سوليوود «خاص»
لم تعد الدراما رهينة الحلقة الطويلة ولا شاشة التلفزيون، فخلال عامين فقط تحوّل نوع جديد يُعرف باسم «المايكرو دراما» إلى موجة عالمية تتغذّى على سلوك المشاهدة السريعة عبر الهاتف، وتعيد تعريف فكرة المسلسل من الأساس، حلقات قصيرة جدًا، إيقاع خاطف، ونهايات معلّقة تُشبه آليات الألعاب المحمولة، ومعها أرقام نمو تُثير انتباه شركات الإنتاج والمنصات والمعلنين على حد سواء.
ما هي مسلسلات «المايكرو دراما»؟
«المايكرو دراما» هي مسلسلات قصيرة الحلقات، تُصمَّم أساسًا للعرض عبر الهاتف، وغالبًا بصيغة الفيديو العمودي، وتأتي كل حلقة بمدة تتراوح عادة بين 30 ثانية و5 دقائق، مع عدد حلقات كبير قد يصل إلى 60 أو 100 حلقة أو أكثر في الموسم الواحد، بحيث تُبنى القصة على جرعات متتابعة من التشويق، وغالبًا لا تعتمد على النجوم بل على الوجوه الجديدة خاصة وأن تكلفة إنتاج الأعمال منخفضة، وتعد الصين السوق الأكبر لهذا النوع الجديد من الدراما.
وجاء انتشارها السريع بسبب ارتباطها المباشر بالهاتف المحمول، وتحوله إلى الشاشة الأولى للمشاهدة، حيث أصبح الاستهلاك البصري مجزّأً وسريعًا، ما جعل الحلقة التقليدية عبئًا زمنيًا على المستخدم، بينما برزت «المايكرو دراما» كصيغة خفيفة تعتمد على نهايات معلّقة تدفع المشاهد مباشرة إلى الحلقة التالية، وهو ما شجّع منصات مثل «ReelShort» و«DramaBox» على بناء نماذج إنتاج كاملة حول هذا النوع.
سمات مسلسلات «المايكرو دراما»
تقوم «المايكرو دراما» على جرعة سردية مكثفة لا تترك مجالًا لمقدمات طويلة أو تطوّر بطيء، إذ تنطلق كثير من الأعمال مباشرة من قلب الأزمة أو المفاجأة، وتبني تصعيدها عبر حلقات قصيرة متتالية، مع حضور واضح للنهايات المعلّقة بوصفها أداة أساسية للحفاظ على شدّ الانتباه.
وتُنتج هذه الأعمال وفق لغة بصرية عمودية مصمّمة منذ البداية على مقاس 9:16، وهو ما ينعكس على طبيعة الكادرات وأسلوب الأداء والإيقاع العام، حيث يصبح الحوار أكثر اختصارًا واللقطات أكثر مباشرة، بما يتلاءم مع شاشة الهاتف وسلوك المشاهدة السريعة.
اقتصاديًا، تستفيد «المايكرو دراما» من انخفاض التكلفة وقصر زمن الإنتاج، مع اعتماد ملحوظ على وجوه جديدة وصاعدة بدل النجوم التقليديين، ما يفتح المجال أمام تجارب تمثيلية شابة ويمنح المستثمرين فرصة تحقيق عائد مرتفع مقارنة بميزانيات أقل، خصوصًا في الأعمال التي تتوسع سريعًا عبر منصات متعددة وإعلانات قصيرة ومشتريات داخل التطبيق.
الفوارق بين «المايكرو دراما» والدراما التقليدية
تقوم الدراما التقليدية على بناء العالم والشخصيات عبر حلقات طويلة، بينما تعتمد «المايكرو دراما» على إيقاع خاطف يلتقط انتباه المشاهد خلال ثوانٍ ويحافظ عليه عبر مفاجآت متتابعة.
وتُنتج الدراما التقليدية للعرض الأفقي على التلفزيون ومنصات البث، في حين تُصمَّم «المايكرو دراما» للهاتف أولًا، داخل تطبيقات متخصصة أو عبر منصات الفيديو القصير.
