رجا ساير المطيري
توفي هاني السلطان منتصف عام 2003 وهو في غمرة انشغاله ببرمجة النسخة المطوّرة من موقع «سينماك» السينمائي. لقد تعرّض لجلطة في الدماغ صبيحة اليوم الذي تقرر فيه إطلاق النسخة الجديدة من الموقع، وذلك بعد ثلاثة أيام لم ينم فيها لحظة، وعاش خلالها إجهادًا عاليًا بسبب انهماكه الشديد في برمجة الموقع الذي يُعدّ وقتها أهم موقع سينمائي عربي، يجتمع فيه محبو السينما من مختلف الجنسيات العربية.
هاني السلطان شابٌّ سعودي شغوف بالأفلام، ابن بلدة تمير الذي عاش في مدينة الرياض ودرس الهندسة في جامعة الملك سعود، وكان من أوائل الذين تعاملوا مع الإنترنت في بداياتها في السعودية نهاية التسعينيات، وقد ظهرت براعته التقنية سريعًا من خلال إلمامه المدهش –والمبكّر جدًا– بجميع اللغات البرمجية المُتاحة في ذلك الوقت، والتي منحته قدرة ذاتية كبيرة على التعامل مع قواعد البيانات الإلكترونية وتأسيس المواقع وإدارتها.

التقيتُ بهاني السلطان للمرة الأولى مطلع عام 2000م، وهدفي بسيط مثل بساطة تلك المرحلة؛ أن أحصل منه على الأفلام التي لا توجد في محلات الفيديو. في ذلك الوقت كنتُ للتو قد تعرفتُ على شبكة الإنترنت ووجدت فيها إثباتًا ملموسًا وقاطعًا بأن لـ«روبرت دينيرو» أفلامًا أخرى غير تلك التي في محل الفيديو القريب من منزلي، واكتشفت عالمًا سينمائيًا أوسع بكثير مما هو مُتاح أمامي، حتى مع وجود محلات فيديو توفر نسخ الأفلام الجديدة في أحياء الشميسي والمربع والبطحاء. كنت مدمِنًا للأفلام وأرغب في المزيد والمزيد منها، ووجدت في الإنترنت غايتي.
خلال بحثي عن مصادر جديدة للأفلام في شبكة الإنترنت الوليدة في ذلك الوقت، عثرتُ على صفحة متواضعة عن الأفلام، عبارة عن «دفتر زوار» يُسجّل فيه الزائر تعليقه في صفحة واحدة فقط، وفي موضوع واحد فقط، ليس مثل المنتديات التي ظهرت فيما بعد، بل صفحة واحدة تتعاقب فيها عشرات التعليقات التي وضعها أعضاء يبحثون عن أفلام، أو يعلنون عن امتلاكهم لأفلام يرغبون في إعارتها واستبدالها بالأفلام التي يبحثون عنها، كان مفاجئًا لي أن أعثر على هذا الكمّ من الأفراد الذين لديهم هوس بالحصول على أفلام بعينها.
ومما قرأته –في هذه الصفحة– من معلومات كتبها هؤلاء الأعضاء عن الأفلام وعن الجوائز التي حققتها، كنتُ مُتيقنًا بأن هؤلاء عرب المهجر، أو طلاب الابتعاث، وبالتأكيد ليس من بينهم من يعيش في السعودية، فلم أكن قد التقيت وقتها بمن يتعامل مع السينما بهذه الجدية، ولا بمن يُشاهد أفلامًا من سينمات العالم؛ السويد واليابان وإيران وفرنسا، والتي لم تكن متوفّرة على الإطلاق في أيّ محل من محلات الفيديو الكثيرة التي أعرفها.
كتبتُ في «دفتر الزوار» تعليقًا واحدًا احتوى على قائمة الأفلام التي أملكها، والأفلام التي أبحث عنها وفي مقدّمتها فيلم «وطار فوق عشّ الوقواق» لجاك نيكلسون. تواصل معي هاني السلطان بنفسه، وأبلغني بأن الأفلام التي أريدها موجودة لديه، وبأنه سيُعيرني إياها، وفوجئت بأنه يعيش في الرياض، ولم يسافر قط خارج المملكة، وأوضح لي في اتصال هاتفي بأن فيلمين من الأفلام المطلوبة متوفران لديه بصيغة DVD الجديدة في حينها، وسألني إن كنت أملك جهازًا لعرض الـDVD، ولم يهتم لجوابي لأنه حضر اللقاء حاملًا معه الأفلام، وأيضًا جهازًا خاصًا بعرض الـDVD، وكل ذلك دون مقابل، ومن أجل شخص يلتقيه للمرة الأولى، وشرطه الوحيد: إذا شاهدتَ الأفلام، اكتب عنها في هذا الموقع الإلكتروني المتواضع.
لقد فعل ذلك مع أعضاء آخرين، يتواصل معهم ويلتقي بهم، ثم يجمعهم مع بعض في لقاءات أسبوعية، مُكوِّنًا بذرة أول مجتمع سينمائي في المملكة العربية السعودية. وكان يقوم بذلك بروحٍ «رِسالية» عظيمة تشعر معها بأنه واجبٌ عليه أن يستقطب أكبر قدر ممكن من الشباب إلى عالم السينما وأن يقودهم إلى التعامل الجادّ معها، فلم يبخل على أحد بالدعم والتوجيه، ولا بإعارة الأفلام لأيّ أحد يطلبها، وهدفه في ذلك زيادة عدد مشاهديها، ومن ثم زيادة عدد من يكتبون عنها ويتفاعلون معها نقدًا وقراءة.

