سوليوود «خاص»
افتتح «Resident Evil» الجديد هذا الأسبوع بـ60 مليون دولار في أميركا الشمالية و108.3 مليون دولار عالميًا، مسجلًا أفضل افتتاح في تاريخ السلسلة، لكن الرقم ليس أكثر ما يثير الاهتمام في تجربة المخرج «Zach Cregger»، فالرجل الذي لم يشاهد أيًا من أفلام «Resident Evil» السابقة كان يعرف الألعاب جيدًا، وحين قرر تحويلها إلى فيلم لم يبدأ من السؤال المعتاد حول الشخصيات والأحداث التي ينبغي نقلها إلى الشاشة، بل من سؤال مختلف، كيف يمكن لمتفرج لا يمسك يد التحكم أن يشعر، ولو جزئيًا، بأنه يلعب؟
الإجابة ظهرت في بناء الفيلم نفسه، فبطله «Bryan» ليس شخصية مأخوذة من الألعاب، وإنما ساعٍ طبي يتحرك خلال تفشٍ وبائي بين بيئات مختلفة، من طريق ثلجي إلى مزرعة مهجورة ثم أنفاق للصرف، وفي كل محطة يبحث عما يحتاج إليه للبقاء حيًا، فيما استخدم «Cregger» زوايا تصوير من خلف الكتف تستدعي ألعاب منظور الشخص الثالث، وقال إنه أراد أن تبدو التجربة كجلسة مدتها 90 دقيقة أمام «PlayStation»، أي أن الاقتباس لا يعيد سرد لعبة بعينها بقدر ما يحاول استعادة الإيقاع الذي يشعر به اللاعب وهو يتقدم داخلها.
وهنا يظهر سؤال أكبر من نجاح «Resident Evil» نفسه، هل أخطأت هوليوود طويلًا حين تعاملت مع ألعاب الفيديو باعتبارها قصصًا تنتظر أن تتحول إلى أفلام، بينما الشيء الأكثر قيمة فيها قد لا يكون القصة أصلًا، وإنما ما يشعر به اللاعب أثناء وجوده داخلها؟
المشكلة تبدأ عندما نأخذ يد التحكم
الفارق الأساسي بين اللعبة والفيلم بسيط لكنه حاسم، ففي اللعبة لا يعرف المشاهد فقط أن الشخصية دخلت مبنى مظلمًا، بل هو الذي يدخل بها، ولا يسمع أنها تملك 3 رصاصات فقط، بل يعرف أن الضغط على الزناد مرة إضافية قد يتركه بلا سلاح، ولا يقال له إن المكان غامض، بل يضيع داخله ويحاول اكتشاف الطريق بنفسه.
عندما تتحول اللعبة إلى فيلم تختفي هذه الأفعال، فلا اختيار ولا استكشاف ولا مخاطرة يتخذها المتفرج، وإذا اكتفى الاقتباس بنقل الشخصيات والأماكن والحبكة فقد يحتفظ بما نراه في اللعبة ويتخلص في الوقت نفسه مما جعلنا نستمتع بها، وهو إحساس الفعل داخل العالم.
ولا يعني «نقل إحساس اللعب» تحويل الكاميرا إلى منظور الشخص الأول أو وضع شاشة جرد للأسلحة أمام الجمهور، فهذه محاكاة سطحية، وإنما يعني البحث عن المقابل السينمائي للتقدم والاستكشاف ونقص المعلومات والموارد المحدودة وقواعد العالم والإحساس بأن كل مساحة جديدة تخفي خطرًا مختلفًا.
«Resident Evil» جرب الطريقين
السلسلة نفسها تقدم اختبارًا مثيرًا للفكرة، فأفلام «Resident Evil» الأولى ابتعدت كثيرًا عن قصص الألعاب وشخصياتها، ومع ذلك نجحت تجاريًا وتجاوزت إيرادات السلسلة في مرحلة ما 1.2 مليار دولار عالميًا، وهو ما يمنع تحويل فرضية «إحساس اللعب» إلى قانون بسيط يفسر النجاح والفشل.
