سوليوود «خاص»
في عصر يستطيع فيه المخرج أن يستعين بالإنترنت في كل خطوة تقريبًا، وأن يبحث عن أي صورة في ثوانٍ، وأن يستخدم أدوات رقمية توسع أمامه عدد الاحتمالات بلا نهاية، قررت مجموعة من صناع السينما أن تجرب الطريق المعاكس، أن تحذف بعض هذه الإمكانات عمدًا، لا لأنها غير متاحة، بل لأنها أصبحت متاحة أكثر مما ينبغي، ومن هذه الفكرة خرجت حركة «Dogma25»، التي انتقلت الآن من بيان أُعلن في «كان» إلى أفلام تُصنع فعلًا، بعدما ظهرت الصور الأولى من «Mr. Nawashi»، أول أفلام الحركة، مع انضمام «نومي راباس» إلى طاقمه، ليصبح السؤال قابلًا للاختبار على الشاشة، هل يمكن أن تكون القيود وسيلة لاستعادة الحرية الإبداعية بدل أن تكون نقيضًا لها.
لا تعلن «Dogma25» حربًا على التكنولوجيا في حد ذاتها، لكنها تتحدث بوضوح عن مقاومة سينما تشكلها الخوارزميات والصور الاصطناعية، وعن صناعة أصبحت أكثر قدرة على توقع ما ينجح وأقل استعدادًا للمخاطرة بما لا يمكن توقعه، لذلك لا تنظر الحركة إلى وفرة الأدوات بوصفها مكسبًا تلقائيًا، بل تسأل عما يحدث عندما تصبح كل صورة ممكنة، وكل مرجع متاحًا، وكل قرار قابلًا للمقارنة بآلاف القرارات السابقة، وهل يمكن عندها أن تبدأ الأدوات التي كان يفترض أن توسع الخيال في دفع الأفلام نحو التشابه بدل الاختلاف.
عشر قواعد ضد الوفرة
وضعت الحركة عشرة قيود لما تسميه «قسم العفة»، من بينها أن يكون السيناريو أصليًا ويكتبه المخرج بخط يده، وأن يخلو نصف الفيلم على الأقل من الحوار، وألا يستخدم الإنترنت في العمليات الإبداعية، وألا يزيد عدد العاملين خلف الكاميرا على عشرة أشخاص، وأن يجري التصوير في المكان الحقيقي الذي تدور فيه القصة، مع الاعتماد على الأشياء الموجودة أو المستعارة بدل صناعة عناصر جديدة، كما يجب إنجاز الفيلم خلال عام واحد، ويحظر قبول تمويل يفرض شروطًا تغير محتواه.
تبدو بعض القواعد غريبة إذا قرئت منفردة، فما علاقة كتابة السيناريو باليد بحرية السينما، ولماذا يصبح استخدام شيء مستعار أكثر إبداعًا من بناء شيء جديد، لكن المنطق يظهر عندما توضع القواعد بجوار بعضها، فالحركة تحاول في كل مرة إزالة أحد الخيارات المتاحة أمام المخرج، حتى يصبح عليه أن يجد حلًا داخل مساحة أضيق، وهي فكرة تقوم على أن الإبداع لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الإمكانات، وقد يظهر أحيانًا لأن شيئًا ما لم يعد ممكنًا.
قبل ثلاثين عامًا كان التمرد مختلفًا
الفكرة تعيد إلى الذاكرة «Dogme 95»، الحركة التي أطلقها «لارس فون ترير» و«توماس فينتربرغ» عام 1995 احتجاجًا على ما رأياه تضخمًا في الإنتاج واعتمادًا متزايدًا على المؤثرات والصنعة التقنية، وفرضت هي الأخرى قواعد متشددة، من التصوير في المواقع الحقيقية إلى استخدام الكاميرا المحمولة والابتعاد عن الإضاءة الاصطناعية والمؤثرات البصرية.
لم تكن قيمة «Dogme 95» في أن قواعدها أصبحت النموذج الصحيح لصناعة الأفلام، وإنما في أنها حولت الامتناع نفسه إلى موقف إبداعي، وخرج منها عدد من الأعمال التي تركت أثرًا يتجاوز الدنمارك، وفي مقدمتها «The Celebration» و«The Idiots»، قبل أن تنتقل التجربة إلى مخرجين من دول أخرى.
بعد ثلاثة عقود، لم تعد المشكلة التي يراها الجيل الجديد هي الكاميرات الثقيلة أو المؤثرات البصرية وحدها، فالسينمائي يعمل اليوم داخل بيئة رقمية ترافق البحث والكتابة والتطوير والصورة والتسويق والوصول إلى الجمهور، لذلك تبدو قاعدة منع الإنترنت أثناء العملية الإبداعية أقرب البنود إلى روح «Dogma25»، فهي تحاول خلق مساحة لا يستطيع فيها المخرج أن يلجأ في كل لحظة إلى محرك بحث أو مرجع بصري أو اقتراح رقمي يخبره بما يمكن أن يفعله بعد ذلك.
«Mr. Nawashi» يختبر البيان
حين أُعلنت «Dogma25» في «مهرجان كان» خلال مايو 2025، كانت الحركة ما تزال مجموعة أفكار وضعها خمسة مخرجين دنماركيين، «ماي الطوخي» و«ميلاد علمي» و«أنيكا بيرغ» و«إيزابيلا إكلوف» و«يسبر يوست»، أما الآن فقد أصبح أول اختبار عملي أمامها هو «Mr. Nawashi» للمخرجة «إيزابيلا إكلوف»، الذي بدأ العمل عليه وفق قواعد الحركة ثم دخل مرحلة التصوير خلال 2026.
