سوليوود «متابعات»
يمكن لفيلم واحد أن يكون بريطانيًا وكنديًا في الوقت نفسه، ليس بالمعنى الثقافي فقط، بل أمام الحكومتين والجهات التي تموله وتمنحه الحوافز، وهذا ما تسمح به اتفاقيات الإنتاج المشترك، فالمشروع الذي يستوفي شروطها يمكن أن يُعامل بوصفه إنتاجًا وطنيًا في أكثر من دولة، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما يأتي التمويل من عدة جهات، ويتوزع التصوير وما بعد الإنتاج بين أسواق مختلفة، وتدخل منصة عالمية أو موزعون دوليون على الخط، عندها يتحول سؤال يبدو بسيطًا، إلى أي بلد ينتمي الفيلم؟، إلى مسألة تؤثر مباشرة في التمويل والحقوق والوصول إلى أنظمة الدعم.
في 14 سبتمبر 2026 وقّعت بريطانيا وكندا خلال «TIFF: The Market» في تورونتو اتفاقية محدثة للإنتاج السمعي البصري المشترك، لتحل بعد التصديق عليها محل الاتفاق الأصلي الموقع في 12 سبتمبر 1975، والذي كان آخر تعديل رئيسي له في 1991، وقالت الحكومة البريطانية إن الصيغة الجديدة تمنح المنتجين مرونة أكبر، وتوضح بصورة أفضل تقاسم حقوق الملكية والعائدات، وتعزز الضمانات المرتبطة بالتوزيع والبث، فيما قال «معهد الفيلم البريطاني BFI» إن الاتفاق أصبح أكثر ملاءمة لصناعة يعتمد تمويل مشروعاتها بصورة متزايدة على عدة شركاء وأسواق.
كيف يصبح الفيلم إنتاجًا وطنيًا في دولتين؟
الإنتاج المشترك الرسمي ليس مجرد اتفاق بين شركتين لتقسيم تكلفة فيلم، بل إطار قانوني بين دولتين، فإذا استوفى المشروع شروط «اتفاقية الإنتاج المشترك بين بريطانيا وكندا» يمكن أن يحصل في بريطانيا على صفة إنتاج مؤهل للأنظمة والحوافز المتاحة، وفي كندا على الاعتراف الرسمي الذي يسمح له بالدخول في منظومة دعم المحتوى المحلي، وهذه الصفة قد تحدد أهليته لحافز ضريبي أو تمويل عام أو حصة بث محلية، ولذلك ترتبط الاتفاقيات بشروط تتعلق بالمساهمات والإنفاق والكوادر والحقوق والعائدات.
اتفاق كُتب لصناعة كانت أبسط
القواعد القديمة تكشف مقدار ما تغير منذ 1975، فالنسخة المعمول بها حتى دخول الاتفاق الجديد حيز التنفيذ تشترط حدًا أدنى للمشاركة يبلغ 20%، وتنظم توزيع العمل بين بريطانيا وكندا، وتربط بعض جوانب الإنتاج بحجم مساهمة كل طرف وجنسيات العاملين أو إقاماتهم المؤهلة.
لكن الفيلم الحديث قد يُطوَّر في لندن، ويُموّل جزئيًا من تورونتو، ويُصوَّر في دولة ثالثة، وتُنجز مؤثراته البصرية في سوق أخرى، ثم تذهب حقوق عرضه إلى منصة عالمية، ولذلك أصبحت الحاجة أكبر إلى قواعد تتعامل مع مشروع موزع على أكثر من سوق من دون أن تفقد الدول قدرتها على تحديد ما يستحق دعمها.
ما الذي تغير في الاتفاق الجديد؟
النص الكامل للاتفاق الجديد لم يُنشر بعد، لأن كندا تنشر مثل هذه المعاهدات بعد استكمال إجراءات التصديق ودخولها حيز التنفيذ، ولذلك لا يمكن حتى الآن إجراء مقارنة مادة بمادة مع اتفاق 1975، لكن ما أعلنته الحكومتان و«BFI» يكشف اتجاه التعديل، مرونة أكبر، وقواعد أوضح للملكية والعائدات، وضمانات أقوى للتوزيع والبث، وإطار أسهل للمشروعات التي تضم أكثر من شريك وسوق.
