عبدالله الأسمري
فيلم «HERE» «هنا» المأخوذ من رواية تحمل نفس الاسم صدرت في عام 2014، وتروي حكاية أرض واكبت تقدم الحياة منذ النشأة وحتى الألفية الجديدة. وهذه الحكاية أشبه بتساؤلات تدور في ذهنك عندما تشاهد مكانًا فريدًا يجذبك بقِدمه أو بجماله، ويجعلك أحيانًا تطرح تساؤلات وتبدأ تجيب عنها أو تبحث عن إجاباتها حول: ما الذي كان يحدث هنا؟ وكيف هي الظروف التي مر بهذا المكان حتى جُذبت له؟
وحتمًا ستأخذك هذه الرحلة إلى قصص جذابة وجديرة بالتوقف عندها إن كانت حقيقية، أو ستبدأ بإسقاط ذكرياتك المرتبطة بأماكن أخرى عشت فيها الكثير من المواقف والذكريات على هذا المكان. فالمكان، كما وصفه الشاعر منصور الشادي في قصيدته المغناة «الأماكن»، جعل للمكان الحظوة الأكبر في النص والشخصية الفاعلة التي تؤجج الذكريات «الأماكن كلها مشتاقة لك»، ليؤكد أن للمكان ذاكرة تجعل الشعور أعمق وأكثر تأثيرًا على من يرتبط به، كشخصية مارغريت «روبين رايت» داخل أحداث الفيلم، وهي تتذكر ربطة ابنتها الضائعة عندما وجدتها، بالرغم من مرض الزهايمر الذي ألمّ بها. ليخرجنا هذا المشهد من الفيلم بابتسامة كانت هي الأمتع والأجمل فيه.
ولكن، على الرغم من هذه النظرة الشاعرة التي أخذنا فيها المخرج روبرت زيميكس، كانت هناك إخفاقات في طريقة السرد التي كادت أن تهدر هذه الشاعرية بقرارات غريبة، وأجندة مقحمة، واستخدام مفرط للتقنية التي لم تكن متقنة في بعض المشاهد، وبالأخص تقنية «De-aging» المستخدمة لتصغير أشكال الممثليّن توم هانكس وروبن رايت. ولكن يظل للتجريب على شاشة السينما شعور يزيد من شاعرية القصة ويتفادى مشاكل السرد والتقنية.
وعد المخرج روبرت زيميكس بأن فيلم «HERE» سيكون بقوة أفلامه مع توم هانكس في التسعينيات وبداية الألفية، بعد فترة طويلة من التخبط لكليهما. واختار لمشاركة توم البطولة الممثلة روبن رايت صاحبة الدور «جيني» في أشهر أفلامه «Forrest Gump»، والذي حصل من خلاله على ست جوائز أوسكار، من ضمنها أفضل مخرج وأفضل ممثل في عام 1994 الذي يعد واحدًا من أشرس السنوات تنافسًا على جوائز الأكاديمية، واختار أن يربط الفيلمين بعضهما ببعض ليزيد من التحدي على نفسه، واستغل هذه المقارنة حتى في تسويقه للفيلم بوضع عبارة «فيلم من صناع Forrest Gump». وفعلًا، لو قارنا الفيلمين بعضهما ببعض لوجدنا تشابهًا بينهما غير الأبطال، وهو التعرض لنقاط تحول في تاريخ الحلم الأميركي عبر مدة طويلة من الزمن، وبعض من هذه التحولات ظهرت في كلا الفيلمين، كحرب فيتنام على سبيل المثال. ولكن أهم اختلاف بين الفيلمين بعيدًا عن تفوق الأول في المقارنة، هو أسلوب السرد الذي كان مفعمًا بالحيوية والتنقلات بين أماكن مختلفة من فيتنام إلى ألاباما، ومن البيت الأبيض إلى منزل العائلة وثكنات الجيش الأميركي، متتبعين بطل الفيلم الذي سمِّي الفيلم على اسمه «Forrest Gump»، وهو يتنقل بين كل هذه الأماكن المختلفة. على عكس فيلم «HERE»، الذي قرَّر باسمه أن يربطك بنفس المكان «هنا»، بل واختار المخرج أن يجعل الكاميرا ثابتة ولا تتحرك طوال 104 دقائق مدة الفيلم، وجعل الأشخاص والزمن هما اللذان يتغيران بخط زمني غير مرتب ينتقل أحيانًا بحكمة، وأحيانًا أخرى بقفزات كانت تؤثر في ارتباطك بالأحداث.
هذه المخاطرة التي اتخذها المخرج لم تكن مخاطرة فيما مضى. فعند نشأة السينما، كانت الأفلام أشبه بالمسرح؛ الكل يتحرك ويتغير داخل الكادر، ولكن منظور المشاهد يبقى ثابتًا. وطبعًا، عدم حركة الكاميرا كان في الأساس لأسباب تقنية ليس إلا، ولكن المخرج المعروف بجرأته الكبيرة نحو استخدام أحدث التقنيات وبشكل مكثف في أفلامه، اختار العودة للماضي. وهذه جرأة كانت في محلها بكل تأكيد، غير أنه استخدم تقنية اللقطة داخل اللقطة في المونتاج ليعوِّض حركة الكاميرا بطريقة ذكية للغاية.
ختامًا، يعدُّ فيلم «HERE» فيلمًا عاطفيًا في الدرجة الأولى، ونجح في أن جعلني أخرج منه مستعيدًا ذكريات أماكن عزيزة كنت قد مررت بها. غير أن هذه العاطفة أضر بها السرد القصصي للفيلم، ومقارنة صناعه بفيلمهم السابق.