عبدالله الأسمري
مسلسل «خيوط المعازيب» عمل تاريخي مستوحى من أحداث حقيقية تنتمي إلى حقبة الستينيات الميلادية، وهو عمل مناطقي بامتياز اختار أن يكون شديد الخصوصية لمجتمعه، ويُقدم صورة تاريخية عالية الجودة من تهيئة مواقع التصوير والإكسسوارات؛ ليخلق بيئة تلامس كل من عايش أو سمع عن تلك الحقبة، وأهم من ذلك اللهجة المتقنة على غير العادة في الأعمال الرمضانية، وهذا الإتقان جاء بفضل الإعداد الجيد للممثلين واختيار العديد من الأوجه الجديدة المميزة، وورشة النص السعودية بالكامل التي طورت القصة الأصلية للكاتب حسن العبدي، ويعدُّ من الأعمال التاريخية القلائل التي خرجت عن إطار المنطقة الوسطى أو الأعمال البدوية.
الشخصيات ومعالم الحياة الاجتماعية
يرتكز العمل في سرده على قصص العوام التي تتسم بالمعاناة والشدة، ولكن في رحمها إرثًا وحكايات نجح المسلسل في عرضها على الشاشة، فلذلك نرى طرائف معتوق، ولعب الصبيان في الأزقة، ومسامرات النساء في الحوي وهو الفراغ المفتوح في وسط البيت وإبراز الجانب الديني، والحرف اليدوية كصنع الفخار والحدادة، وأيضًا الزراعة وما واجهته في ظل تطور حياة المدينة وخلق فرص عمل جديدة في المصنع. وتعمقنا أكثر فذهبنا لتقاليد الأعياد ومناسبات الزواج من ليلة الحناء والزفة والجلسات الطربية التي تتجلى فيها روائع عيسى الأحسائي، فضلًا عن الحرفة الأهم والأشهر في الأحساء صناعة البشوت بخفاياها المظلمة ومجالس المعازيب بنظامه الإقطاعي تحت ما يُسمى «بالوريچه»، وكل هذا طُرز بمعجم لغوي باهر زاد جمال الحكاية وجعلها أغنى مما تبدو عليه، تلك التفاصيل الحياتية التي ظهرت على الشاشة خلقت صورة بانورامية تذكرنا بما اعدتنا سماعه من قصص في الآباء والأجداد.
شخصيات العمل، كما ذكرت سابقًا، غالبيتهم من العوام، ولكن جميعهم يتقاطعون مع الشخصية الرئيسية في العمل بوعيسى المعزب الأشهر وصاحب الشخصية العميقة ذات الأبعاد الدرامية التي تتمتع بصفات إنسانية معقدة التركيب، فهو من يمثل جانب الشر في العمل، ولكنه يتسم بحس كوميدي يجبرك على الضحك في أحلك الظروف، والشخص الحريص الذي يضع مفتاح التجوري في قلادة على عنقه، ولكن سرعان ما يسهل خداعه في العديد من المواقف، وهو الشخص الشديد والديكتاتور في عمله، ولكنه دائمًا ما يكسر من أهل بيته، جميع هذه الصفات المتضاربة وأكثر جسّدها القدير عبدالمحسن النمر ببراعة وإبهار مما جعل بوصلتك الأخلاقية مضطربة في الحكم عليه. وأيضًا من الشخصيات المميزة في العمل أم أحمد ربة المنزل البسيطة الكسيرة بغياب زوجها، ثم وفاة ابنها، ولكنها دائمًا ما تجبر كسر من حولها وتهون عليهم وتكون كأم لكل من عايشها. وفي الجانب الآخر، هناك شخصيات مرتبكة كتابيًا على مستوى البناء الدرامي أو التصرفات أو الحوار، مثلًا شخصية جاسم، بالرغم من إيماني الشديد بأهمية وجودها في المسلسل بفضل ما تحمله من تفاصيل زادت من مساحة القصة وخلقت تنوعًا في الشخصيات. ولكن في المقابل، تم العبث بها كثيرًا وخُلقت العديد من المصادفات لتحريك مسارها في القصة، فضلًا عن تحولاتها غير المنطقية، فمن حائك مثقف وبسيط إلى درويش يتفوه بحكمٍ عن العزلة وصولًا لشخصية تنويرية تحاول تثقيف العوام بعد أن هجرهم. جميع تلك الأحداث العبثية كانت سقطة في كتابة العمل، فكان من الأجدر رسم طريق أبسط للشخصية، خصوصًا أن زمن ظهورها على الشاشة لم يكن يحتمل كل تلك التغيرات الحادة، فلولا أداء العملاق إبراهيم الحساوي للشخصية باقتدار لأدركنا بشكل أكبر مشاكل بناء الشخصية التي تلاها التخبط نفسه في شخصية بدرية.
بطولة المكان والزمان
الستينيات حقبة غنية بالتفاصيل الخاصة بالمجتمع السعودي الذي كان يعتمد في أسلوب حياته على المجتمعات القروية أو البدوية، ثم في الستينيات والسبعينيات بدأ الناس يتوافدون على المدن ويعملون في المصانع والوظائف الحكومية شيئًا فشيئًا؛ والأحساء، كما هو متعارف عليه آنذاك، أنها منطقة مكتفية ذاتيًا بفضل زراعة التمور والصناعة اليدوية للبشوت، إلى أن ظهرت المكائن وزاد الطلب العالمي على النفط فتغيرت خارطة العيش وظهرت تلك المفارقات بشكل مباشر وكانت ضمن الحبكات الرئيسية في العمل.
تميز العمل بكادرات جميلة عكست حياة الناس وبيوتها وشوارعها بما يتناسب مع تلك الحقبة بواقعية قلما نجد نظيرها، فأول تسع حلقات من العمل أبرزت لنا بصمة المخرج عبدالعزيز الشلاحي في تكوين كادرات تحمل عمقًا في الصورة وقدرة رائعة على حكاية القصة بصريًا دون تكلف أو زوايا تصوير مبالغ فيها، وباهتمام بعنصر الإضاءة التي كان ظهورها بارزًا في العمل، وأيضًا جودة العناصر الثانوية في الصورة من حركة الكومبارس في الشوارع أو إيماءات الشخصيات المساندة في المشهد، ثم تلا الشلاحي المخرج الكويتي مناف عبدال، وهنا اختلفت المعادلة قليلًا وتغيرت صورة العمل فتوجه مناف لكثرة اللقطات في المشهد الواحد وغيّر زوايا التصوير بما لا يتماشى مع القصة، صحيح أنها زادت من جمالية الصورة، ولكن هذا كان على حساب رتم العمل وإيقاع المشاهد الذي تغير للأسوأ.