شيماء المرزوقي
ولد كونستانتين كفافيس في الإسكندرية في إبريل 1863، وفيها توفي في إبريل أيضاً من عام 1933. لم يزر أثينا عاصمة اليونان التي إليها ينتسب، لغةً وقوميةً، إلا مرات قليلة، لضرورات علاجية أو عائلية، أما الإسكندرية فكانت قدره في الولادة والحياة والممات.
صحيح أنه عاش أيضاً في بريطانيا، وأتقن اللغة الإنجليزية، حتى قيل إنه كان يتكلم لغته الأم اليونانية بلكنة إنجليزية، وعاش في القسطنطينية حيث تتحدر عائلة أمه منها، وصحيح أيضاً أنه لم يكن يجيد العربية، ولكن السؤال الذي اخترناه عنواناً لهذا الحديث يظل قائماً: أليست الإسكندرية بالذات، وليس اليونان، هي من كوّنت تجربته لا في الحياة وحدها، وإنما في الشعر أيضاً؟.
في الترجمة العربية لديوانه: «في انتظار البرابرة» التي وضعها شوقي فهيم، نعثر على قصيدة بعنوان: «المدينة»، وهو فيها لا يسمي أي مدينة بعينها، ولكن هناك ما يحملنا على الاعتقاد أن هذه المدينة لن تكون سوى الإسكندرية. إن أردتم الدليل فاقرأوا معي التالي: «أنت قلت سأذهب إلى بلدٍ آخر، إلى بحر آخر، إلى مدينة أخرى أحسن من تلك التي أعيش فيها». ولكنه يصل إلى التالي: «أنت لن تجد أرضاً جديدة ولا بحراً جديداً، ستلاحقك هذه المدينة دوماً، ستسكن في نفس الشوارع، ويشيب شعر رأسك في نفس المنازل، سوف تنتهي هنا دائماً، انس أي مكان آخر، فأنت لا تملك سفينة ولا طريق».
ديزموند اوجريدي معاصر كفافيس في كتابه: «من مذكرات الإسكندرية» كتب عنه يقول: «إنني ألمحه خلسة وهو يسير ليلاً، يحث الخطى في إحدى حارات الإسكندرية، ألمحه بعد الظهر جالساً في مقهى، وحيداً، وربما ذات مساء أراه جالساً على حافة كنبة في بذلته الكاملة الرثة، ومن وراء نظاراته يطلّ من عالمه الآخر وفي عينيه نظرة ترقب».
في ديوان كفافيس أعلاه وفي شهادة اوجريدي عنه، نستشف إلى أي مدى تملّكت الإسكندرية الشاعر، الذي كان لا يحتفظ إلاّ بثلاث أو أربع قصائد من عشرات القصائد التي يكتبها في العام الواحد.
صديق آخر نقل عنه قوله وهو ينظر من نافذة بيته الواقع في حي العطارين: «أي مكان أجمل من هذا يمكن أن استقر فيه: صخب، وكنيسة للغفران، ومستشفى يموت المرء فيه».
وفي سيرته نقرأ أيضاً أن كفافيس بعد تقاعده عن العمل، كان يقضي وقته نهاراً في البيت منكباً على القراءة والكتابة، فيما يفضل قضاء الأمسيات مع أصدقائه في مقهاه المفضل «التريانون».
المصدر: المسايل نيوز