وتعتمد الدراما التقليدية في تحقيق مكاسبها على حقوق العرض والإعلانات والاشتراكات، مقابل اعتماد «المايكرو دراما» على الشراء داخل التطبيق والإعلانات بنظام المكافآت، بما يقترب من اقتصاد الألعاب المحمولة.
أبرز منصات «المايكرو دراما»
تشهد منصات «المايكرو دراما» نموًا متسارعًا عالميًا، تقوده تطبيقات متخصصة نجحت في تحويل الحلقات العمودية القصيرة إلى صناعة قائمة بذاتها، تتصدرها منصتا «ReelShort» و«DramaBox» اللتان رسختا حضورهما بوصفهما أكبر اللاعبين في هذا القطاع، مع انتشار واسع في الأسواق الأميركية والآسيوية والأوروبية، واعتماد نموذج مشاهدة قائم على حلقات مكثفة ونهايات معلّقة تستهدف المشاهدة السريعة عبر الهاتف.
وتُظهر تقارير تتبع التطبيقات أن هذه المنصات حققت مئات الملايين من التنزيلات عالميًا، مع اقتراب الإيرادات التراكمية داخل التطبيق من حاجز المليار دولار، في وقت تواصل فيه منصات أخرى مثل «ShortMax» و«NetShort» و«DramaWave» تسجيل معدلات نمو لافتة في أعداد المستخدمين والمشاهدات، ما يؤكد أن «المايكرو دراما» باتت نموذج مشاهدة جديدًا يعيد تشكيل خريطة الترفيه الرقمي عالميًا.
المنافسة بين الصين وأميركا
تحولت المايكرو دراما إلى صناعة ترفيهية بمليارات الدولارات، تقودها الصين والولايات المتحدة بوصفهما أكبر سوقين عالميًا في هذا المجال.
وبحسب بعض التقارير ففي الصين، ارتفعت إيرادات هذا النوع من الدراما من نصف مليار دولار في 2021 إلى قرابة 7 مليارات دولار في 2024، مع توقعات بتجاوز 16.2 مليار دولار بحلول 2030، مدفوعة باتساع قاعدة المشاهدة اليومية التي اقتربت من نصف مستخدمي الإنترنت.
أما في الولايات المتحدة، فتقدّر التقارير أن السوق حقق 1.3 مليار دولار في 2025، على أن يصل إلى نحو 3.8 مليارات دولار بحلول 2030، مع اعتماد متزايد على نماذج الدفع داخل التطبيقات، ما يعكس تحول المايكرو دراما من تجربة رقمية سريعة إلى مسار اقتصادي مستدام في صناعة الترفيه.
أبرز مسلسلات «المايكرو دراما»
برزت مجموعة من الأعمال بوصفها نماذج ناجحة في عالم المايكرو دراما، لا سيما في السوق الصينية التي تُعد الأكبر عالميًا، حيث حقق مسلسل «Unparalleled» نجاحًا اقتصاديًا لافتًا بإيرادات قاربت 14 مليون دولار خلال الأيام الثمانية الأولى من عرضه، ما وضعه ضمن أنجح العناوين القصيرة من حيث العائدات.
كما حصد مسلسل «Second to None – Wuang» ملايين المشاهدات خلال أسابيع قليلة على منصات مثل ShortMax، مستندًا إلى سرد عائلي مشحون بالتقلبات والإثارة في حلقات قصيرة وسريعة الإيقاع.
كما برز مسلسل «Tell Me Not to Love You» كنموذج للرومانسية العمودية الحديثة وحقق تفاعلًا واسعًا رغم حداثة إطلاقه. كما سجّل مسلسل «Audrey in Full Bloom» حضورًا قويًا بعدما تجاوز 11 مليون مشاهدة خلال أسابيع قليلة على منصة ReelShort، إلى جانب مسلسل «Ishq At Campus» الذي رسّخ مكانته كعمل شبابي يعتمد على حلقات قصيرة مصممة للمشاهدة العمودية، مؤكدًا اتساع انتشار هذا النمط الدرامي عالميًا.