الفيلم قصة حب تتبع امرأة تدخل في علاقة مع رجل غامض تعرفت إليه عبر الإنترنت، وهي مفارقة مناسبة لحركة تمنع استخدام الإنترنت في عملياتها الإبداعية لكنها لا تمنع وجوده داخل العالم الذي تصوره، أي أن القاعدة لا تطلب من الفيلم إنكار الحاضر، بل من صانعه أن يغيّر الطريقة التي يصل بها إلى قراراته أثناء العمل.
وظهور الصور الأولى من الفيلم، مع انضمام «نومي راباس» إلى طاقمه، هو ما يغير وضع «Dogma25» الآن، لأن الحركة لم تعد مطالبة فقط بالدفاع عن جمال بيانها، بل أصبح عليها أن تثبت أن القيود التي فرضتها تنتج على الشاشة شيئًا كان من الصعب الوصول إليه من دونها.
ليست سينما بلا صناعة
وقد يوحي هذا التقشف بأن «Dogma25» محاولة للانسحاب من الصناعة أو العودة إلى إنتاج محدود وهامشي، لكن الأفلام تقف خلفها شركات ومؤسسات معروفة، من بينها «Zentropa» و«Nordisk Film Distribution»، مع مشاركة جهات بث وتمويل وتوزيع، بينما تتولى «TrustNordisk» المبيعات الدولية، أي أن الحركة لا ترفض السوق بقدر ما تحاول وضع حدود لما تستطيع السوق والتكنولوجيا فرضه على العملية الإبداعية.
وهنا تصبح قاعدة رفض التمويل الذي يغير المحتوى مهمة، فخفض حجم الإنتاج وعدد العاملين وما يمكن شراؤه أو بناؤه ليس مجرد اختيار جمالي، بل يمكن أن يقلل أيضًا حجم المال الذي يحتاجه الفيلم، وكلما انخفضت التكلفة أصبح من الأسهل نظريًا أن يحتفظ المخرج بمساحة أوسع من القرار.
القيود لا تصنع الإبداع تلقائيًا
لكن «Dogma25» تدخل اختبارًا أصعب من مجرد إثبات إمكانية صناعة فيلم بهذه القواعد، فالقيود في حد ذاتها لا تضمن شيئًا، ويمكن أن تتحول هي الأخرى إلى وصفة، فإذا أصبحت الكتابة باليد أو الصورة الخام أو غياب الإنترنت مجرد علامات يتعرف إليها الجمهور بوصفها «أسلوب Dogma25»، فقد تنتهي الحركة إلى إنتاج نمط جديد بينما بدأت أصلًا احتجاجًا على الأنماط.
وهذه المفارقة عرفتها «Dogme 95» من قبل، إذ تحولت بعض سماتها البصرية بمرور الوقت إلى لغة يمكن تقليدها من دون الالتزام بالأفكار التي وقفت خلفها، لذلك لن يكون السؤال الحقيقي عند مشاهدة أفلام «Dogma25» هو ما إذا كان المخرج احترم القواعد العشر، بل ما إذا كانت هذه القواعد دفعته فعلًا إلى قرار لم يكن سيتخذه لو كانت كل الخيارات مفتوحة أمامه.
المعركة أكبر من «الذكاء الاصطناعي»
لهذا سيكون من السهل، لكنه غير دقيق، وصف «Dogma25» بأنها حركة ضد «الذكاء الاصطناعي»، فبيانها يتحدث عن مشكلة أوسع، المخرج الذي يتحول إلى مدير مشروع، والعمل الذي تصنع قراراته الحسابات المسبقة، والصورة التي تصبح أكثر كمالًا وأقل مفاجأة، والخوارزمية هنا ليست مجرد برنامج، بل رمز لطريقة في التفكير تريد معرفة ما ينجح قبل أن تسمح للفيلم بأن يكتشف نفسه.
وهذا ما يمنح الحركة أهميتها في 2026، فالسينما لم تكن في أي وقت أكثر قدرة تقنيًا على صناعة أي شيء تقريبًا، لكن «Dogma25» تسأل إذا كانت القدرة على فعل كل شيء هي فعلًا أفضل بيئة لظهور شيء جديد، وهو سؤال يتجاوز هذه الأفلام الخمسة إلى صناعة كاملة أصبحت فيها الأدوات أسرع والبيانات أكثر وفرة والخيارات أكبر.
الجواب لن يأتي من البيان، بل من الأفلام، فإذا خرج «Mr. Nawashi» والأعمال التي ستتبعه بصوت يصعب العثور عليه في الإنتاج السائد، ستكون الحركة قد قدمت حجة لصالح فكرة أن التخلي عن بعض الإمكانات يمكن أن يفتح إمكانات أخرى، وإذا لم يحدث ذلك ستظل القواعد تجربة مثيرة أكثر من كونها بديلًا حقيقيًا.
قبل ثلاثين عامًا تمردت «Dogme 95» على سينما اعتقدت أنها اختبأت خلف المؤثرات وضخامة الإنتاج، واليوم تتمرد «Dogma25» على عصر يستطيع فيه المخرج الوصول إلى كل شيء تقريبًا، والمفارقة أن الحركتين وصلتا إلى السؤال نفسه من زمنين مختلفين، ماذا لو لم تكن الحرية الإبداعية في امتلاك أكبر عدد ممكن من الخيارات، بل في معرفة أيها يجب أن نتخلى عنه.
