سوليوود «متابعات»
تتحرك الجزائر بخطوات محسوبة لاستعادة موقعها على خريطة السينما العالمية، مستندة إلى إرث تاريخي نادر في العالم العربي، وإلى خطة حكومية تستهدف إعادة بناء الصناعة من جذورها. وتراهن الدولة العربية الوحيدة الحاصلة على جائزة أوسكار على مشاريع إنتاج كبرى، وبنية تحتية جديدة، وسرديات تاريخية ترى أنها لم تُقدَّم بعد بالصورة التي تستحقها.
لماذا تعود الجزائر إلى السينما الآن؟
تأتي هذه الخطوة في لحظة اقتصادية وسياسية دقيقة، إذ تبحث الجزائر عن مسارات جديدة لتنويع مصادر الدخل في ظل اعتماد طويل على قطاع الطاقة. وترى السلطات أن السينما قادرة على لعب دور ثقافي واقتصادي في آن واحد، عبر جذب الاستثمارات، وتنشيط السياحة، وتحسين صورة البلاد دوليًا، خصوصًا في ظل محدودية التدفقات السياحية الأجنبية مقارنة بدول الجوار.
إرث أوسكاري يعيد فتح الملف
تحمل الذاكرة السينمائية الجزائرية إنجازًا استثنائيًا، تمثل في فوز فيلم «زد» بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 1970. ويُعد هذا التتويج مرجعًا أساسيًا في أي حديث عن السينما الجزائرية، إذ لم تنجح أي دولة عربية أخرى في تكرار هذا الإنجاز حتى اليوم، ما يمنح الجزائر وضعًا رمزيًا خاصًا في تاريخ السينما العالمية.
إعادة تنظيم تاريخية للصناعة
بحسب مستشار الرئيس عبد المجيد تبون للشؤون الثقافية، تشهد السينما الجزائرية ما وُصف بـ«إعادة تنظيم تاريخية». وتهدف هذه العملية إلى تفكيك التعقيدات الإدارية التي أعاقت الإنتاج لسنوات، وتوحيد مسارات التصوير والترخيص والتمويل، بما يسمح ببيئة أكثر مرونة للمخرجين والمنتجين المحليين والدوليين.
الأمير عبد القادر في صدارة الرهان
في قلب هذه الخطة، يبرز مشروع فيلم ملحمي عن الأمير عبد القادر، قائد المقاومة الجزائرية في القرن التاسع عشر، والذي يُنظر إليه بوصفه مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة. وترى الحكومة أن تقديم هذه السيرة على نطاق عالمي يمثل مفتاحًا لنهضة سينمائية حقيقية، ورسالة واضحة حول أولوية سرد التاريخ الوطني بأدوات فنية معاصرة.
تمويل مفتوح وإرادة سياسية
أكد فيصل متاوي أن الدولة مستعدة لتوفير الموارد اللازمة لإنتاج الفيلم، مشددًا على أن المشروع لن يخضع لحسابات التكلفة التقليدية. ويعكس هذا التوجه إرادة سياسية واضحة لدعم الأعمال الكبرى التي تحمل بعدًا رمزيًا، حتى وإن تطلبت استثمارات ضخمة على المدى القصير.
مركز وطني لتجاوز البيروقراطية
ضمن مسار الإصلاح، أسست الجزائر عام 2024 المركز الوطني للسينما، ليكون منصة موحدة لتصاريح التصوير والتراخيص والتأشيرات. ويُتوقع أن يسهم المركز في تقليص البيروقراطية التي لطالما شكّلت عائقًا أمام الإنتاج، ويمنح صناع الأفلام مسارًا أوضح لتنفيذ مشاريعهم.
مدينة سينما جديدة وبنية تحتية موسعة
تشمل الخطة إنشاء مدينة سينمائية متكاملة في العاصمة الجزائر، تضم استوديوهات تصوير وخدمات إنتاج متعددة. كما تمتد المشاريع إلى الجنوب، حيث يُخطط لإنشاء مرافق للمونتاج والمؤثرات البصرية في تينركوك، مستفيدة من التنوع الجغرافي والبيئي الذي تتمتع به البلاد.
هدف إنتاجي قابل للتحقق
تسعى الجزائر إلى رفع إنتاجها السنوي إلى نحو 30 فيلمًا، بين روائي ووثائقي وقصير. ويُعد هذا الهدف واقعيًا في ظل وجود أكثر من 170 مشروعًا يتقدم حاليًا بطلبات تمويل لدى وزارة الثقافة، ما يعكس حراكًا ملحوظًا داخل الوسط السينمائي المحلي.
سياق تاريخي وسياسي حاضر
لطالما شكّل الاستعمار الفرنسي مصدر إلهام للأعمال السينمائية الجزائرية البارزة، بدءًا من «معركة الجزائر» عام 1966، وصولًا إلى «وقائع سنين الجمر» الحاصل على السعفة الذهبية في «مهرجان كان» عام 1975. غير أن هذه النجاحات لم تتكرر لاحقًا، ما جعل الحضور الجزائري في المهرجانات الكبرى محدودًا لعقود.
مقارنة إقليمية تكشف الفجوة
في المقابل، حافظت مصر على موقعها مركزًا لصناعة السينما العربية لما يقرب من قرن، بينما نجحت تونس، رغم صغر حجمها، في تسجيل حضور لافت خلال السنوات الأخيرة، مع ترشيحات متتالية للأوسكار، ومشاركات دولية نشطة، ما يضع الجزائر أمام تحدٍ حقيقي لاستعادة التوازن الإقليمي.
الانفتاح على الإنتاج الدولي
تسعى السلطات الجزائرية إلى جذب إنتاجات سينمائية أجنبية، عبر اتفاقيات إنتاج مشترك مع دول عدة، في محاولة للاستفادة من المواقع الطبيعية المتنوعة، ومنافسة دول مجاورة تحولت إلى منصات تصوير مفضلة لهوليوود. ويُنظر إلى هذا الانفتاح بوصفه خطوة ضرورية لدمج السينما الجزائرية في السوق العالمية.
بوشارب وفيلم «رقان»
على صعيد الإنتاج المرتبط بالخارج، يبرز مشروع فيلم «رقان» للمخرج الفرنسي-الجزائري رشيد بوشارب، والذي يتناول التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية خلال ستينيات القرن الماضي. ومن المقرر بدء التصوير في سبتمبر 2026 جنوب البلاد، وسط تأكيدات بحصول المشروع على دعم جزائري كامل.
سينما كقوة ناعمة
في المحصلة، لا تسعى الجزائر فقط إلى زيادة عدد الأفلام المنتَجة، بل إلى إعادة تعريف دور السينما بوصفها أداة قوة ناعمة، قادرة على إعادة تقديم التاريخ، وبناء سردية وطنية معاصرة، وتعزيز الحضور الثقافي للبلاد على الساحة الدولية، بعد عقود من الغياب.

