سلطان فادن
مقدمة: اشتاقَ الجمهورُ للأفلام ذاتِ القيمة الفنيّة، وفي نفس الوقت تكتسح شباك التذاكر.
الفيلمُ الأميركي «One Battle After Another»
إنتاج 2025 من نوعية إثارة وحركة، كتابةً وإخراجًا وشراكةً في الإنتاج من قبل المخرج الأميركي بول توماس أندرسون، مقتبس من رواية «Vineland» للكاتب الأميركي توماس بينشون.
يستلهم الفيلمُ ـ وبتصرّف ـ موضوعاتٍ من رواية توماس بينشون، ويُحدثها في إطارٍ معاصرٍ مشحون سياسيًا.
المخرج أندرسون من المخرجين المميّزين، وله سجلّ مميز في المهرجانات الرئيسية والجوائز من فوزٍ وترشيح. أهمّ أفلامه:
«Magnolia, There Will Be Blood, Phantom Thread»
حكاية الفيلم ومحوره الرئيسي عن ثوريّ سابق يُجبر على العودة إلى أسلوب حياته القتالي السابق عندما يتعرّض هو وابنته للملاحقة من قبل ضابط عسكري فاسد.
فكرة الفيلم هي عن استكشاف تلاشي الشغف بالثورة مع تقدم الشخصيات في السن، والثمن الشخصي للنضال من أجل قضية ما، وانتقال هذا الشغف «أو لا» إلى الجيل التالي.
يستخدم الفيلم حبكة سياسية مثيرة لدراسة كيفية تعامل الثوار طوال حياتهم مع «كآبة التنازل الأخلاقي»، وتعقيدات الأسرة، ومجتمع قد لا يشاركهم حماستهم الأصلية.
ويتضح ذلك من أجزاء الفيلم، حيث يبدو الفيلم في بدايته كفيلم ثوري ورافض للحالة السياسية والاجتماعية للمجتمع الأميركي، وبذكاء لا يحدد فترة زمنية محددة، حتى يتبدل نهج الفيلم إلى تطور الأحداث والعلاقات بين شخصيات الفيلم.
للفيلم أفكار موضوعية واضحة، منها تلاشي المثالية، وعبء التكاليف الشخصية للأنشطة الثورية، وكذلك صراع الأجيال، وأيضًا أفكار السخرية من طرفي الصراع، وأخيرًا الغموض الأخلاقي: هل القتال بحدّ ذاته هو الهدف أم النتيجة؟
أما الأفكار التي طرحها المخرج أندرسون والمتعلقة بالحبكة فهي: عودة مترددة إلى الصراع، ومنظور الجيل الجديد، ومفهوم الخصم القوي.
الإخراج الفني لبول أندرسون للفيلم كان مميزًا وجريئًا، مزج فيه المواضيع السياسية ومشاهد الحركة الخطيرة بنكهة جادة وطريفة في نفس الوقت، جميعها ظهرت في التصوير السينمائي والمونتاج المذهلين والبارعين.
إخراج مشاهد المطاردات كان متقنًا، وكذلك الموسيقى التصويرية المؤثرة فكان تميزها في تنوعها. بالإضافة إلى الطاقم الرئيس للتمثيل والذي كان له دور في إثراء حبكة السرد.
لم تتوفر مساحة بطولة مطلقة كاملة للممثل ليوناردو دي كابريو، لكنه استوفى متطلبات دوره بامتياز. وعلى الجانب الآخر كان الممثل شون بين مميزًا في دور الضابط الفاسد، مضيفًا الكثير للشخصية المطلوبة.
بقية الطاقم أدّوا أدوارهم بقوة واحتواء واضح: تيانا تايلور بدور الأم، وبينيسيو ديل تورو في دور معلم الكاراتيه، والممثلة الشابة تشيس إنفينيتي في الدور المميز للابنة.
رغم أن مدة الفيلم أكثر من ساعتين ونصف، لكن يصعب الشعور بالملل خلال مشاهدته.
أهم أدوات المخرج أندرسون في مسيرته الفنية هي قدرته المميزة في كتابة تربط الأحداث مع بعض، أجادها هنا مع مهارة أخرى بربط تطور الشخصيات مع بعض.
الفيلم ـ في رأيي ـ لا يرقى إلى مستوى رائع، ولكنه ممتاز، في زمن شحّت فيه أفلام الجودة في الكتابة والتنفيذ. لذلك من غير المستبعد اكتساح الفيلم لجوائز الأوسكار وغيرها من المهرجانات، على الأقل جاء الفيلم بعد سنوات من تواجد أفلام غثّة وأجندات سيئة.
الفيلم مناسب للكبار فقط للأفكار الجريئة والعنف.
تقييمي: 8.5/10

