سوليوود «متابعات»
تواصل شركة OpenAI توسيع حضورها العالمي خارج الإطار التقني التقليدي، متجهة هذه المرة نحو قلب صناعة الترفيه العالمية في هوليوود، في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا واضحًا من تطوير الأدوات الذكية فقط إلى بناء شراكات ثقافية طويلة المدى مع صناع المحتوى والفنانين والمؤسسات الإبداعية. وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه المخاوف داخل القطاع الفني من تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الوظائف الإبداعية، ما دفع الشركة إلى اعتماد مقاربة مختلفة تقوم على الحوار وبناء الثقة بدل المواجهة.
تعيين قيادي من عالم المشاهير لقيادة المرحلة الجديدة
أعلنت OpenAI تعيين تشارلز بورش نائبًا أول لرئيس الشراكات الإبداعية العالمية، في خطوة تُعد الأولى من نوعها داخل هيكل الشركة التنفيذي، حيث لم يسبق أن خصصت منصبًا قياديًا يركز بالكامل على العلاقات مع القطاع الإبداعي العالمي.
ويُعرف بورش بأنه أحد أبرز مهندسي العلاقات الثقافية في العصر الرقمي، بعدما أمضى ما يقارب خمسة عشر عامًا في إنستغرام نائبًا لرئيس الشراكات العالمية، وأسهم خلال تلك الفترة في تحويل المنصة من تطبيق اجتماعي بسيط إلى قوة ثقافية عالمية مؤثرة في صناعة الترفيه والإعلام والموضة والموسيقى.
وخلال مسيرته المهنية، أشرف بورش على محطات تاريخية عززت حضور إنستغرام في الثقافة الشعبية، من بينها إطلاق ألبوم النجمة «بيونسيه» حصريًا عبر المنصة، وانضمام البابا فرنسيس رسميًا إليها، إضافة إلى ترسيخ وجود المنصة داخل أحداث عالمية كبرى مثل «ميت غالا» وحفلات «فانيتي فير» المرتبطة بالأوسكار، وهي خبرات جعلته شخصية مثالية لقيادة محاولة OpenAI اختراق المشهد الثقافي العالمي.
محاولة لتغيير صورة الذكاء الاصطناعي داخل هوليوود
تعكس هذه الخطوة إدراك OpenAI أن التحدي الحقيقي لم يعد تقنيًا فقط، بل أصبح مرتبطًا بالصورة الذهنية للذكاء الاصطناعي داخل الأوساط الإبداعية.
فبينما نجحت شركات التكنولوجيا في كسب ثقة الحكومات والجهات التنظيمية، لا تزال تواجه حذرًا كبيرًا من المخرجين والكتاب والممثلين الذين يرون في الذكاء الاصطناعي قوة قد تهدد الإبداع البشري أو تقلص دور الإنسان في العملية الفنية.
ولهذا السبب، تسعى الشركة إلى بناء جسر تواصل مباشر مع صناع السينما والموسيقيين ودور الأزياء والرياضيين والمؤثرين، بهدف تحويل الذكاء الاصطناعي من «تهديد محتمل» إلى «شريك إنتاجي» قادر على دعم الخيال الإبداعي بدل استبداله.
ويُتوقع أن يقود بورش هذه المهمة عبر شبكة علاقاته الواسعة التي تمتد داخل دوائر النخبة الثقافية عالميًا.
جولة استماع لاحتواء المخاوف الإبداعية
أكد بورش أن أولى خطواته في المنصب الجديد ستكون تنفيذ «جولة استماع» واسعة داخل هوليوود، حيث سيجتمع مع المخرجين والمنتجين والفنانين لفهم مخاوفهم الحقيقية من تقنيات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا نموذج «Sora» المتخصص في إنتاج الفيديو بالاعتماد على الأوامر النصية.
ويهدف هذا النهج إلى فتح حوار مباشر حول قضايا حساسة تتعلق بالملكية الفكرية وحقوق استخدام البيانات الإبداعية، وهي ملفات شكلت سابقًا محور أزمات كبيرة داخل قطاع الإنتاج السينمائي.
