سوليوود «متابعات»
دخلت شركة «نتفليكس» واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ تأسيسها، بعدما تحولت المنافسة في سوق البث الرقمي إلى مواجهة مفتوحة تجمع السياسة بالاقتصاد والقانون. فالتصعيد الأخير لم يقتصر على خلاف تجاري أو منافسة إعلامية تقليدية، بل كشف عن تداخل غير مسبوق بين مراكز القرار السياسي والمؤسسات التنظيمية الأميركية وصناعة الترفيه العالمية، وهو ما وضع الشركة أمام اختبار معقّد قد يحدد مستقبلها الاستراتيجي خلال السنوات المقبلة.
تهديدات ترامب تشعل المواجهة مع نتفليكس
بدأت الأزمة تتصاعد عندما وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقادات حادة لشركة «نتفليكس»، مطالبًا بإقالة عضوة مجلس الإدارة سوزان رايس، ومشيرًا إلى احتمال مواجهة الشركة عواقب خطيرة في حال تجاهلت هذا الطلب. لم يكن التصريح مجرد موقف سياسي عابر، بل حمل دلالات أعمق تتعلق بعلاقة شركات التكنولوجيا والإعلام بالاستقطاب السياسي المتزايد داخل الولايات المتحدة، خاصة أن رايس تُعد واحدة من أبرز الشخصيات المرتبطة بالإدارات الديمقراطية السابقة.
وجاءت تصريحات ترمب بعد مواقف علنية لرايس حذّرت فيها شركات كبرى من التقارب السياسي مع ترامب، مؤكدة أن موازين القوة قد تتغير مستقبلًا إذا عاد الديمقراطيون إلى السلطة. هذا التراشق السياسي أعاد النقاش حول تأثير الانتماءات السياسية لأعضاء مجالس الإدارة على قرارات الشركات الكبرى، خصوصًا في قطاع الترفيه الذي أصبح لاعبًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام العالمي.
عودة سوزان رايس إلى مجلس الإدارة وتداعياتها
أثار انضمام سوزان رايس مجددًا إلى مجلس إدارة «نتفليكس» عام 2023 موجة جدل واسعة داخل الأوساط الإعلامية والسياسية. فقد جاء القرار في توقيت تتوسع فيه الشركة بقوة عبر صفقات استحواذ ضخمة تسعى من خلالها إلى تعزيز حضورها العالمي، الأمر الذي جعل وجود شخصية سياسية بهذا الثقل داخل إدارة الشركة محل تدقيق متزايد من خصومها السياسيين ومنافسيها التجاريين على حد سواء.
ويعتقد محللون أن الجدل حول رايس لا يرتبط بشخصها فقط، بل يعكس مخاوف أوسع من تداخل السياسة مع صناعة الترفيه، خاصة مع تنامي قوة منصات البث التي باتت تنافس الاستوديوهات السينمائية التقليدية وتؤثر في الثقافة الجماهيرية عالميًا.
صفقة وارنر براذرز ديسكفري في قلب الصراع
تزامن التصعيد السياسي مع تحركات استراتيجية تقودها «نتفليكس» للاستحواذ على شركة «وارنر براذرز ديسكفري»، وهي صفقة توصف بأنها من أكبر عمليات إعادة تشكيل سوق الترفيه الحديث. فنجاح هذه الصفقة قد يمنح الشركة سيطرة واسعة على الإنتاج السينمائي والتلفزيوني وتوزيع المحتوى عالميًا، وهو ما أثار قلق منافسين كبار أبرزهم شركة «باراماونت سكاي دانس» المملوكة لديفيد إليسون.
وترى أوساط مالية أن الصفقة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في هوليوود، إذ ستجمع بين قوة الإنتاج التقليدي وإمكانات البث الرقمي المتقدمة، مما يمنح «نتفليكس» أفضلية تنافسية يصعب مجاراتها خلال السنوات المقبلة.
إشارات تنظيمية تزيد من حدة التوتر
لم تتوقف الضغوط عند التصريحات السياسية، بل تصاعدت المخاوف بعد تصريحات لمسؤولين في لجنة الاتصالات الفيدرالية ألمحوا فيها إلى إمكانية مراجعة تراخيص بث بعض المؤسسات الإعلامية مستقبلاً. ورغم غياب قرارات رسمية، فإن هذه الإشارات عززت الاعتقاد بأن شركات الإعلام قد تواجه مرحلة رقابية أكثر تشددًا، خاصة في ظل المناخ السياسي المشحون داخل الولايات المتحدة.
ويرى خبراء أن مجرد طرح فكرة مراجعة التراخيص الإعلامية يكفي لخلق حالة عدم يقين داخل الأسواق، لأن أي تدخل تنظيمي محتمل قد يؤثر مباشرة في تقييمات الشركات واستثماراتها طويلة الأمد.