لكن تجربة «Resident Evil: Welcome to Raccoon City» عام 2021 تقدم مفارقة أوضح، فقد أعلن مخرجه «Johannes Roberts» أنه يريد اقتباسًا شديد الوفاء بالألعاب، وجمع عناصر من الجزأين الأول والثاني، وأعاد بناء مواقع وشخصيات وتفاصيل صغيرة يعرفها اللاعبون، ومع ذلك أنهى الفيلم مسيرته العالمية عند نحو 41.9 مليون دولار مقابل ميزانية إنتاج معلنة تبلغ 25 مليونًا.
لا يعني ذلك أن الفيلم تعثر لأنه كان وفيًا، لكنه يوضح أن الوفاء للمصدر لا يساوي بالضرورة نقل تجربته، فمن الممكن أن تعيد بناء المكان والشخصية والمشهد، بينما يبقى الشعور الذي عاشه اللاعب غائبًا.
الفكرة أقدم من «Resident Evil»
قبل نحو 20 عامًا، كان مخرج «Silent Hill» «Christophe Gans» يتحدث عن المشكلة نفسها، إذ قال أثناء إعداد فيلمه الصادر عام 2006 إنه لا يريد نقل قصة اللعبة وأجوائها فقط، بل متعة تجربتها، ولهذا حاول الاحتفاظ بالشعور بالضياع داخل المكان، والانتقال بين نسخه المختلفة، والصمت والموارد المحدودة وبعض زوايا الكاميرا المستوحاة من اللعبة.
وعندما شاهد «Akira Yamaoka»، أحد أبرز صناع ألعاب «Silent Hill»، الفيلم، رأى أنه من أقرب المحاولات في ذلك الوقت إلى الشعور باللعب، رغم أن الفيلم غيّر شخصيات وأجزاء من القصة، وهي مفارقة مهمة، فقد يتحقق الوفاء أحيانًا عبر تغيير التفاصيل كي يبقى الإحساس الأصلي حيًا في وسيط مختلف.
«Mario» لم يحتج إلى قصة معقدة
يقدم «The Super Mario Bros. Movie» نموذجًا آخر، فألعاب «Mario» لم تصبح ظاهرة عالمية بسبب قصة ينتظر الجمهور اقتباسها حرفيًا، وإنما بسبب الحركة والقفز واكتشاف الأماكن والعقبات والإيقاع الذي يدفع اللاعب إلى الاستمرار.
وعند صناعة فيلم 2023، تحدث «Shigeru Miyamoto» عن أهمية جعل مشاهد الحركة تستدعي ما اختبره الجمهور داخل الألعاب، واستخدم الفيلم في مواضع منه حركة جانبية تشبه ألعاب «Mario» الكلاسيكية، ثم حقق 1.361 مليار دولار عالميًا وأصبح وقتها أعلى فيلم مقتبس من لعبة فيديو إيرادًا في التاريخ.
لا يمكن القول إن هذا الجانب وحده صنع النجاح، فالفيلم يعتمد على واحدة من أشهر الشخصيات في الثقافة الشعبية وتسويق عالمي ضخم، لكنه يوضح الفارق بين وضع «Mario» داخل قصة وبين صناعة مشاهد تتحرك بإيقاع يستدعي تجربة اللعب نفسها.
«Fallout» أخذ العالم وترك القصة
ربما يكون «Fallout» أوضح مثال على أن اللعبة ليست بالضرورة قصة واحدة يمكن اختصارها، فعندما طُرحت فكرة تحويل السلسلة سابقًا إلى فيلم، كان موقف «Todd Howard» أن عالم «Fallout» نفسه هو الشخصية الأساسية، ولذلك لم ير فائدة في ضغط أحداث إحدى الألعاب داخل ساعتين، وعندما جاءت نسخة «Prime Video» صنعت شخصيات جديدة تمامًا داخل العالم نفسه.
لكن المسلسل احتفظ بشيء يتعرف إليه اللاعب فورًا، شخصية تخرج من مكان آمن إلى عالم لا تعرف قواعده، تتحدث إلى الغرباء، وتفتش الأماكن المهجورة، وتدخل في مشكلات لم تخطط لها، فيما ينتقل العمل بين العنف والفكاهة والغرابة بالنبرة نفسها التي تميز الألعاب، ثم تحول المسلسل إلى نجاح نقدي وجماهيري وترشح لجائزة «Emmy» لأفضل مسلسل درامي.
