًا سابقًا وأصبح اليوم ممارسة شائعة.
فشل النجومية وصعود السرد الطويل
فشلت أفلام قادها نجوم الصف الأول في تحقيق العوائد المتوقعة، مثل «أرغيل» 2024، رغم ميزانيته الضخمة. في المقابل، حققت أعمال تعتمد على سرد طويل ووجوه جديدة نجاحًا لافتًا، مثل مسلسل «غزالي المدلل» و«العميل الليلي». هذا التحول يعكس تراجع النفوذ التاريخي للنجوم، مقابل صعود الخوارزميات كوسيط رئيسي بين العمل والجمهور.
اللغة لم تعد حاجزًا أمام العالمية
المخرج الكوري الجنوبي بونغ جون-هو لخص هذا التحول بقوله إن تجاوز حاجز الترجمة يفتح عالمًا من الأفلام المذهلة. تصريح استخدم بوصفه إعلانًا رمزيًا عن كسر احتكار هوليود للوصول العالمي. السينما غير الناطقة بالإنجليزية لم تعد بحاجة إلى المرور عبر الاستوديوهات الأميركية لتحقيق التأثير الدولي، بعدما أصبح الجمهور أكثر انفتاحًا على التنوع الثقافي واللغوي.
نموذج عالمي جديد بلا مركز واحد
الرابح الأكبر من تراجع مركزية هوليود ليس دولة بعينها، بل نموذج عالمي مفتوح للإنتاج والتوزيع. القصة لم تعد بحاجة إلى ختم لوس أنجلوس كي تُسمع، والعمل الفني لم يعد رهين نجم هوليودي كي يحجز مكانه في الوعي العالمي. صناعة السينما اليوم تعيد توزيع النفوذ، وتدخل مرحلة تتعدد فيها الأصوات والمسارات، ويصبح التأثير فيها أكثر انتشارًا وأقل احتكارًا.