وتكتسب هذه التغييرات أهميتها من أن اقتصاد الفيلم يبدأ قبل التصوير نفسه، فالمنتج يحتاج إلى معرفة من يملك الحقوق، ومن يستطيع بيع العمل في كل سوق، وكيف توزع الإيرادات، ومن يحتفظ بالملكية بعد انتهاء العرض الأول، وهي مسائل ازدادت أهميتها مع ارتفاع قيمة حقوق الملكية الفكرية والمكتبات ومنصات البث.
لماذا تحتاج الحكومات إلى هذه القواعد؟
لأن صناعة الأفلام أصبحت عالمية، بينما بقي جزء كبير من الدعم محليًا، فالحكومات وصناديق التمويل وهيئات البث تحتاج إلى تحديد ما يعد إنتاجًا مؤهلًا داخل أنظمتها، والإنتاج المشترك هو الأداة التي تسمح لمنتجين من دولتين بجمع الموارد والاستفادة من نظامين مختلفين داخل مشروع واحد من دون أن يفقد العمل الاعتراف الرسمي في أي منهما، ولهذا أصبحت هذه الاتفاقيات جزءًا مهمًا من تمويل الأفلام المستقلة ومتوسطة الميزانية، فهي لا تلغي الحدود بين الأسواق، لكنها تجعل التعاون بينها ممكنًا من دون أن يخسر المشروع المزايا المرتبطة بالإنتاج الوطني.
علاقة تمتد إلى عشرات الإنتاجات
خلال السنوات العشر الأخيرة تعاونت بريطانيا وكندا في 98 إنتاجًا مشتركًا، بينها 26 فيلمًا و72 مسلسلًا تلفزيونيًا، بميزانيات مجمعة بلغت نحو 629 مليون دولار كندي، وتقول الحكومة الكندية إن بريطانيا أصبحت شريكها الأول في الإنتاج التلفزيوني المشترك والثاني في الأفلام، ومن الأعمال التي خرجت من هذه العلاقة «Brooklyn».
وعلى نطاق أوسع، لدى كندا اتفاقيات إنتاج مشترك مع 59 شريكًا، وشاركت بين 2015 و2025 في 508 إنتاجات مشتركة وفق المعاهدات، بميزانيات إجمالية بلغت نحو 3.5 مليارات دولار كندي، وهي أرقام تكشف حجم نظام تمويلي وقانوني يعمل خلف مئات الأفلام والمسلسلات من دون أن يراه الجمهور غالبًا.
القواعد تحاول اللحاق بطريقة صناعة الفيلم
ما تكشفه الاتفاقية الجديدة أن بريطانيا وكندا لا تتخليان عن فكرة الإنتاج الوطني، بل تعيدان صياغة شروطه بما يناسب صناعة أصبحت موزعة بين التمويل والحقوق والمواهب والأسواق، ولذلك تتجاوز أهمية الاتفاق العلاقة بين البلدين، فهو يعكس سؤالًا أوسع يواجه صناعة السينما العالمية، كيف تحافظ الدول على الحوافز والتمويل العام وحماية صناعاتها المحلية بينما تُصنع الأفلام بطريقة عابرة للحدود؟
الإجابة لا تبدو في إجبار الفيلم على الانتماء إلى سوق واحدة، بل في بناء قواعد تسمح له بأن يكون جزءًا من أكثر من نظام في الوقت نفسه، من دون أن تضيع حقوق الشركاء أو يتحول الدعم الوطني إلى مفهوم بلا معنى، ولهذا لم تعد «جنسية الفيلم» مجرد وصف ثقافي، بل أصبحت جزءًا من هندسة تمويله وحقوقه والطريقة التي يصل بها إلى الشاشة.