وتتركز المخاوف الأساسية حول استخدام أعمال الفنانين في تدريب النماذج دون موافقة واضحة، إضافة إلى القلق من إمكانية إنشاء ممثلين رقميين أو نصوص سينمائية كاملة بواسطة الخوارزميات، وهو ما دفع بعض صناع الأفلام إلى وصف الذكاء الاصطناعي بأنه تطور مرعب قد يعيد تشكيل الصناعة بالكامل.
صراع بين القلق والفرصة داخل صناعة الترفيه
رغم هذه المخاوف، يظهر داخل هوليوود تيار آخر أكثر انفتاحًا يرى في الذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية لتوسيع أدوات السرد البصري وخفض تكاليف الإنتاج وتسريع مراحل ما بعد التصوير. فالتقنيات الجديدة تسمح بابتكار عوالم سينمائية معقدة خلال وقت قياسي، وهو ما يفتح الباب أمام تجارب إبداعية لم تكن ممكنة سابقًا.
وهنا تكمن أهمية الدور الذي سيؤديه بورش، إذ لا يقتصر عمله على تسويق التكنولوجيا، بل يمتد إلى ترجمة لغة الخوارزميات إلى خطاب ثقافي يفهمه الفنانون، بما يخلق مساحة مشتركة تجمع بين الابتكار التقني والحس الإبداعي الإنساني.
استراتيجية «الذوق» بدل سباق القدرات التقنية
تشير تحركات OpenAI إلى تحول أوسع داخل وادي السيليكون، حيث بدأت شركات الذكاء الاصطناعي تدرك أن النجاح في المرحلة المقبلة لن يعتمد فقط على قوة النماذج أو سرعة المعالجة، بل على امتلاك «الذوق الثقافي» والقدرة على التأثير في المشهد الإبداعي العالمي. فالمنصات التقنية تحتاج إلى شخصيات قادرة على فهم الاتجاهات الثقافية وصناعة التحالفات مع النجوم وصناع القرار الفني.
ويمتلك بورش خبرة طويلة في هذا المجال، إذ بنى شبكة علاقات شخصية مع فنانين عالميين ومصممي أزياء ورياضيين وشركات إنتاج، وهو ما يمنح OpenAI فرصة حقيقية لاكتساب رأس مال ثقافي طالما افتقدته شركات التكنولوجيا مقارنة بالاستوديوهات التقليدية.
تحالفات جديدة قد تعيد تشكيل مستقبل الترفيه
ضمن هذه الاستراتيجية، بدأت OpenAI استكشاف شراكات مع شركات ترفيه كبرى لتطوير تجارب إبداعية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بما يشمل إدخال شخصيات وعوالم فنية شهيرة إلى منصات رقمية تفاعلية جديدة. وتهدف هذه الخطوات إلى تمكين المبدعين من استخدام الأدوات الذكية بإشرافهم الكامل، بدل أن تصبح التقنية جهة منافسة لهم.
ويرى محللون أن هذه التحركات تعكس اعترافًا متزايدًا بأن الذكاء العاطفي والقدرة على بناء العلاقات الإنسانية لا تزالان خارج نطاق أتمتة الخوارزميات، وأن نجاح الذكاء الاصطناعي في صناعة الترفيه سيعتمد بدرجة كبيرة على العنصر البشري القادر على التفاوض والإقناع وفهم الحساسية الثقافية.
بداية مرحلة جديدة بين التكنولوجيا والثقافة
يمثل انتقال تشارلز بورش إلى OpenAI لحظة مفصلية في العلاقة بين شركات الذكاء الاصطناعي وهوليوود، إذ لم تعد المنافسة بين الإنسان والآلة هي القصة الأساسية، بل أصبحت القضية مرتبطة بكيفية التعاون بينهما لصناعة مستقبل إبداعي مشترك. وإذا نجحت الشركة في بناء هذا الجسر الثقافي، فقد نشهد تحولًا جذريًا في طريقة إنتاج الأفلام والموسيقى والمحتوى الرقمي خلال السنوات المقبلة، حيث يندمج الخيال البشري مع القدرات الحسابية المتقدمة لصياغة جيل جديد من التجارب الترفيهية العالمية.