الوفاء هنا لم يكن إعادة سرد لعبة بعينها، بل الحفاظ على الطريقة التي يكتشف بها اللاعب العالم.
القصة ليست المشكلة
مع ذلك، لو كان نقل القصة خطأ في حد ذاته لما نجح «The Last of Us»، وهو عمل احتفظ بمساحات واسعة من قصة اللعبة وشخصياتها وحواراتها، ولذلك فالتقسيم الحقيقي ليس بين القصة واللعب، بل بين النقل الحرفي وفهم وظيفة كل عنصر داخل وسيطه الأصلي.
شرح «Neil Druckmann» هذه المشكلة عند تحويل اللعبة إلى التلفزيون، فالمقاطع الطويلة التي يتحرك فيها اللاعب ويقاتل تعمل داخل اللعبة لأنه يشارك فيها، أما إذا صُورت بالطريقة نفسها للمشاهد فقد تصبح متكررة، ولهذا احتفظ المسلسل بجوهر القصة لكنه حذف واختصر وأعاد بناء كثير من الأشياء التي كانت وظيفتها الأساسية إعطاء اللاعب شيئًا يفعله.
وهنا تظهر قاعدة أكثر فائدة من سؤال «هل الفيلم وفي للعبة؟»، فالمطلوب معرفة أي جزء من التجربة يمكن نقله كما هو، وأي جزء يحتاج إلى ترجمة سينمائية جديدة.
ماذا تستطيع السينما أن تأخذ من اللعب؟
لا تستطيع السينما منح المشاهد قرار اختيار الباب الأيسر أو الأيمن، لكنها تستطيع أن تجعله يكتشف المكان مع الشخصية بدل أن تشرحه له مسبقًا، ولا تمنحه مخزونًا من الذخيرة يديره بنفسه، لكنها تستطيع جعل نقص الموارد مصدرًا للتوتر، ولا تسمح له بتحريك الشخصية، لكنها تستطيع منحه إحساس الانتقال من مساحة آمنة إلى أخرى مجهولة من خلال التصوير والمونتاج والإيقاع.
ولهذا لا تكمن أهمية منظور الكاميرا من خلف الكتف في «Resident Evil» الجديد في أنه يشبه شكل اللعبة فقط، وإنما في أنه يقرب المتفرج من الشخصية ويحجب عنه جزءًا من المكان، كما أن نقص الموارد أو الانتقال بين البيئات لا يعملان باعتبارهما إشارات للمعجبين، بل لأنهما يمنحان الفيلم شعورًا بالخطر والتقدم.
السينما لا تستطيع جعل المشاهد «يلعب» حرفيًا، لكنها تستطيع استعارة قواعد العالم، وإيقاع الاكتشاف، وحدود المعرفة، وشعور التقدم الذي يجعل اللاعب يريد أن يعرف ماذا يوجد بعد الباب التالي.
النجاح ليس مسابقة في الوفاء
إذا كان تاريخ اقتباسات ألعاب الفيديو قد أثبت شيئًا، فهو أن السؤال «هل الفيلم وفي للعبة؟» لا يكفي للحكم عليه، إذ يمكن لعمل أن يعيد الملابس والمواقع والجمل نفسها من دون أن ينقل ما كان ممتعًا في التجربة، بينما يغير عمل آخر القصة والشخصيات لكنه يحتفظ بالإحساس الذي جعل العالم الأصلي جذابًا.
وهذا ما يجعل تجربة «Cregger» مثيرة، فنجاح افتتاح «Resident Evil» الجديد لا يثبت أن أفلام الألعاب تنجح كلما قلدت اللعب، لكنه يقدم نموذجًا لطريقة مختلفة في التفكير، بدل أن يبدأ المخرج بالسؤال عن القصة التي ينبغي نقلها، بدأ بالسؤال عما يفعله اللاعب وما الذي يشعر به، ثم بحث عن مقابل سينمائي لهذا الشعور.
ربما لهذا لم تكن مشكلة كثير من أفلام ألعاب الفيديو القديمة أنها لم تكن مخلصة بما يكفي، بل أنها كانت مخلصة للأشياء الأسهل في النسخ، الشخصيات والملابس والأماكن والحبكات، بينما تركت وراءها الشيء الأصعب، الإحساس الذي جعل اللاعب يريد الاستمرار إلى المرحلة التالية.