التقيت به كثيرًا على مدى ثلاث سنوات، وعملنا على تطوير الموقع السينمائي الطموح، وعلى مهمة التسويق له عبر شراكات مبكرة مع أصحاب المصلحة في سوق الأفلام. وبفضل جهوده زاد عدد الأعضاء الفاعلين في صفحة الزوار، ثم زادت اللقاءات بينهم، وتكوّن المجتمع الذي ينشده، حتى تطورت الصفحة إلى موقع باسم «موقع استراحة»، ثم «موقع الأفلام العربي»، ثم موقع «سينماك» الذي أصبح أهم موقع سينمائي عربي في ذلك الوقت، بسبب جودة الأعضاء الذين يكتبون في منتدياته، وعمق كتاباتهم السينمائية وشموليتها.
من عاش تلك المرحلة وارتبط بموقع «سينماك»، يعرف جيدًا حجم الجهد الذي بذله هاني السلطان لينقل الأفلام من مجرد تسليةٍ إلى موضعٍ للنقاش الجمالي. لقد آمن بوجود أمثاله هنا وهناك، وتمكّن من استقطابهم إلى موقعه الإلكتروني، وزوّدهم بالأفلام النوعية ليخلق مساحات واسعة للنقاش، ثم عمل على تحويل هذا التجمع الإلكتروني إلى تجمع واقعي ملموس من خلال لقاءات أسبوعية في أماكن متفرقة من الرياض، كان آخرها الساحة المُحاذية لمبنى مركز الحوار الوطني بالدائري الشمالي، والتي اجتمع فيها عدد كبير من أعضاء «سينماك» من مختلف مناطق المملكة للمرة الأولى، وكان مدهشًا كيف أن بعض هؤلاء الشباب الشغوفين بالسينما قد جاء إلى الرياض مسافرًا من مدن وقرى بعيدة من أجل حضور لقاء عابر على رصيف متواضع.
أصبح موقع «سينماك» بفضل هذه الجهود أهم موقع سينمائي عربي، وكانت القنوات الفضائية تستشهد به كمرجع عند حديثها عن الأفلام، كما اقتبست عنه صحف عربية كبرى، وأثنى عليه نجوم ونجمات عرب كبار في لقاءاتهم التلفزيونية في ذلك الوقت، دون أن يتضح لجميع هؤلاء أن من يقف خلف كل هذا الحضور والتأثير شابٌّ سعودي بسيط، يسعى فقط لزيادة عدد من يشاركونه الاهتمام، ويحلم بالتخرج من الجامعة، ليتفرغ لحلمه الكبير المتمثل في تحويل موقع «سينماك» من مجرد هوايةٍ لشبابٍ شغوفين إلى مؤسسة سينمائية تُشرف على الموقع الإلكتروني، وتُنتج المعرفة السينمائية، وتصنع الأفلام في مرحلة لاحقة.
كانت طموحاته عالية، وقد بدأها بالفعل قُبيل وفاته بأشهر حين أسّس المجلس الإداري لموقع «سينماك» لينقل العمل إلى مرحلة مؤسسية لم تكن شائعة في المواقع الإلكترونية في ذلك الوقت، وانهمك في تطوير تقنيات الموقع وتحديثه، تمهيدًا لإطلاق جديد للموقع بنسخة مطوّرة ومتقدمة تقنيًا وتحوي مميزات أكبر، كما عمل بموازاة ذلك على تسويق الموقع من خلال مسارات متعددة، أبسطها طباعة «أكياس» بكميات كبيرة تحمل رابط وشعار الموقع، منحها مجانًا لمحلات الفيديو الكبرى لتُعطيها لزبائنها بدلًا من الأكياس العادية.
التقيتُه في الليلة الأخيرة من حياته، من أجل مراجعة ما تم إنجازه قبل إطلاق النسخة الجديدة من موقع «سينماك»، وقد بدا عليه الإنهاك الشديد. عاد إلى منزله ليُكمل عمله على برمجة الموقع، وباغتته قُبيل الفجر جلطة في الدماغ، انتقل على إثرها إلى رحمة الله في صيف عام 2003م، مُختتمًا رحلةً طموحةً لم تجتز الثلاث سنوات، كانت بالنسبة لي التعريف الأمثل للشغف الحقيقي.

رحل هاني السلطان وترك خلفه أثرًا لا يُمحى، وتأثيرًا ممتدًا إلى اليوم، حيث أصبح المجتمع السينمائي الذي ساهم في بنائه، القائد الموجّه والمحرّك للنشاط السينمائي السعودي في العقدين التاليين، فمنهم من أصبح صانعًا محترفًا للأفلام، ومنهم من انضمّ للصحافة وأسس مسارًا للنقد السينمائي، والكثير منهم يعملون اليوم في مؤسسات وجهات وجمعيات حكومية وخاصة معنية بصناعة الأفلام. وكلّ هؤلاء يدينون لهاني السلطان بالكثير، فمن دونه لم يكونوا ليتعاملوا بجدية مع السينما، ولم يكونوا لينظروا لها بوصفها أسلوب حياة، وشغفًا، ومهنة، وهاجسًا يسكنهم في كلّ وقت.


الله يغفر له ويرحمه ويسكنه فسيح جناته ، وأمسى عليك بالخير اخوي رجا ، اتذكر تواعدت مع هاني عند وحدة الانترنت لما قفلوا الموقع ، وهي المرة الوحيدة اللي قابلته.