تحقيقات مكافحة الاحتكار تدخل المشهد بقوة
في موازاة التصعيد السياسي، كشفت تقارير عن بدء وزارة العدل الأميركية تحقيقًا فيدراليًا واسعًا حول نفوذ «نتفليكس» داخل صناعة الترفيه. وقاد قسم مكافحة الاحتكار هذه الخطوة عبر إرسال إخطارات رسمية لصناع الأفلام والمنتجين في هوليوود تطالبهم بتقديم شهادات قانونية ووثائق رسمية قبل موعد نهائي حُدد في 23 مارس المقبل.
أثار توقيت التحقيق تساؤلات واسعة، إذ جاء قبل أيام قليلة من اجتماع مساهمي «وارنر براذرز ديسكفري» المرتبط بالتصديق على صفقة الاستحواذ. هذا التزامن دفع بعض المراقبين إلى التساؤل عمّا إذا كانت الإجراءات القانونية منفصلة تمامًا عن الضغوط السياسية أم أنها تعكس تداخلًا بين المسارين السياسي والتنظيمي.
الأساس القانوني للتحقيقات الفيدرالية
استند التحقيق إلى المادة السابعة من قانون «كلايتون» والمادة الثانية من قانون «شيرمان»، وهما من أهم التشريعات الأميركية المنظمة لمكافحة الاحتكار. وتركز السلطات على تقييم ما إذا كان توسع «نتفليكس» سيؤدي إلى تقليص المنافسة أو خلق هيمنة سوقية قد تحد من فرص الشركات الأخرى داخل قطاع الترفيه.
وتسمح هذه القوانين بفرض عقوبات مالية ضخمة قد تصل إلى مئة مليون دولار على الشركات المخالفة، إضافة إلى إمكانية مساءلة الأفراد المسؤولين جنائيًا في حالات الاحتكار المثبتة، وهو ما رفع مستوى المخاطر القانونية المحيطة بالصفقة المرتقبة.
رد نتفليكس ومحاولة احتواء الأزمة
في المقابل، سارعت «نتفليكس» إلى رفض الاتهامات الموجهة إليها، مؤكدة أن توسعها يعتمد على الابتكار والاستثمار في المحتوى وليس على ممارسات احتكارية. وأوضح ممثلو الشركة القانونيون أن المنافسة في سوق البث ما تزال قوية ومتعددة الأطراف، وأن نجاح المنصة جاء نتيجة تلبية طلب الجمهور العالمي على تجربة مشاهدة مرنة ومتطورة.
كما وجّه الرئيس التنفيذي المشارك تيد ساراندوس رسالة مباشرة لمنافسه ديفيد إليسون، مؤكدًا أن الفوز في المنافسة يجب أن يتحقق عبر تقديم عروض أفضل وليس عبر الضغط السياسي أو التنظيمي، في إشارة واضحة إلى احتدام الصراع بين الشركات الكبرى داخل هوليوود.
صدام أوسع بين وادي السيليكون والسلطة السياسية
يرى محللون أن ما يحدث مع «نتفليكس» يتجاوز حدود شركة واحدة، إذ يعكس توترًا متصاعدًا بين شركات التكنولوجيا العملاقة والمؤسسات السياسية التقليدية. فمع ازدياد نفوذ المنصات الرقمية وقدرتها على التأثير الثقافي والاقتصادي عالميًا، بدأت الحكومات تنظر إليها بوصفها قوى تحتاج إلى تنظيم أكثر صرامة.
وفي المقابل، تخشى الشركات التقنية من أن يتحول التنظيم الحكومي إلى أداة ضغط سياسي قد تعيق الابتكار والاستثمار، مما يفتح فصلًا جديدًا من الصراع بين الاقتصاد الرقمي ومراكز القرار السياسي.
مستقبل نتفليكس وصناعة الترفيه على المحك
مع اقتراب موعد القرارات التنظيمية الحاسمة، يترقب المستثمرون وصناع المحتوى مصير صفقة «وارنر براذرز ديسكفري» باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمستقبل صناعة البث العالمي. فنجاح الصفقة قد يعزز مكانة «نتفليكس» كأقوى لاعب في سوق الترفيه الرقمي، بينما قد يؤدي تعثرها إلى إعادة توزيع النفوذ بين الشركات المنافسة.
وتشير التطورات إلى أن صناعة الترفيه تدخل مرحلة جديدة لم تعد فيها الصفقات الكبرى محكومة بالاعتبارات الاقتصادية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالتوازنات السياسية والرقابية. وفي ظل هذا الواقع المتغير، تبدو «نتفليكس» اليوم في قلب معركة تتجاوز شاشات المشاهدة لتصل إلى حدود النفوذ السياسي والاقتصادي في العصر الرقمي.

